أحكام الصوریة بالنسبة للغیر

أحكام الصوریة بالنسبة للغیر

أحكام الصوریة بالنسبة للغیر

أحكام الصوریة بالنسبة للغیر من خلال تحدید الغیر حسب صوریة العقد (الفقرة الأولى) ثم في (الفقرة الثانیة) بحث الصوریة كمعیار لإثبات سوء نیة الغیر المقید

الفقرة الأولى:  تحدید الصوریة بالنسبة للغیر

سنعمد من خلال ھذه الفقرة إلى تحدید الغیر حسب صوریة العقد (أولا) ثم (ثانیا) تحدید موقف المشرع المغربي من الصوریة بالنسبة للغیر

أولا: تحدید الغیر حسب صوریة العقد

الصوریة في معناھا الواسع تفید إظھار وضع وھمي بمظھر الوضع الحقیقي . والصوریة اصطلاحا ، ھي توافق إرادتین على إخفاء ما اتفقا علیه سرا تحت ستار عقد ظاھر لا ترضیان بحكمه فالعقد الصوري إذن ھو عقد ینظمه الطرفان ذرا للرماد في أعین الغیر ، ویتفقان في الخفاء على تعطیل كل أو بعض آثاره ، بمقتضى عقد مستتر یسمى ورقة الضد بضمنانه حقیقة ما أراداه ورضیا به

ویتبن من ھذا التعریف أن الصوریة غالبا ما تستعمل لخدیعة الغیر وللتحایل على القانون إذ یلجأ المتعاقدان عادة إلى الصوریة عندما یریدان إخفاء حقیقة ما تعاقدا علیه لسبب معین فیكون لھما موقفان ، موقف ظاھر وموقف مستتر ومن ھنا وجد العقد الظاھر وھو العقد الصوري ، والعقد المستتر وھو العقد الحقیقي وتسمیه المحاكم المصریة عادة بورقة الضد

وقد طرحت مسألة تحدید الغیر في الصوریة بشدة لدى الفقه والقضاء ، و یبدو أن الاتجاه السائد تقلیدیا ھو أن الغیر في الصوریة كل من لم یكن طرفا في العقد الصوري

وفي ھذا المنحى یقول الأستاذ عبد الرزاق السنھوري ” یكون غیرا في الصوریة كل من اعتمد على العقد الصوري واطمأن إلیه معتقدا بحسن نیة أنه عقد حقیقي ، فبنى علیه تعامله والعدالة تقضي في ھذه الحالة أن یعتبر العقد الصوري بالنسبة له عقدا قائما ینتج أثره إذا كانت له مصلحة في ذلك

 أما إذا كان عالما وقت تعامله بصوریة العقد فالعقد الحقیقي ھو الذي یسري في حقه شأنه في ذلك شأن المتعاقدین  وعلى رغم الاعتراف بصحة ھذا المعیار أخذ علیھ أنه غیر دقیق ، فربما یكون الشخص طرفا في العقد الصوري دون أن یكون مساھما صوریا وھذا ما یحدث ، على سبیل المثال ، عندما یبرم البائع البیع وھو یعتقد أنه یبیع إلى مشتر حقیقي في حین أنھ یتعاقد مع شخص مسخر لذلك اقترح تعدیل ھذا المعیار على أساس أن الغیر ھم من لم یساھم في نشوء العقد الصوري ولم یكن ممثلا فیھ وعلى ھذا المعیار استقرت محكمة النقض الفرنسیة التي قالت أن الغیر ھو (كل من لم یساھم في ورقة الضد

وعلى وفق ھذا المعیار یتضح أن الشخص إذا ساھم بنفسه في نشوء العقد الصوري لا یعتبر “غیرا” عنه ولكن الشخص قد یساھم بواسطة ممثل عنه كمن یقیم وكیلا من بین أصدقائه لشراء شيء معین على أن یكون ھذا الوكیل شخصا مسخر فھذا الموكل وإن لم یتعاقد الوكیل باسمه لا یستطیع أن یدعي بأنھ غیر. كما أن الوكیل لو تصرف باسم مستعار فإن الموكل لا یعتبر من الغیر عن الصوریة أیضا

وكل ھذا یجب لأن یتمسك الغیر بالصوریة أن یكون حسن النیة لھذا أعلن المشرع من خلال الفصل 22 أن الاتفاقات السریة لا یحتج بھا على الغیر إذا لم یكن لھ علم بھا على أن من حق الغیر ، إذا ما كانت لھ مصلحة في ذلك ، أن یثبت الصوریة ویستفید من العقد المستتر، كما لو كان مثلا عقد الایجار الحقیقي المنظم بین مدینھ وبین المستأجر یتضمن أجرا أعلى من الأجر المصرح به في عقد الإیجار الظاھر ، حیث یسوغ له التمسك بالأجر الحقیقي.

