السياسة العقابية في المذاهب الفكرية

السياسة العقابية في المذاهب الفكرية

السياسة العقابية في المذاهب الفكرية

السياسة العقابية ترتكز على أساس حق الدولة في العقاب أي السند الشرعي التي تعتمده السلطة في وضع وإنزال العقوبة على المجرم، هذا السند الذي كان مثار نقاش واختلفت بشأنه الأفكار هذا.

ومن أجل تمثل تطور السياسة العقابية عبر مراحلها التاريخية منذ نشأتها الأولى وهي التي تعتبر ممتدة في القدم امتداد المجتمع ذاته، سوف نتتبع مظهراتها منذ بداياتها الأولى ثم مقاربة المذاهب والمدارس العالمية التي تناولتها، ووضعت تصورات غاية في الأهمية أنتجت تراثا هائلا في علم العقاب والجريمة

الفقرة الأولى : السياسة العقابية في الفكر القديم

تشير الأبحاث والكتب التي تناولت علم العقاب أن الدراسات المهتمة بالعقوبة لم تبدأ إلا في القرن الثامن عشر بظهور المدارس الفلسفية التي حاولت البحث في الأساس الشرعي وحق الدولة في العقاب، غير أن ذلك لا يحجب دور المجتمعات القديمة في إيجاد نظام عقابي كان نتاجا طبيعيا للجريمة وردا منطقيا عليها.

ففي المجتمعات البدائية القديمة التي كان يطبعها نظام القبيلة، حيث كان الأفراد يتوزعون على قبائل مستقلة منفصلة على بعضها البعض، معتمدة على قوتها في استمرار وجودها والدفاع عن نفسها، فكان الانتقام وردة الفعل المتمثلة في مقابلة العدوان بالعدوان هو قانون القبائل وأسلوب حياتها، فكان الانتصار دائما للطرف القوي ولو كان جائرا ومعتديا۔

وقد كان أسلوب الانتقام هو القانون السائد داخل القبيلة نفسها الذي كان يأخذ طابعا شخصيا تحركه دوافع الثأر لدى الفرد والقبيلة على حد سواء.

وقد أخذ الانتقام طابعا دينيا بظهور الدين كأساس ينظم الحياة داخل القبيلة فأصبحت الجريمة تمثل عصيانا وخروجا عن التعاليم الدينية، والعقوبة تكفيرا عن هذا العصيان

وفي المجتمعات الشرقية القديمة كان الدين عاملا أساسيا في تحديد العقوبات، حيث اعتبرت الجريمة خطيئة وزلة دينية تغضب الآلهة وتتطلب الانتقام تكفيرا لها، فكان القصاص شخصيا حيث يمكن للمعتدى عليه الانتقام من المعتدي بالشكل الذي يحقق التعادل بين الاعتداء والانتقام

أما في المجتمع الإغريقي أخذت العقوبة طابعا سياسيا إضافة إلى طابعها الديني، وبذلك تجاوزت مفهوم العصيان للالهة إلى خرق النظام الاجتماعي، وقد كان للمذاهب الفلسفية التي عرفها المجتمع الإغريقي أنداك دورا كبيرا في هذا التوجه، فقد نادي أفلاطون مثلا بشخصية العقوبة وأوضح أن الغاية من العقاب ليست انتقامية وإنما هي وسيلة لمنع وقوع الجريمة مستقبلا

أما روما القديمة فقد اعتمدت نظاما عقابيا خاصا أساسه القصاص من جهة والمحافظة على النظام الاجتماعي من جهة ثانية.

وظهر إلى جانب القصاص نظام الدية أو التصالح وهو عبارة عن اتفاق بين المعتدي والمعتدى عليه يتنازل فيه هذا الأخير عن حقه في الثأر لقاء مبلغ من المال يدفعه الأول

وقد تطور مفهوم العقوبة وتخلص من طابعه الديني ليأخذ طابعا سياسيا تبعا لتصور مجتمع روما للجريمة التي تعد خرقا لنظام اجتماعي وما يتسبب فيه من اضطراب في المجتمع، وكان للمسيحية دورها ولمستها على السياسة العقابية، فظهر اتجاه يرى أن للعقوبة هدفا آخر هو تقويم الجاني وإصلاحه إلى جانب الردع الذي يعتبر وظيفة أساسية وتمت المناداة بالمساواة في العقاب ونبذ التفرقة بين المواطنين كجواز تطبيق عقوبة الإعدام على العبيد وحدهم.

