الركن المادي للجريمة

نعتقد أن الحديث عن الركن المادي للجريمة إنما يجرنا بداية لإعطاء ولو فكرة أولية عن المشروع الإجرامي، وعن المراحل التي يمر منها، نكتفي بالقول أن هذا المشروع يستلزم بالضرورة للصورة المرور.

أولا من مجرد الفكرة الإجرامية، لينتقل ثانيا لمرحلة العزم، حيث تصبح الفكرة المذكورة متمكنة من صاحبها بعد ذلك. ثالثا- يتحول هذا المكنون النفسي إلى عمل تحضيري ينصب عموما على تدبير كل ما يتعلق بتنفيذ الجريمة ثم رابعا- المحاولة التي تقوم بالبدء في تنفيذ الجريمة من دون العدول عنها إراديا لينتهي الأمر. خامسا- إلى تمام تنفيذ الجريمة

ولعله بقليل من التأمل في هذه المراحل الخمس، يمكن القول أن الجريمة تكون في بدايتها عبارة عن مكنون نفسي يحتاج إلى هامش من الإصرار ليتحول إلى واقع مادي ملموس في العالم الخارجي. فقد تكتمل بتمام التنفيذ، وهنا يقع الحديث کاملا من الركن المادي.

بالإضافة طبعا للركن المعنوي كما سنقف على ذلك في حينه والذي في حقيقته هو عبارة عن مجموعة عناصر، تختزل أو تتعدد حسب الطبيعة القانونية للجرائم؛ وقد تكون غير تامة – ناقصة ، أي في صورة المحاولة، التي فضلا عن أنها قد تتعدد من حيث تجسدها على مستوى الواقع، فهي قد تسمح بعدم إنزال العقاب في حالة العدول الإرادي للمبتدأ في التنفيذ المادي للجريمة

يبقى أن النشاط الإجرامي، يمكن أن يأتيه الفاعل منفردا دون مساعدة من أي كان، حينئذ نكون أمام فاعل أصلي- يتحمل المسؤولية الجنائية لوحده في حالة قيامها صحيحة من الناحية القانونية، كما يمكن أن يعد هذا الفاعل الأصلي۔ فتصبح أمام مساهمين، لكل واحد منهم نصيب من التنقية المادي للجريمة، وقد يكون إلى جانب الفاعل الأصلي أو المساهمين، في حالة تعدد هذا الأخير ، شريك أو شركاء محرضين أو مساعدين وفق صور حصرية منصوص عليها في المدونة الجنائية بناء عليه، ستحاول أن تتناول تباعا هذه المواضيع أنفة الذكر.

عناصر الركن المادي للجريمة

لابد لأي جريمة من نشاط إجرامي، يرتكبه الفاعل إما في شكل فعل أو امتناع يحضره المشرع الجنائي ويعاقب عليه. العنصر الأول. هذا النشاط تترتب عنه نتيجة إجرامية، غالبا ما يشترطها المشرع في جرائم النتيجة بطبيعة الحال العنصر الثانی۔ وقد يتجاوز عن اشتراطها في الجرائم الشكلية مثلا وكلما اشترط المشرع النتيجة الإجرامية كعنصر إلزامي لقيام الركن المادي، كلما كان لزاما توافر علاقة سببية تربط بين العنصرين المذكورين وهي العنصر الثالث

النشاط الإجرامي

النشاط الإجرامي قد يرد إما في شكل فعل إيجابي أو فعل سلبي. فالأول يقف من ورائه سلوك الجاني المجسد بحركة فاعلة محظورة قانونا، ومؤثرة بشكل واضح في العالم الخارجي؛ أما الثاني، وإن كان له تأثيره المعتبر في العالم الخارجي، فهو لا يعدو أن يكون إمساكا عن حركة مطلوبة قانونا.

هذا العنصر الأول من عناصر الركن المادي للجريمة هو الذي ينطلق به التجريم، بحيث لا يعاقب المشرع على مجرد التفكير في الجريمة، أو حصول العزم على ارتكابها، بل يتجنب المشرع العقاب ولو مر الفاعل إلى مرحلة التحضير، على اعتبار أن هذه المراحل مبدئيا، وإن كانت قد تحوز اهتمام المشرع في بعض الجرائم الخاصة، لا تحوز خطورة مثيرة على هامش عدم الإقدام على ارتكاب الجريمة فيها وارد بقوة

هذا وإذا كان الفعل الإيجابي لا يطرح مشكلا معقدا للقول بقيام النشاط الإجرامي، كما هو الحال في جرائم الإيذاء العمدي، فإن الأمر على خلاف ذلك مع الفعل السلبي،

لقد توزع الفقه الجنائي على ثلاث اتجاهات، الأول يقول بإمكانية التماثل عندما يكون الفاعل قادرا تماما على منع النتيجة الإجرامية، ومع ذلك يسمح بحدوثها رغبة في ذلك. ويبقى هذا الاتجاه الفقهي منطق المساءلة الجنائية المتماثلة مع تلك المترتبة عن الفعل الإيجابي على تساوي الخطورة الإجرامية

