الركن المعنوي للجريمة

ينص الفصل 133 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على ما يلي : ” الجنايات والجنح لا يعاقب عليها إلا إذا ارتكبت عمدا. إلا أن الجنح التي ترتكب خطأ يعاقب عليها بصفة استثنائية في الحالات الخاصة التي ينص عليها القانون. أما المخالفات فيعاقب عليها حتى ولو ارتكبت خطأ، فيما عدا الحالات التي يستلزم فيها القانون صراحة قصد الإضرار “

الملاحظة العامة على هذا الفصل، أنه وبالإضافة لاشتراطه الركن المعنوي في الأنواع الثلاثة من الجرائم جنایات ،جنح ومخالفات ، فإنه وانطلاقا من تراتبية هذه الجرائم ، حسب خطورتها بطبيعة الحال، حاول أن يرسم للركن المذكور مستويات ثلاثة كذلك، لكن وفق ترتيب نعتبره محل مناقشة

 في المستوى الأول، المشرع يتحدث عن العمد، ويهم الجنايات دائما، و الجنح كمبدأ عام. وفي المستوى الثاني ينتقل المشرع للحديث عن الخطأ، وهذا يهم الجنح بصفة استثنائية، ويهم كذلك المخالفات لم يأتي في المستوى الثالث ليتحدث عن قصد الإضرار والذي قد يهم استثناء المخالفات

الركن المعنوي يتمثل في تلك القوة المرتبطة بنفسية الجاني، والتي تحمله عبر الإرادة على إتيان نشاطه إما بشكل عمدي أو بالخطأ, فمرتكب الجريمة لا يكفي لإدانته إسناد الفعل ماديا إليه، بل لابد من تحقق إمكانية ذلك معنويا بالوقوف، إما على توافر قصد جنائی جعله يأتي النشاط الإجرامي بشكل متعمد، أو على ارتكابه وفق إحدى صور الخطأ، وهي عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الإهمال أو عدم مراعاة النظم والقوانين.

أولا – القصد الجنائي

بصفة عامة، يمكن القول أن القصد الجنائي يتمثل في توجيه الفاعل لإرادته من أجل تحقيق واقعة إجرامية معينة، مع العلم بحقيتها سواء من الناحية القانونية أو من الناحية المادية إذن لا بد في الجرائم العملية، أي التي تقوم على القصد المذكور، من اتجاه إرادة الجاني الآثمة إلى تحقيق النشاط الإجرامي مع حصول علمه بحقيقة ذلك النشاط وتجريم المشرع له

توجيه الإرادة إلى تحقيق الواقعة الإجرامية

لا يتحقق الركن المعنوي في الجرائم العمدية إلا بتحقق هذا العنصر المتمثل في استهداف النتيجة الإجرامية، عبر إرادة راغبة في تحقيقها تعمل على تنفيذ النشاط الإجرامي المؤدي لذلك. ففي جريمة القتل العمد من، لا يمكن أن يقوم القصد الجنائي إلا باتجاه الإرادة إلى إزهاق روح الضحية، أما إذا لم تتجه الإرادة إلى تحصيل النتيجة المذكورة، لكنها حصلت مع ذلك، وكانت وليدة إحدى صور الخطأ أعلاه، فتكييف الفعل يدخل في خانة القتل الخطأ، كما هو الأمر في حوادث السير هنا لا بد من التأكيد على أن مسألة إثبات قيام القصد الجنائي من عدمه في حق الجاني يدخل في المسائل الواقعية التي يستقل بتقديرها قضاة الموضوع، ولا رقابة عليهم في ذلك من طرف محكمة النقض

مع ذلك يبقى الإشكال مطروحا بخصوص هذا العنصر الأول من عناصر القصد الجنائي، حيت يقع التساؤل عن الدافع لارتكاب الجريمة إذا كان “نبيلا”، هل يقوم به عنصر الإرادة ؟

