الركن المعنوي للجريمة المنظمة

الركن المعنوي للجريمة المنظمة

الركن المعنوي للجريمة المنظمة

إن الركن المعنوي للجريمة المنظمة يعد ذلك الاتفاق الذي يتم بين أعضاء العصابة الإجرامية المنظمة، حيث تلاقي الإرادات مع علم بعضهم ببعض بوجودهم داخل هذه الجماعة الإجرامية المنظمة فعلا، سواء بالانتماء أو الانضمام أو القيام بالتأسيس أو بالمشاركة ما يسمى بالاتصال، مع اتجاه إرادات المشكلين لعضوية العصابة المنظمة صوب تحقيق النتيجة الإجرامية بعد التصميم المتأني و المخطط له لارتكابها.

ومن هذا المنظور، يستدعي الأمر توافر القصد الجنائي، على اعتبار أن طبيعة الجريمة و الأنشطة المضطلع بها من قبل تنظيمات الجريمة المنظمة، تندرج ضمن صنف خاص ، وهو صنف الجرائم الشكلية التي تعد دائما جرائم عمدية، يعاقب ويساءل عليها بمجرد القيام بسلوك مادي غير شرعي، حيث يتحقق فيها القصد الجنائي كركن معنوي مما يؤكد على وجود إرادة إجرامية واعية ومختارة تماما، بهدف إحداث أثر إجرامي، بل و حتى في حالة استعمال التنظيم الإجرامي للأشخاص لا يتوفر لديهم الإدراك و التمييز، لتنفيذ الأعمال الإجرامية المنظمة،

كما في حالة استخدام صبية في الترويج والاتجار غير المشروع في المخدرات، حيث تلك الإرادة لدى هذه الفئة تظل أيضا مدركة، وحرة و مختارة، لمستوى التخطيط و التكليف و الإشراف على التنفيذ.

الأمر الذي يفسر لنا عدم تجزئة الإرادة الإجرامية في مثل هذه النوعية من الجرائم، التي غالبا ما تتمخض عن قوة تنظيمية إجرامية، وكأن القصد الجنائي، تدور معه المسؤولية الجنائية للفاعلين في الجريمة المنظمة، وجودا وعدما. و هو ما سنفسره بشكل مقتضب من خلال ما سيأتي.

 -القصد الجنائي في الجريمة المنظمة (مطلب أول )

  – دلالة عنصري القصد الجنائي في الجريمة المنظمة ( مطلب ثان )

المطلب الأول: القصد الجنائي في الجريمة المنظمة

وطبيعي أن القصد الجنائي متطلب في الجرائم العمدية ما دامت الجريمة المنظمة تنبثق عن تلاقي الإرادات لمؤسسي التنظيم الإجرامي ، و اتجاهها إلى تحقيق النشاط والنتيجة الإجرامية ، ولهذا ما يؤيده ضمن اتفاقية باليرمو السالفة الذكر، التي تعتبر الركن المعنوي للجريمة المنظمة قائم بقيام القصد الجنائي، مادامت ترتكب عمدا و عن علم، من قبل الجماعة الإجرامية التي تتشكل من أجل تنفيذ نشاطها الإجرامي العام الذي تضطلع به أو بغرض ارتكاب جرائم معينة ، والمحددة بالاتفاقية المذكورة.

و عليه فإن القصد الجنائي يكون عاما أو خاصا، حيث يعد القصد منطويا على الخطر الكامن في نفس الجاني، باعتبار الإرادة تتجه إلى الفعل و النتيجة معا، فالجاني يعلم أن سلوكه سيسفر عن نتيجة إجرامية خطيرة أو ضارة؛ و هذا معناه أن هناك إرادة ونية جرمية كامنة داخل نفسية الجاني أو المتهم بالاعتداء على الحقوق و المصالح الاجتماعية المحمية قانونا.

و عليه فإن القصد الجنائي العام، هو ذلك القصد الذي يتطلبه القانون، وذلك في كافة الجرائم العمدية، التي يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجنائي العمدي، طالما و أن مقترف الجريمة المنظمة، يتوقع و يريد أن يترتب على فعله أو امتناعه حدوث الضرر، أو وقوع الخطر الذي سعى إلى تحقيقه.