وفي المجتمع الإقطاعي تطور مفهوم العقوبة الذي كان يأخذ طابعا انتقاميا فرديا من المعتدي عليه في طابع عام بظهور النظام الإقطاعي سيطرة النفوذ الديني مع الكنيسة التي جمع رهبانها بين السلطتين الدينية و الدنيوية ومسك سلطة القضاء الجنائي، فكانت العقوبة رد فعل طبيعي على الجريمة الخطيئة دينية فاتسمت بالشدة القسوة.

وبداية مع القرن السادس عشر بدأت الدولة تتشكل وتتقوى فأصبح الملك هو الحاكم والجهة الموكول إليها إصدار العقاب، فظهرت فكرة السلطات العامة والمصلحة العامة وبوأت مصلحة المجتمع مرتبة أعلى من مصلحة الفرد، فأخذ العقاب بعدا اجتماعيا يروم مكافحة الجريمة في المجتمع.

الفقرة الثانية : السياسة العقابية عند المدرسة التقليدية

في ظل القسوة والشدة التي كانت تعرفها العقوبات التي كان يطبع نظامها عدم التناسب والتلاؤم بين الجريمة والعقوبة التي كانت تحكمها المزاجية و هوی الحاكم ظهرت أصوات تحاول التأسيس والتأصيل للعقوبة وهدم مسوغاتها التي كانت تطبع النظام الجنائي من قبل فلاسفة وعلماء الاجتماع الذين أعطوا مقاربة جديدة للعقاب.

فظهرت المدرسة التقليدية بفضل الدراسات التي قام بها فلاسفة القرن الثامن عشر التي أحدثت ثورة في المعتقدات الاجتماعية والسياسية

يری رواد المدرسة التقليدية في تفسيرهم لنظرية العقاب أنها تقوم على أساس أن الجريمة هي نتاج لسلوك فردي إرادي واختياري من طرف الجاني بسبب أنا نيته ومنفعته الشخصية،

فيقوم بخرق بنود العقد الاجتماعي الذي ينظم الحقوق والواجبات المشتركة بين الفرد والمجتمع، فيكون هدف العقوبة هو تحقيق المنفعة الاجتماعية عن طريق المنع والردع.

اهتم مؤسس المدرسة التقليدية “بيكاريا” بتجربة الإصلاح الجنائي في عصره وضمن أفكاره في مؤلفه الشهير “في الجرائم والعقوبات” مجموعة من المبادئ الجوهرية التي انعكست على التشريعات الجنائية وشكلت نقطة تحول في تاريخ القانون الجنائي، ونادي بسلب القضاة تحكمهم في تحديد العقوبات وفرضها بإسنادها إلى جهات تشريعية تضطلع بتحديد الجرائم والعقوبات ويصبح دور القاضي تنفيذ القانون فقط بتنزيل العقوبات الواردة فيه دون أي اجتهاد، وهو من دشن القاعدة الا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”

وقد تأثر “بيكاريا” كثيرا بنظرية العقد الاجتماعي التي قدمها الفيلسوف روسو في وضع مبادئ السياسة العقابية للمدرسية التقليدية التي كان لها بالغ الأثر في السياسة الجنائية المعاصرة، كما أنه نادي بإلغاء عقوبة الإعدام.

إن أساس سلطة الدولة في العقاب يستمد خصوصيته من الأساس الفلسفي للسلطة في الجماعة، فإذا كان الأفراد قد تعاقدوا على العيش في أمان وسلام تحت ولاء وراية سلطة موحدة فإن الجريمة تعتبر خرقا وانتهاك لهذا العقد تستوجب اللجوء إلى العقاب

مبادئ المدرسة التقليدية في السياسة العقابية :

– ضرورة تحديد الجرائم والعقوبات في نصوص قانونية واضحة مع جعل هذا الأمر موكول للسلطة التشريعية، في حين تضطلع السلطة القضائية بتنفيذها، أخذا بمبدأ قانونية الجريمة والعقوبة ومبدأ قضائية تطبيق العقوبة؛