وعلى ھذا الأساس یجدر تحدید أشخاص الغیر في الصوریة ویتعلق الأمر بكل من الخلف الخاص والدائن العادي و الشفیع.

1 – الخلف الخاص :

وتشمل طائفة الخلف الخاص الذي یعتبر غیرا بالنسبة للصوریة على الأشخاص التالیة:

أ – الدائن المرتھن: یتلقى ھذا الدائن حقا عینیا أي -حق الرھن- عن سلفه الراھن وتتجلى أھمیة وصفه بالغیر عندما لا یتلقى سلفھ الشيء الذي یثقله بالرھن إلا بعقد صوري. كأن یشتري ھذا السلف الشيء من مالكھ ببیع صوري ، فالدائن المرتھن باعتباره غیرا یستطیع أن یتمسك بالعقد الصوري لیخلص له حق الرھن.

ب – الشخص الذي یتلقى ملكیة الشيء: فھذا الشخص قد یكون أیضا بحاجة للحمایة في مواجھة الصوریة فعلى سبیل المثال قد یؤجر البائع العقار بعقد صوري قبیل بیعه ومن ثم فإن المشتري یعتبر غیرا بالنسبة للعقد الصوري فلا ینفذ في حقه

ج – خلف الخلف : وھو غیر أیضا فعلى سبیل المثال إذا أبرم بیع صوري بین شخصین و باع المشتري منھما المبنى إلى شخص آخر بعقد ، جدي فإن الأخیر ھو خلف خاص للخلف یجوز له أن یتمسك بالعقد الصوري.

2 – الدائن العادي:

 یوصف الدائن العادي بأنه غیر في الصوریة وھذه من الاستثناءات التي یوصف فیھا االدائن العادي بالغیر كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

فدائن المشتري في العقد الصوري یعتبر من الغیر ، وكذلك دائن البائع ، وكل منھما یتمسك بما ھو في مصلحته ، فیتمسك دائن المشتري بالعقد الصوري ویتمسك دائن البائع بالعقد الحقیقي. والدائن العادي یعتبر من الغیر سواء كان حقه مستحقا أو غیر مستحق ما دام خالیا من النزاع ، وسواء كان سابقا على التصرف الصوري أو تالیا له ، فدائن البائع الذي ثبت حقه بعد صدور البیع له أن یتمسك بالعقد الحقیقي . ودائن المشتري الذي ثبت حقه قبل صدور البیع له أن یتمسك بالعقد الصوري

3 – الشفیع:

 عرف المشرع المغربي الشفعة بمقتضى المادة 292 من مدونة الحقوق العینیة “الشفعة أخذ شریك في ملك مشاع أو حق عیني مشاع حصة شریكھ المبیعة بثمنھا…” وقد اعتمد المشرع من خلال ھذا على تعریف ابن عرفة الذي عرف الشفعة:

“استحقاق شریك أخذ مبیع شریكھ بثمنھ… والمراد بالاستحقاق ھنا ثبوت حالة للشریك استحق بھا الأخذ بسبب البیع لا مذكره ابن عرفة في حد الاستحقاق في قوله: رفع ملك شيء بثبوت ملك قبلھ یتعلق به”

وتثار في مدونة الحقوق العینیة مسألة ما إذا كان الشفیع غیرا بالنسبة للصوریة كما في بیع حصة شائعة في عقار یتخذ في الظاھر شكل الھبة لمنع الشفیع من أخذ الحصة المتصرف فیھا بالشفعة.

ویمكن القول أن المشرع أعلن ذلك صراحة بموجب المادة 303 من مدونة الحقوق العینیة حینما صرح بأنھ لا شفعة فیما فوت تبرعا ما لم یكن التبرع صوریا أو تحایلا ، فبناء على ھذا النص یستطیع الشفیع أن یتمسك بالصوریة إذا تم إخفاء العقد الحقیقي (عقد البیع)، و إظھاره في شكل ھبة أو صدقة، أو كان ثمن بیع العقار في العقد الصوري یقل عن الثمن في العقد المستتر.