و هو الأمر الذي كرسته اتفاقية باليرمو ب: م 5 فقرة 1 ، التي نصت على أنه :” يتعين على كل دولة طرف أن تعتمد ما قد يلزم من تدابير أخرى لتجريم الأفعال جنائيا عندما ترتكب عمدا”، و إن كان البعض يميز بالنسبة للقصد الجنائي بين قصد يتوخى نتيجة جرمية دون تجاوزها إلى نتائج أخرى غير معلومة، وقصد يتوخى القيام بالفعل الجرمي، وإن تجاوز النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل الذي قصده الفاعل، إذا كان قد توقعها و قبل بالمخاطرة

ولكن القصد الجنائي العام قد لا يكفي لوحده أحيانا، فيتطلب الأمر البحث عن قصد جنائي خاص، بأن تتجه الإرادة الأثمة إلى تحقيق واقعة معينة، و إلا لما توفر القصد الجنائي، رغم ثبوت فعل الاعتداء على المصلحة المحمية قانونا.

و يبدو أن القصد الجنائي الخاص مطلوب إلى جانب القصد الجنائي العام، وفقا لاتفاقية باليرمو، و تحديدا م 2 منها، أنه متطلب إلى جانب القصد الجنائي العام، خاصة و أن المقصود بالجماعة الإجرامية وفقا لهذه الاتفاقية هو” الجماعة التي تهدف إلى الكسب المادي من أجل الحصول بشكل مباشر أو غير مباشر على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى”.

و إذا كان قصد المشرع من خلال اشتراطه للقصد الجنائي الخاص إتاحة الفرصة للجناة للعدول عن القيام بالنشاط الإجرامي، و من تم تفادي وقوع خطر، فإننا نشير إلى أن الواقع و كما أشرنا سلفا أكد لنا أن الجريمة المنظمة من الجرائم الجسيمة، و أن  جسامتها تبدأ منذ بدايات تأسيس التنظيم الإجرامي، كما أنه يتوقع أن يتراجع أحد المجرمين المنظمين عن عزمه، طالما و أن قصده العمدي يتوافر بمجرد اتحاد الإرادات،

و لهذا لا يشفع للمشرع اشتراط القصد الخاص لكونه ابتغى حل هذا التنظيم بداية من زاوية يراها المشرع صائبة و هو التبليغ للسلطات، طالما أن من يبلغ هو من ينال الجزاء، إلا إذا تكفلت التشريعات بحماية هؤلاء المبلغين إلى جانب الشهود كما سنرى حماية شمولية و مشجعة، كما أن ما ذكر من كسب مادي مستهدف لدى التنظيم ما هو إلا باعثا و لا يرقى إلى إدخاله ضمن عناصر الجريمة ، مادام أن الأهم في القصد الجنائي هنا هو العلم و الإرادة

فكيف يمكن استحضار هذين العنصرين المكونين للقصد الجنائي كجوهر في الركن المعنوي للجريمة المنظمة ؟ هل يتميز عنصر العلم والإرادة هنا بطابع الخصوصية الذي يطبع الجريمة المنظمة كذلك؟

تبيانا لذلك، ارتأينا تقسيم هذا المطلب لفقرتين نعرض من خلالهما لما يلي:

– إشكالية العلم بالوقائع (فقرة أولى)

– و مسألة العلم بالقانون (فقرة ثانية)

الفقرة الأولى: إشكالية العلم بالوقائع

حتى يقوم قصده الجنائي لدى الجاني، ينبغي أن يعلم بكافة الوقائع المادية المكونة للجريمة.

و تجدر الإشارة إلى أن هذا الأمر يتطلب الرجوع الحتمي إلى النموذج القانوني لكل جريمة على حدة، و استخلاص ما يعد داخلا في بنيانها من وقائع، و ما لا يعد كذلك

و هذا معناه؛ أن العلم بالوقائع ينبغي أن يتضمن العلم بماهية سلوكه، علما ناف للجهالة ، بل ذهب البعض إلى المبالغة بالقول؛ إلى علم الجاني بالظروف المشددة ، و التي من شأنها تغيير وصف الجريمة، و بكافة عناصر الواقعة الإجرامية؛ فيشمل موضوع الاتفاق و الغرض من تنظيم الجماعة الإجرامية، بحيث قد ينتفي القصد الجنائي، إذا اعتقد المساهم أنه منتمي إلى جماعة ذات أغراض مشروعة، و أن هدفها تحقيق الرخاء العام للمجتمع كافة.