– إن جدوى العقاب لا يتعلق بالجريمة التي وقعت فعلا بل يجب أن يظهر نفعه في منع وقوعها مستقبلا؛

– التناسب بين العقوبة والخطورة الإجرامية، فالجسامة تتحدد بمقدار الضرر الذي تحدثه الجريمة بالمجني عليه أو بالنفع الذي يقصده الجاني، دون الالتفات إلى خطورة هذا الأخير وبالتالي يجب أن تكون ضوابط العقاب ضوابط مادية موضوعية صرفة؛

– إلغاء كل صور التعذيب المصاحبة لتنفيذ عقوبة الإعدام التي نادى بإلغائها إلا في الجرائم السياسية على أساس لم يتنازل أي أحد في العقد الاجتماعي على حقه في الحياة، في حين أن الجرائم السياسية فهي تنم عن اضطراب يسمح للسلطة بإعمال قواعد الدفاع الاجتماعي ووقف العقد.

وتطورت أفكار المدرسة التقليدية على أيدي مجموعة من الفقهاء الذين دافعوا عن مبدأ العقوبة مثل “جيريمي بنتام” في مؤلفيه “مبادئ الأخلاق والتشريع” و”التشريع المدني والجنائي” الذي يرى أنه لا محل للعقوبة إلا إذا توفرت دواعيها في تحقيق المنفعة أو الضرورة، وما زاد عن ذلك يصبح شرا على من يقع عليه العقاب وعلى المجتمع بما يتكبده من نفقات.

فالإنسان في نظره أناني بطبعه تسيره المنفعة الخاصة إذ يسعى جاهدا إلى تحقيق ذاته التي لا حد لها، لذلك يجب أن تنصرف مهمة التشريع إلى تحقيق المعاني المحددة كالعدل وكذا كفالة الحد الأقصى من الحرية للأفراد کی يحققوا أكبر قدر من اللذة الحسية والمعنوية وبالتالي فالقيود التي يضعها التشريع تكون مبررة ما دامت تهدف إلى تحقيق المنفعة

أما “فویرباخ فيرى” أن الردع يجب أن ينصرف إلى الجانب النفسي للجانی، فكلما كانت اللذة التي يستشعرها في إرضائه لشهواته بارتكابه الجريمة بمثابة دافع نفسي لها كان لزاما أن تكون العقوبة على درجة من القسوة بحيث تقلل من هذه اللذة لتكون الوظيفة العقابية هي الردع بواسطة الإكراه النفسي.

في حين ذهب كانط أن غرض العقوبة هو تحقيق العدالة المطلقة ووظيفتها هو إرضاء الشعور بالعدالة من منطلق أن الجريمة شر والعقوبة عدل والشر يجب مقابلته بالشر وأعطى كانط مثل مشهور أسماه “الجزيرة المهجورة” ينطلق فيه من فردية أن جماعة من البشر تعيش على جزيرة اتفقت على إنهاء معيشتها المشتركة وهجرة تلك الجزيرة، فإن عليها أن تنفذ آخر حكم بالإعدام صدر فيها لأن العدالة توجب ذلك بالرغم من أن تفيذ هذا الحكم أصبح عديم الجدوى لهذه الجماعة و هي على وشك المغادرة.

نستنتج أن الوظيفة الأساسية للعقوبة تتمثل في تحقيق العدالة التي تعتبر مقابلا لإرادة إتيان الفعل الجرمي، لكن ينبغي أن تؤخذ العقوبة بمنفعتها فلا يحق للمجتمع أن يتجاوز في عقابه حدود العدالة والمنفعة أو الضرر.

بالرغم من الثورة التي أحدثتها المدرسة التقليدية في السياسة العقابية فقد تعرضت لسيل من الانتقادات سيما وأنها اعتمدت على أفكار فلسفية مؤسسة على الافتراض لأنها اعتمدت في تقديرها للعقوبة على الفعل وحده دون الفاعل أي على الجريمة دون اعتداد بالمجرم مما أدى إلى بناء أطروحتها على أساس أن المجرم إنسان مجرد.

كما أن المدرسة التقليدية لم تفلح حين ربطت العقاب بضوابط مادية موضوعية، ذلك أن العدالة لا تتحقق صورها إلا بمراعاة الظروف والأحوال التي أحاطت بالجريمة والمجرم على حد سواء، ويمتلك القاضي الذي حاولت هذه المدرسة تجريده من الاجتهاد وسلطات واسعة إلى تكييف هذه الظروف.