أما ورثة المتعاقدین فلا یعتبرون من الغیر في الصوریة ویسري في حقھم العقد المستتر بالشروط وفي الحدود التي یسري فیھا على المتعاقدین ، فوارث البائع صوریا یرث الشيء المبیع لأنھ لا یزال في تركة مورثه ، ووارث المشتري صوریا لا یرث ما اشتراه مورثه لأنھ لم یدخل في ملكه حقیقة وھو الموقف الذي تبناه المشرع المغربي بمقتضى الفصل 22 من ق ل ع.

ثانیا:  موقف المشرع المغربي من تحدید الصوریة بالنسبة للغیر

تبنى المشرع المغربي الصوریة من خلال الفصل 22 من ق ل ع ، ویعتبر ھذا الفصل الإطار العام لأحكام الصوریة ، ویستخلص من خلال مضامین ھذا الفصل أن الصوریة عمل مشروع یرتب آثارا قانونیة. ولكن ھذه الآثار تختلف بالنسبة للمتعاقدین عما علیه بالنسبة للغیر.

ذلك أن العقد الظاھر كان في نیة المتعاقدین شكلیا لا قیمة قانونیة لھ في الحقیقة . فمن الواجب إذا إھماله أما العقد المستتر فقد كان ھو ما یقصده المتعاقدان فیجب إذا إعمال ھذا العقد وتقیید الطرفین بأحكامه . ولا یختلف حكم الخلف العام عن حكم المتعاقد نفسه ما دام الخلف العام یعتبر استمرارا لشخصیة المتعاقد المتوفى ، كما سلف القول أعلاه.

فالمتعاقدان قد أرادا العقد المستتر لا العقد الظاھر ، فیلتزمان بما أراده لا بما لم یریداه . وھذا یتفق مع ما تقضي به المادة 1321 من القانون المدني الفرنسي من أن العقود المستترة لا تنتج أثرھا إلا فیما بین المتعاقدین . وقد استقر الفقه والقضاء في فرنسا على ذلك ، كما أن الفقه والقضاء في مصر قد سلما بالمبدأ أیضا

ویلاحظ أن الطرف الذي یرید أن یتمسك بالعقد المستتر ھو الذي یجب علیه أن یثبت وجوده طبقا لقواعد الإثبات أما إذا لم یستطع أن یثبت أن ھناك عقدا مستترا ، فالعقد الظاھر ھو الذي یعمل به ، ویعتبر عقدا جدیا لا صوریا . فإذا ما ثبت وجود العقد المستتر ، وجب أن یكون من حیث الموضوع توافرت فیه شروطه حتى تجري علیھ أحكامه . فعقد الھبة المستتر في صورة بیع مثلا یجب أن یصدر من ذي أھلیة للھبة وأن یصدر في محرر رسمي وكل ذلك أن تتوافر فیھ أركان الھبة الموضوعیة وشروط صحتھا. فإذا توافرت ذلك أجریت على العقد أحكام الھبة لا أحكام البیع ، فیجوز الرجوع فیھا وتعتبر تبرعا لا یأخذ الشفیع إزاءھا بالشفعة

 أما من حیث الشكل فلا یشترط في العقد المستتر أن تتوافر فیھ الشكلیة التي قد یتطلبھا القانون لو لم تكن ھناك صوریة . فالھبة فى صورة بیع لا یشترط فیھا عقد رسمي ، ویكفي أن یكون العقد الظاھر بیعا في شكله أما بالنسبة للغیر وقد سبق أن حددناه فیما تقدم فإن الفصل 22 یقضي بأن الاتفاقات السریة لا أثر لھا ضد الغیر ، وتفسر ھذه العبارة بأن العقد المستتر لا یسري ضد مصلحة الغیر

الفقرة الثانیة:  الصوریة كمعیار لإثبات سوء نیة الغیر المقید

إن إثبات سوء النیة لدى الغیر المكسب لحقوق عینیة على الرسم العقاري طرح إشكالا یتعلق بأحقیة الدائن في طلب إبطال التصرفات الصوریة التي یجریھا المدین قصد تنصله من الدین وتھریب أموله التي تعتبر ضمانا عاما لدائنیه

 وللجواب على ھذا الاشكال سنعمل (أولا) على تحدید طبیعة دعوى الصوریة ثم الحدیث (ثانیا) عن المعاییر القضائیة لاستخلاص الصوریة.