في حين يتحقق القصد الجنائي إذا ما ثبت علم الجاني اللاحق بالأهداف غير المشروعة للجماعة، و من تم ارتضى بها و استمر عليها استمرارا يوحي بالانتماء أو الانضمام أو غيرها من الصور التي أشرنا إليها سابقا , ولو بسطنا القواعد العامة للقصد الجنائي عموما والعلم بالوقائع تحديدا على الجريمة المنظمة لتوصلنا إلى:

أنه من اللازم علم الجاني بأنه يدخل في جماعة أو عصابة منظمة إجرامية، تضم مجموعة من الأعضاء، يمارسون معا نفس النشاط الإجرامي ، كما يصوره المشرع على وفق نموذجه القانوني ، بغض النظر عن الاسم الذي قد يطلق على الجماعة الإجرامية، و بغض النظر عما قد تقوم به غيرها من نشاط معين  .

على الرغم مما ذهب إليه البعض من لزوم علم الجاني بنشاط غيره من المساهمين  وذلك بعلة أن تعدد الفاعلين في الجريمة المنظمة أمر لازم، كونها جريمة جماعية من غير المتصور تحقيق نموذجها القانوني الإجرامي بفعل واحد، كما أنه يجب أن تتجه إرادة أعضائها إلى ارتكاب الجريمة المستهدفة، دون النظر لأدوار بعضهم، كل على حدة، سواء كان أحد الأعضاء يحمل صفة القائد أو المؤسس أو المنفذ أو الشريك. فالانتماء إلى الجماعة الإجرامية المنظمة أو الإسهام في تحقيق أغراضها يكفي لإضفاء الوصف القانوني على الجريمة المنظمة ، بغض النظر عن الوسائل والأساليب المستخدمة في السلوك الجرمي.

ثانيا:  العلم بالقانون

لا أثر للجهل أو الغلط في قواعد القانون الجنائي على توفر القصد الجنائي، إذ يعامل كما لو كان قد وصل إليه وتمكن من فهمه، طالما و أنه مفترض فيه الدراية الكاملة بأحكام القانون وأحاط بها قسطا أوفر أو كاملا من العلم.

وبناءا على هذا المقتضى الأنف الذكر، فإنه لازم على الفاعلين المتعددين من أعضاء العصابة الإجرامية المنظمة، أو المساهمين في تحقيق أغراضها، الإحاطة علما بالعناصر القانونية للجريمة المذكورة. والتي قد يكون من بينها، العلم القانوني الضروري بأن النية الجرمية، أساس جوهري في تكوين العلم داخل العنصر الهام في الجرائم العمدية غالبا وهو القصد الجنائي، الذي بينا فيه القصد الجنائي العام مخالفين فيه بعض التشريعات الوطنية والدولية، التي أخذت بالقصد الجنائي العام و الخاص، كما هو مستفاد من اتفاقية باليرمو السالفة الذكر.

المطلب الثاني: دلالة عنصر القصد الجنائي

سبق وأن أشرنا إلى أنه لا يعذر أحد بجهله للقانون، ومن ثم فإن المنظم مثلا إلى جماعة إجرامية منظمة، يفترض فيه العلم بالقانون، على مستوى كل من القوانين الوطنية و قواعد القانون الدولي الجنائي، طالما أن الدولة المغربية صادقت على الاتفاقية التي اعتمد هذا القانون بنودها. كما أن ذلك يتماشى مع مقتضيات المصلحة العامة و العدالة الجنائية، و من تم فإن عالمية المكافحة تكون حتما نتيجة لعالمية الإجرام .

و تبعا لهذا المقتضى، فإنه يكون من اللازم على المساهم في الجريمة المنظمة أن يمتد علمه إلى موضوع الاتفاق و الغرض من التنظيم الإجرامي، مع توجيه إرادته لارتكاب الفعل الجرمي، و أن تكون رغبة أكيدة في الانتماء للجماعة المنظمة، من أجل الاتفاق و التعاون مع الآخرين من أعضائها لارتكاب 2 نشاط إجرامي منظم.

و تأسيسا على ما تقدم، سنقف في هذه الفقرة، عند كل من مسألة :

– التماثل في القصد الجنائي

– و التداخل في هذا القصد

أولا: إرادة الاتفاق أو الثماتل

إذا كانت الجريمة المنظمة من طائفة الجرائم الجماعية فإن هذا معناه أن إرادة الفرد هي إرادة الجماعة، وإرادة الجماعة هي إرادة الفرد.

ذلك؛ أن هناك ارتباط نفسي ذهني و معنوي متحد بين سائر أعضاء العصابة الإجرامية المنظمة سعيا نحو تحقيق أغراضها المحددة.

و يترتب عن هذا الأمر تلازم العلم والإرادة، لدى كافة الأعضاء، و بدون استثناء، بشأن موضوع و مغزى الاتفاق الإجرامي.