يجمع الفقه الجنائي مبدئيا على أن لا تأثير الواقع في هذا المضمار، فمن يسرق مالا مملوكا للغير يدافع توزيعه على الفقراء وبدعوى بخل صاحبه يتساوى عند المشرع مع من يسرق من أجل الاستمتاع بالمال إرضاء أنانيته

مع ذلك، يمكن أن يصبح لهذا الدافع هامشا من القيمة لدى القاضي في تفريد العقاب بتحديده بين الحين الأدنى والأقصى، بحيث قد يميل بالكم العقابي إلى الحد الأول كلما استنتج نبل الدافع فيما نوقش أمامه من حجج بصفة علنية، حضورية وتقوية و على أية حال إذا لم نسجل للمشرع المغربي موقفا مبدئيا بخصوص الدافع إلى ارتكاب الجريمة، فقد ينزع في بعض الوضعيات الإجرامية إلى الاعتداد به کسبب تخفيف من العقوبة،

العلم بحقيقة ما يقدم عليه من الناحيتين الواقعية والقانون

لابد لقيام القصد الجنائي يشكل تام وكامل، من أن يكون الفاعل على علم بحقيقة ما هو بصدد تنفيذه من نشاط أو أنشطة إجرامية سواء من الناحية الواقعية، وهذه لا خلاف حولها في الفقه أو من الناحية القانونية،

 وينتفي العلم من الناحية الواقعية إما بالجهل أو الغلط ويمثل الفقه على الحالة الأولى بالموثق الذي يتلقی معلومات غير صحيحة من المتعاقدين فيكتبها وهو يجهل زوريتها، فلا يؤاخذ بجريمة التزوير. أما في الحالة الثانية حالة الغلط – فيسوق مثل المسافر الذي يأخذ عند نهاية السفر حقيبة مسافر آخر معتقدا أنها حقيبته، لا يعتبر مرتكبا لجريمة السرقة.

 مع ذلك، لابد من التأكيد على أن انعدام القصد الجنائي في الحالتين رهين بأن ينصب الجهل أو الغلط على العناصر المكونة للجريمة كما حددها القانون، ولعله شرط بدیهی، فإذا اقتصر الجهل أو الغلط على عناصر لا تعتبر من مكونات الجريمة من الناحية القانونية، فلا أساس للقول بانعدام القصد،

يبقى الجهل أو الغلط من الناحية القانونية. ويمثل الفقه على الحالة الأولى بالجهل بأن القانون يجرم الفعل الذي هو مقدم عليه، أما الحالة الثانية فيراها مجسدة في فهم القانون على نحو مخالف وحتى لا تتيه في تفسيرات قد يصعب معها فهم الأسس التي يقوم عليها القانون الجنائی، تقول مع المشرع الجنائي المغربي، لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهل. وقد أضيف بالغلط في التشريع الجنائي، ولو أنه لدينا اقتناع بإمكانية مناقشة قرينة العلم التي يفرضها المشرع من أجل حصول هذا العلم الافتراضي- أي غير الحقيقي –

ثانيا : الخطأ الجنائي

في الخطأ الجنائي وعلى خلاف القصد الجنائي، اتجاه إرادة الفاعل لم يتجاوز حدود الفعل لاستهداف النتيجة الإجرامية التي حدثت مع ذلك. والفقه يرجع العطل الذي أصاب هذه الإرادة في كون الفاعل لم يراعي واجب التبصر في سلوكه، فكانت النتيجة وليدة عدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله، بل يضيف المشرع لهذه الصور، صورة عدم مراعاة النظم والقوانين و قبل إعطاء ولو نظرة مختصرة ومبسطة على صور الخطأ الجنائي، نقول أن المشرع الجنائي هنا حاول، خارج الحالة العامة التي ترد فيها الجريمة بشكل عمدي، أن يحتوي بالتجريم والعقاب الوضعيات الإجرامية التي يقوم فيها الركن المعنوي ولو في حدوده الدنيا الفاصلة بين الضرر الاجتماعي الداخل في اعتبار القانون الجنائي، و الضرر الخاص الذي يعتبر من متعلقات القانون المدني