أولا:  طبیعة دعوى الصوریة

أشار المشرع المغربي إلى دعوى الصوریة ضمن الفصول 22 و 419 و 926 من ق. ل.ع ورتب جزاء عدم الاحتجاج بالاتفاقات السریة على الغیر ما لم یقع الدلیل على أنھم كانوا یعلمون بھا عند العقد ، لكن یثار إشكال حول مسألة طبیعة الدعوى التي سیرفعھا الدائن في مواجھة أطراف العقد الذي أضر بحقوقه ، فھل یقتصر الدائن على رفع دعوى عدم نفاذ التصرف في مواجھته ، أم یجب علیه رفع دعوى إبطال التصرف المبرم من طرف المدین بھدف تنظیم إعساره والإضرار بحقوق الدائن؟.

وفي ھذا الإطار أورد الأستاذ حسن فتوخ وقائع نازلة في إحدى مقالاته ، تتعلق بكون بنك الوفاء سبق له أن تقدم إلى المحكمة التجاریة بالدار البیضاء بطلب یرمي إلى إبطال عقد البیع وبعدم مواجھته به بوصفه غیرا عن أطرافھ ودائنا للطرف البائع ، والحكم على المحافظ العقاري بالتشطیب علیه ، فأصدرت بشأنه حكما برفض الطلب ، وتم تأییده من محكمة الاستئناف التجاریة بالدار البیضاء بعد إجرائھا بحثا حول موضوع العقار المبیع على أساس أن ھناك فرقا شاسعا بین الإبطال من أجل الصوریة ، والدعوى البولیانیة (الدعوى غیر المباشر وأن الفصل 1241 م ق ل ع لا ینھى على الإبطال ، وأنه كان على البنك أن یطالب بعدم نفاذ تصرف المدین في حقھ بدل أن یطالب بإبطال البیع.

ثانیا:  المعاییر القضائیة لاستخلاص الصوریة

إن التصرفات التي یبرمھا المدین قصد تفویت حقه إضرارا بالغیر ، تخول لھذا الاخیر الطعن فیھا أمام القضاء ، والمطالبة بإبطالھا استنادا إلى الصوریة ، وھو ما أكده القرار الصادر عن محكمة النقض بتاریخ 2014/01/07 حیث جاء فیه مایلي :

“وبالموازاة مع ذلك قام المدعى علیه بتحویل جمیع ممتلكاته بإبرام عقود ھبة صوریة مع زوجته وعقود أخرى صوریة مع أخیه ومنھا تفویت العقار موضوع الرسم العقاري عدد مباشرة بعد أن قام بتقدیم الكمبیالاة لھا إضرار بھا وھناك مجموعة من القرائن الواقعیة تفید ذلك من كون المشتري أخا للمدین وكون الثمن المصرح به لا یتناسب وقیمة العقار إذ لا یعقل أن یتم بیع عقار مساحتھ 373 متر مربع بمركز الدار البیضاء بمبلغ 1.4000.000 درھم ، واعتبارا للفصل 1241 الذي یعتبر أموال المدین ضمانا عاما لدائنیھ ، والاجتھاد القضائي الذي دأب على اعتبار عقود الصوریة كأنھا غیر موجودة ، فإنھا تلتمس الحكم بإبطال عقد البیع الصوري المبرم …وأمر المحافظ بالتشطیب علیه”

أما بخصوص إثبات الصوریة التي یدعیھا ، فالدائن الطاعن في الاتفاقات المبرمة من طرف المدین مع الغیر الذي اكتسب بمقتضاه حقا عینیا بالرسم العقاري إثباتھا بجمیع الوسائل وفق القواعد العامة للإثبات بما فیھا القرائن القویة المنضبطة المتلائمة مع ظروف ووقائع من ق ل ع. النازلة المعروضة على المحكمة عملا بمقتضیات الفصل 41

فمن خلال ھذا القرار یستفاد أن الھبة المنجزة بین الواھب وزوجته (الموھوب لھا) بعد ثبوت مدیونیته قرینة كافیة على سوء نیته لإخراج أموالھ من الضمان العام المخول لدائنیه طبقا للفصل 1241 ، مما یترتب عن ذلك القول بصوریة عقد الھبة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!