كما أن الجزاء الجنائي المحدد والثابت لمجموع المجرمين المرتكبين لفعل واحد لا يمكنه أن يكون بأي حال من الأحوال لاختلافهم في التكوين الخلقي والنفسي، وبالتالي قد يكون رادعا لبعضهم دون الآخر ما تفقد معه العقوبة وظيفتها الردعية

وأخيرا فإن الجزاء الجنائي لا ينبغي حصره في تحقيق الردع وحده بل يجب أن ينصرف إلى المجرم وتقويم سلوكه الإجرامي بتوفير ضمانات أكبر في عدم معاودة ارتكاب الجريمة مرة أخرى.

الفقرة الثالثة : السياسة العقابية عند المدرسة التقليدية الجديدة

تعتبر المدرسة التقليدية الجديدة امتدادا للمدرسة التقليدية في تصورها للسياسة العقابية فهي تأخذ بمبدأ حرية الاختيار كأساس المسؤولية الجنائية، غير أنها ترى أن الجاني غير مسؤول عن الفعل الجرمي بشكل مطلق ولو توفر عنصر الإرادة و الحرية.

وقد أرست هذه المدرسة مبدا جديدا يعتمد تناسب العقوبة مع درجة مسؤولية المجرم، فنادت بمبدأ المسؤولية المخففة رافضة مبدأ العقوبة الموحدة على جميع الجناة

ومن جهة أخرى، فقد أقامت هذه المدرسة حق العقاب ليس فقط على أساس المنفعة إنما أيضا على مبدأ العدالة المطلقة، فالعقوبة لا ينبغي أن تتجاوز ما هو عادي وما هو ضروري وإلا أصيب المجتمع او أفراده بضرر لعدم تحقيق العدالة الجنائية، لذلك ناهضت هذه المدرسة العقوبات القاسية وطال بتعويضها بعقوبات معتدلة تتناسب وظروف الجاني وشخصيتة

إن هذا التصور لم يأخذ بمبدأ العقوبة المادية أو الموضوعية التي اتسمت بالجهود وتقييد القاضي وكبح حريته في تكييف الجرائم حسب الوقائع المحيطة بها مما يجعله لا يميز بين الحالات ولا يراعي ظروف المجرم، واعتماد مبدا التناسب منح فسحة للقضاء الزجري لاعتماد الحد الأدني أو الأقصى للجريمة و مبدأ المسؤولية المخففة أو المشددة للعقوبة وبالتالي تحقيق عدالة جنائية تراع ليس فقط طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها بل أيضا ظروف المجرم، وهذا التوجه يشكل دفعة قوية نحو الاهتمام بدراسة شخص المجرم ووضع اللبنات الأولى لعلم الإجرام.

هذا الأسلوب في التعامل مع الجريمة الذي أتت به المدرسة التقليدية الجديدة هو ما كرس توجها جديدا في منح السلطة التقديرية للقاضى الجنائي في تطبيق العقوبة بين الحد الأقصى والحد الأدنى، وإقرار نظام الظروف المخففة والمشددة وهو ما تأثرت به العديد من التشريعات الجنائية

إن الجريمة اختيار إرادي للمجرم والعقوبة أثر طبیعی و مقابل لتلك الإرادة وهدفها تحقيق العدالة الجنائية، غير أن هذه العقوبة لا يجب أن تتجاوز حدود العدالة والمنفعة أو ما يعبر عنه بالضرورة.

ويمكن القول أن المدرسة التقليدية الجديدة لطفت من السياسة العقابية بتكريسها مبادئ جديدة أكثر مرونة سيما في تحقيق فلسفة عدم قسوة العقوبات ومنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في الأخذ بالحد الأدني أو الأقصى للعقوبة وبإقرارها نظام الظروف المخففة أو المشددة.