صور الخطأ الجنائي

أولا – عدم التبصر:

هي صورة من صور الخط الجنائي التي يقول بها الفقه الجنائي في المجال المهني، حيث يظهر فيها واجب مراعاة الضوابط والقواعد الفنية المرتبطة بكل مهنة ، و على الخصوص تطرح مراعاة هامش من السماحة بحكم العلاقة الخاصة التي تربط الفاعل بالضحية، كما هو الحال في المجال الطبي ومن دون الدخول فيما تطرحه المسؤولية الجنائية من إشكاليات في هذا المجال، نقول أنه بالإمكان متابعة الطبيب بالقتل أو الجرح الخطأ إذا تبين للقاضي الجنائي أنه لم يحترم في العملية الجراحية التي أجريت على المريض قواعد الجراحة الفنية. مثلا تسريع وتيرة العملية فمراعاة هذه القواعد هي التي تحلله من تحمل المسؤولية الجنائية وتجعله فعلا متبصرا فيما أقدم عليه من عمل

ثانيا – عدم الاحتياط:

هنا يلاحظ على سلوك الفاعل نوعا من التهور، غير المقبول جنائيا فالسائق الذي يسوق بسرعة في مكان آهل بالمارة. مصادفة اليوم السوق أسبوعي مثلا. لا شك أن في فعله ها مش من الخطورة الإجرامية. فهو يعلمها ويعرف أيضا سيل تجنبها. التي وإن كانت لا تسمح بمتابعته بجريمة عمدية في حالة صدمه لأحد المارة لاستحالة القول بذلك، انطلاقا من أن استهداف النتيجة التي حدثت هي خارج رغبته، إلا أنه يساءل عن عدم احتياطه لملائمة سلوكه للوضعية التي عليها المكان

ثالثا– عدم الانتباه:

تتميز هذه الصورة في كون الفاعل لم يركز بما فيه الكفاية فيما أقدم عليه من عمل، كالسائق شارد الذهن المأخوذ بسحر منظر الطبيعة في وقت غير مناسبا

رابعا – الإهمال:

الفاعل هنا يتخذ موقفا سلبيا في مواجهة وضعية تستوجب عليه اتخاذ موقف إيجابي يعكس به يذله العناية المطلوبة في مثل الموقف الذي وجد فيه ويمثل الفقه عليها بإعطاء الدواء بصفة غير منتظمة هنا لا بد أن تسجل احتياطنا من إعطاء مثل هذه الأمثلة الملتبسة، مادام بالإمكان في هذا المقال أن يتابع الفاعل بجريمة عمدية، إن استهدف النتيجة بطبيعة الحال، أو إن كان إهماله هو بالقداحة التي يصعب معها التمسك بإحدى صور الخطأ الجنائي ومن دون الدخول في بعض التعقيدات، تقول أن تمییزنا بين الجريمة العمدية والجريمة الخطية إنما هو تمييز أكاديمي، لا يعفي القاضي الجنائي من طرحه في كل نازلة

خامسا – عدم مراعاة النظم والقوانين:

لا بد من التأكيد أولا بأن عبارة النصوص والقوانين المقصود بها النصوص التشريعية وما دونها من قرارات ولوائح وأوامر صادرة عن السلطة العامة، سواء كانت هذه القرارات أو الأوامر تنظيمية أو فردية هذا وتشكل مخالفة النظم والقوانين جريمة بمجرد أن يترتب عنها ضرر جسماني، حتى ولو لم تكن المخالفة في حد ذاتها معاقبة جنائيا، مثال ذلك مخالفة القواعد المنظمة الأحد الألعاب الرياضية يبقى، وبصفة عامة أخيرة، أن الجريمة غير العملية لا يمكن أن تتصور فيها لا المحاولة ولا المشاركة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!