و المقصود به، اتجاه إرادة الأعضاء للدخول فيه بشكل يضمن خاصية التماثل في عناصر القصد الجنائي لدى كل المساهمين داخل الجماعة، حيث يخرج عن هذا المعنى، كل من مجرد التفاهم أو مجرد الاتفاق السابق  .

وقد يطرح التساؤل هنا حول ما إذا كان بالإمكان أن تتوفر لأحد الأعضاء المساهمين نية جرمية و علم بالقانون و الوقائع، لكن قصده الجنائي يكون مخالفا لما عليه قصد باقي أعضاء المنظمة الإجرامية، التي تتوخى تحقيق نتائج إجرامية أخرى تدخل ضمن ما حدده القانون الجنائي، فهل يعاقب على هذا القصد كأحد عناصر الركن المعنوي للجريمة المنظمة ، بعلة وجود قصد جنائي لدى أحد أعضائه ؟ .

نجيب فيما يلي على هذا التساؤل بالتمييز بين أمرين:

الأمر الأول: إذا كان القصد الجنائي لأحد الأعضاء مخالفا تماما للاتفاق الذي يشكل أحد الجرائم التي تضطلع بها الجماعة الإجرامية المنظمة، فإن هذا القصد ينتفي وفقا للأحكام العامة، مادامت إرادة أحد الأعضاء قد اتجهت إلى خلاف ما انصب عليه اتفاق أعضاء الجماعة  .

الأمر الثاني: إذا كان القصد الجنائي للجاني قد اتجه إلى جريمة مقصودة، وتوخى من ورائها تحقق نتيجة معينة، لكن النتيجة الجرمية التي قصدها بشكل محدد قد تحققت إثر وقوع الفعل الجرمي، و تحققت معها نتائج أخرى تجاوزت الإرادة المقصودة

وكانت النتيجة الجرمية أقصى وأشد مما كان يتوقعه الجاني من فعله الإجرامي المنظم، فهل يعتد به أم لا حتى يقع تحت طائلة العقاب؟ .

نشير أن هذا الأخير قد يدخل ضمن القصد الجنائي غير المباشر أو الاحتمالي لكن من شأن هذا التوجه الفقهي أن يؤدي إلى الإفلات من العقاب، طالما وأن هذا القصد يفترض أن الجاني قد ارتكب فعله غير متأكد من أنه سيؤدي به إلى الاعتداء على الحق الذي يحميه القانون .

و نؤكد مع أغلب الفقه أن التمييز بين القصد المباشر و غير المباشر لا قيمة له، مادام العلم و الإرادة متوفران أثناء أو بعد الفعل الجرمي، إذ تنصرف إرادة الجاني إلى تحقيق هذه النتيجة الأخرى المنضافة، وذلك لارتباطها بالنتيجة المستهدفة، الأمر الذي جعل السياسة التشريعية الدولية تحذو حذو هذا الفقه، بإخضاع سلوك الجاني لوصف تجريمي واحد، مادام أن هناك اتفاق و نية تداخل متوفرين لدى الجاني 5 .

ثانيا: نية التداخل (ذو الطبيعة التعاونية)

وإذا كانت هذه النية بمثابة حالة نفسية تستجد بتمام الاتفاق، والذي ينصب في اتجاه إرادة الجاني لتحقيق أهداف المنظمة الإجرامية بشكل متحد وتعاوني، فإن هذا يستوجب علمه بماهية تلك الأهداف، وعدم مشروعيتها على نحو ناف للجهالة .

ويمكننا أن نستنتج ذلك من خلال المادة الثانية من اتفاقية باليرمو 2000 ، التي ركزت على عنصر التداخل المركزي في العنصر المعنوي بالجريمة المنظمة. حيث يشير إلى ضرورة العلم لكل مساهم بوجود أعضاء أخرى، يساهمون معه في تنفيذ أغراض الجماعة الإجرامية. ووجود الاتفاق السابق لتحقق نية التداخل .

لكنه إذا قدم شخص معونة أو مشورة أو أية أعمال مشروعة للعصابة الإجرامية المنظمة وكان على علم منه بنشاط العصابة المنظمة غير المشروع، فإن هذا لا يعتبر كافيا، لقيام النشاط الإجرامي، لأنه يعتبر هنا فقط متصلا بأعضاء الجريمة المنظمة أو مشاركا حسب القواعد العامة للقانون الجنائي في المواد 128 أو 293 إلى 299 منه ، ووفقا لما أكده المؤتمر الدولي السادس عشر لقانون العقوبات الذي يعاقب على جريمة الاتصال كجريمة خاصة تحتاج إلى مسؤولية شخصية.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!