وقد وجهت إلى هذه المدرسة انتقادات تمحورت حول فشلها في مكافحة الاجرامية بسبب المناداة بالظروف المخففة التي لا تنفع مع المجرمين المعتادين على الإجرام إضافة إلى صعوبة قياس درجة حرية الاختيار، وفسح المجال أمام العقوبات القصيرة المدى وما ينتج عليها من آثار الاختلاط الضار المحكوم عليهم مما فسح المجال لظهور المدرسة الوضعية

الفقرة الرابعة : السياسة العقابية عند المدرسة الوضعية

ظهرت السياسة العقابية الوضعية ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بفضل مجهودات الطبيب الشرعي والعالم النفساني “سيزار لومبروز” وصاحب كتاب (الإنسان المجرم)، والعالم الجنائي الاجتماعي “انريكو فيري”

والقاضي الفقيه رافتيل جارو فالو صاحب كتاب (السوسيولوجيا الجنائية صاحب كتاب “علم الإجرام“)

وتميزت هذه المدرسة باعتمادها أسلوب البحث الواقعي عن طريق استخدام المعطيات التي توصل إليها علم الاجتماع والنفس والطب، وهو ما عبر عنه “فيري” بقوله: “إذا كنا نطلق على مدرستنا وصف الوضعية، فليس ذلك لأننا نتبع نظاما فلسفيا معينا- ولو كان هو نظام “أوجيست كونت” إلى متن أو إلى أخرى – فحسب بسبب الأسلوب الذي تدعوا إلى تطبيقه وهو الأسلوب الملاحظة والتجریب فلم يعد فيها بالتالي محلا للنظر إلى الجاني كدمية حية تخضع لتطبيق صيغ نظرية انبعثت عن تخيلات نظرية، وعلى ظهر هذه الدمية يتعين على القاضي أن يلصق رقم مادة من التشريع العقابي، ثم تصبح هذه الدمية الحية نفسها رقما عند تنفيذ العقوبة.

يتضح أن المدرسة الوضعية تعتمد المنهج العلمي التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة والاستنتاج، فأحدثت بذلك ثورة عصفت بالأفكار التقليدية التي كانت تروم تفسير الجريمة ووضع الأنظمة العقابية، وكرست ممارسة جديدة لا تسلم بالغيبيات والأفكار المسبقة أو المعاني الفلسفية المجردة و المطلقة.

بناءا على ذلك تجاوزت المدرسة الوضعية الأسس التي اعتمدتها المدارس التقليدية في بناء مرجعيتها العقابية القائمة على مبدأ تحقيق العدالة والمنفعة والانتقام إلى مبدأ الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، لذلك ابتدع رواد هذه المدرسة نوعا جديدا من الجزاء لم يعتبروه عقوبة وإنما اعتبروه بديلا وهو ما يصطلح على تسميته بالتدابير الجنائية.

قد نجحت هذه المدرسة في لفت الانتباه إلى شخصية المجرم وأعطت تصورا جديدا للمسؤولية الجنائية بتأسيسها على مفهوم الخطورة الإجرامية ووضعها للتدابير الجزائية كأساس جديد للعقاب، ناهيك على أنها وضعت أطروحة تهدف الوقاية من الجريمة بشكل قبلي من خلال مكافحة الأسباب المهية لها كالفقر والجهل والمرض بتوفير الحياة الكريمة للناس وإنشاء المدارس ومراعاة التهذيب والأدب في وسائل الثقافة وتشجيع البحث العلمي

وقد وجهت لهذه المدرسة بعض الانتقادات أهمها:

– إن رفض مبدأ حرية الاختيار والحرية في ارتكاب الجريمة يعارض مبدأ الحتمية والمنطق والعقل، إذ لم يتم التدليل ولم يثبت أن الإنسان مجبر على تصرفاته بمعنى أن المجرم مدفوع حتما إلى سلوك طريق الانحراف والجريمة؛

– إن التركيز على شخصية المجرم من شأنه تغييب الفعل الجرمي وما يخلقه من نتائج ضارة، وبالتالي يتم إغفال جانب أسياسي يجب أن يراعى في تحقيق العدالة الجنائية

إن السماح بتوقيع التدابير الوقائية على أشخاص لم يرتكبوا جرائم بعد نظرا لخطورتهم الإجرامية يعتبر ضربا وهدرا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات

الفقرة الخامسة : السياسة العقابية عند حركة الدفاع الاجتماعي

إن تعبير الدفاع الاجتماعي باعتباره هدفا للعقوبة شاع وتردد على لسان , العديد الفلاسفة والمفكرين منذ القدم، هذا التعبير كان يأخذ معانی متعددة و مختلفة أهمها حماية المجتمع ضد الجريمة، غير أن هذا المفهوم ظل مقتصرا على ضرورة إقامة نظام زجري صارم حيث سادت سياسة عقابية مفادها حماية المجتمع من الجريمة عن طريق استخدام العقوبات الزجرية.

غير أن هذا المفهوم سرعان ما تلاشي مع نهاية القرن التاسع عشر في الأطروحات التي انصبت على دراسة الغاية المتوخاة من تطبيق نظام العقوبات، ووضع اسس عالمية تروم عقلنة وترشيد هذا النظام بناءا على التطور الحاصل في علوم الإنسان وظهور علم الإجرام و علم العقاب، مما ساهم في ظهور حركة  فكرية جديدة ذهبت إلى أن حماية المجتمع لا تتوفر من خلال وضع ترسانة من العقوبات الزجرية وحدها، ليصبح التعبير الدفاع الاجتماعي مدلولا جديدا مع حركة الدفاع الاجتماعي التي تلتقي مع المدرسة الوضعية في الاهتمام بأسباب الجريمة خارج مجال حرية الاختيار، غير أنها تتبنى أطروحة مغايرة في تفسير الأسباب والعوامل المؤدية إلى وقوع الجرائم.

ان حركة الدفاع الاجتماعي كرست نظرة جديدة أحدثت نوعا من المطابقة سن الدفاع الاجتماعي كهدف والجزاء كوسيلة تهدف إعادة تأهيل المجرم بهدف دمجه في المجتمع، وهي بذلك تحاول استعادة المجرم الذي خرج عن المجتمع لينضوي فيه من جديد فاعتبرت بذلك حركة إصلاحية جديدة سيما وأن المجتمع في نظرها في سبيل دفاعه عن نفسه ضد المجرم يجب أن يتوجه إليه قصد مساعدته في إعادة تكييفه مع المجتمع.

أولا : جراما تيکا والدفاع الاجتماعي

اقترن اسم “فيليبو جراماتيكا” بحركة الدفاع الاجتماعي، وطالب بوضع نظام جنائی جدید تختفي منه المصطلحات التقليدية من قبيل قانون العقوبات، المجرم، الجريمة، المسؤولية الجزائية… ليحل محلها قانون الدفاع الاجتماعي،الفرد الاجتماعي، الفعل المضاد للمجتمع، المسؤولية الاجتماعية، وتدابير الدفاع الإجتماعي.

وقد انتقد “جراماتيك” فكرة الجريمة والمسؤولية الجنائية من خلال إنكباب القانون الجنائي على دراسة الفعل والانشغال به إلى حد أبعده عن دراسة شخص الفاعل

انطلق “جراماتيكا” بوضع تصور جديد للنظام العقابي الذي يجب أن يقوم بوظيفة تقويم المجرم وتأهيله للتكيف مع الحياة الاجتماعية، فالجريمة في نظره ليست سوى عصيانا اجتماعيا على أنظمة المجتمع وقواعده، والمجرم ماهو الا شخص خارج على المجتمع بسبب مرضه الذي هو سوء التكييف.

لذلك فإنه ذهب في إطار دراسته للجريمة والمعاقبة عليها إلى عدم وجود أي صلة بين مبدأي الجبرية وحرية الاختيار وبين الظاهرة الإجرامية، هذه الأخيرة التي ربطها بشبكة من العناصر الاجتماعية والواقعية التي تؤدي بالفرد مستوی ظروف الجاني الشخصية أو البيئية إلى سلوك طريق الإجرام، فبحث هذا السلوك لا يجب أن ينحصر فقط في مستوى ظروف الجاني الشخصية أو البيئية

بل يجب أن يتعداها للخلل والاضطراب الاجتماعي على مستوى الواقع والقضاء على هذا الاضطراب يشكل أفضل وسيلة لمكافحة الظاهرة الإجرامية 

فالمسؤولية الجنائية المستوجبة للعقوبة في نظر “جراماتيكا” هي مجرد إعلان بوجود حالة نفسية فردية مضادة للمجتمع، وبالتالي فإن العقوبة يجب أن لا ترتبط بما يترتب عن الجريمة من ضرر وما تمثله من خطر وإنما بالتقدير الشخصي للفاعل على ضوء ظروف وملابسات ارتكابه لأفعاله المنحرفة، فيكون الهدف هو إصلاح المجرم وتقويمه تمهيدا لضمان عودته إلى رحم مجتمعه.

يتضح جليا أن “جراما تيكا” اهتم بشخصية المنحرف اجتماعيا ووضع تصورا يروم تقویم انحرافه ورده إلى المجتمع كهدف أولي، دون إغفال هدف أخر اجتماعي يتمثل في مكافحة الجريمة ومعالجة الخلل الاجتماعي بشكل عام.

غير أن هذه الأطروحات التي وضعها هذا الفقيه في إصلاح المجرم لا تخضع لمقاييس محددة ومتشابهة، فهي تتفاوت بحسب التكوين النفسي والطبيعي للفاعل كما أنها تحتاج إلى آماد زمنية لكي تحقق أهدافها، زيادة على ذلك أن تدابير الدفاع الاجتماعي تنم عن توجهات ذات طبيعة تربوية وعلاجية ووقائية تنفذ على الفرد

كما تم انتقاد هذا التوجه لكونه غلى في طلب إلغاء قانون العقوبات والمسؤولية الجنائية والجزاءات الجنائية وإهداره لمبدأ شرعية التجريم والعقاب بما يتنافى والأهداف المعقودة على الجزاءات الجنائية في تحقيق الردع العام والخاص

ثانيا : “مارك أنسن” والدفاع الاجتماعي الجديد

إذا كانت الآراء التي أتى بها “جراما تيكا” لم تنل قبولا كاملا من الأوساط الفقهية والتشريعية، فإن الآراء التي جاء بها المستشار الفرنسي “مارك انسن” زعيم الجناح المعتدل الحركة الدفاع الاجتماعي الحديثة قد احتل م.. متميزة في الفقه والتشريع الجنائيين المعاصرين.

وقد قام “مارك انسين” بوضع أفكاره التي ساهمت في تصحيح مسار مدرسة الدفاع الاجتماعي بوضع أطروحات جديدة حول سياسة التجريم و العقا التي تميزت بالاعتدال وتتلخص فيما يلي:

– ضرورة إبقاء الجزاء بنوعيه المثمتل في العقوبة والتدبير كمؤسسة عقابية؛- ضرورة تناسب الجزاء مع الفعل الإجرامي؛ – حرية الاختيار كأساس للمساءلة الجنائية ؛ – الشرعية في التجريم.

فعلى خلاف “جرامتيكا” لا يرفض “مارك انسن” قانون العقوبات ولا ينكر مبدأ الشرعية ولا يلغي المسؤولية الجنائية.

ويرى أن الهدف من الجزاء الجنائي هو الدفاع الاجتماعي وذلك بواسطة التدابير الاجتماعية الوقائية والعلاجية التربوية لشخص المجرم بما يحول دون وقوعه في الجريمة مرة أخرى في إطار عدالة جنائية الغاية منها تأهيل المجرم لاستعادة تكيفه وانسجامه مع المجتمع.

فالمسؤولية الجنائية ينبغي أن يكون مبناها الخطأ القائم على حرية الإرادة المقيدة بسائر العوامل والظروف الشخصية أو الموضوعية

فالمجتمع يقع على عاتقه واجب محاربة الإجرام بوسائل عامة من خلال التقليل من فرص الوقوع فيه كمحاربة المخدرات ووضع سياسة الرعاية والمساعدة الاجتماعية وأن يراعي في التدابير الاحترازية العوامل العضوية والنفسية والاجتماعية التي دفعت المجرم إلى ارتكاب الجريمة مما يجب أن تتحقق معه مسألة تفريد العقاب

لذلك يرى “انسن” أنه يجب استعانة القاضي قبل الحكم في الدعوى اليه المعروضة عليه بملف خاص لكل مجرم تدون فيه نتائج فحص شخصيته وظروفه، يقوم على اعداده جماعة من الخبراء الفنيين والمختصين في دراسة السلوك الإجرامي کالأطباء وعلماء النفس والاجتماع والإجرام، حتى يتمكن من تقدير المسؤولية على أسس واقعية

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!