الاتجاه الفقهي الثاني يستلزم، للقول بإمكانية التماثل، وجود التزام قانوني أو تعاقدي يمكن اعتماده كأساس لإقرار المساواة في التجريم والعقاب بين الفعل الإيجابي والفعل السلبي،

يبقى الاتجاه الثالث، والذي يتمسك وبكل قوة بمبدأ الشرعية، حيت يذهب إلى عدم إقرار التماثل أبدا. فللمشرع الجنائي الحرية الكاملة في إقرار هذا التماثل في إطار نصوص خاصة، يقدر فيها خطورة الفعل السلبي وفق الشكل الذي يراه مناسبا لا سبيل لإقرار نص عام يعاقب على فعل الإمتناع، مادام أن التشريعات تتجنب ذلك رغبة في تكريس مزيد من الدقة والوضوح في باب التجريم ولعله موقف المشرع المغربي الذي نراه الأقرب إلى الصواب في مواجهة الاتجاهين السابقين

النتيجة الإجرامية

حتى لا نطيل في النتيجة الإجرامية، وإن كانت هي أيضا قد تثير بعض الإشكاليات النظرية والعملية، يمكن القول عنها أنها الأثر الترتب عن النشاط الإجرامي. فعل إيجابي أو فعل سلبي. والذي يمكن لمسه و بشكل واضح في العالم الخارجي.

 و لعل أهم ما يميز هذا العنصر الثاني من عناصر الركن المادي للجريمة أنه يبرز وبالملموس مدى الخطورة التي ينطوي عليها النشاط الإجرامي، حتى أن هناك بعض الجرائم، لا يمكن تكييفها واستجابة الكم العقابي لخطورتها، إلا من خلال ما يترتب عن النشاط الإجرامي من نتيجة ضارة وبغض الطرف عن مدى خطورة النشاط الإجرامي في حد ذاته ولنا في جرائم الإيذاء العمدي أمثلة دالة، حيت يمكن لنفس مستوى الإيذاء أن يكون وراء تكييف الجريمة ضريا وجرحا أو إيذاء مقضيا إلى الموت.

 من أجل ذلك، كان لا بد من التشديد في اشتراط تلزم النتيجة الإجرامية للنشاط الإجرامي، حتى لا يفتح المجال التفاوت غیر طبیعی بین عنصرين أحدهما يبرر الآخر ولعل هذا التلازم هو الذي يبرر تمثل المشرع لتمظهرات أخرى للجريمة يفضل التعامل معها بشكل مستقل فجريمة الاعتياد منة، وهي الجريمة التي لا يقوم ركنها المادي إلا بنوع من التكرار على مستوى إتيان النشاط الإجرامي.

فالتلازم هنا يتراخي بعض الزمن، لأن تصور المشرع الجنائي لخطورة الفعل تستلزم الثبات على إتيانه، بحيث تصبح خطورة النتيجة الإجرامية نابعة من الفعل أكتر من تحصلها بالضرر المترتب عنه ولعله تقريبا فض المنطق الذي يعتمده المشرع لانتقاء الأفعال التي يدخلها في زمرة الجرائم الشكلية وهذا ليست النتيجة الإجرامية هي التي تغيب عن اللمس في العالم الخارجي، لأنها متحصله بقوة من الناحية المادية في جريمة التسميم مثلا،

بل هو الاعتبار التشريعي الذي جعل من الخطورة المتميزة للفعل الإجرامي كافية للتغاضي عن الوقوف على مدى حصول النتيجة من عدمه

العلاقة السببية

لا يمكن للركن المادي للجريمة أن يقوم کاملا مستجمعا عناصره إلا بحصول الارتباط السببي بين النشاط الإجرامي والنتيجة الإجرامية المترتبة عنه ولعله شرط يندرج في ما يفرضه منطق المساءلة الجنائية نفه، فإسناد الفعل لمرتكبه إنما يتطلب حصول علاقة وثيقة . عبرنا عنها بالمصطلح الجنائي” الارتباط “. بينه وبين ما رتبه من نتيجة إجرامية للضحية بل إن علة التجريم هي نفسها، وقبل المساءلة والعقاب، تتطلب هذا الاتصال السببي، نفيا لأي اختلاط أو لبس قد يحدث على مستوى الواقع، سواء في حالة تعدد الجناة، كما ستعرض لذلك في حالتي المساهمة والمشاركة، أو في حالة تعدد الجرائم

يبقى أنه يتوجب على القاضي الجنائي، وفي حالة صعوبة الوقوف على توافر العلاقة السببية، أن يعمد إلى تبرئة المتهم، مادام وكما مر معنا الشك يفسر لمصلحته وأيضا حسب منطق القانون الجنائي نفسه، الإدانة لا يمكن أن تبنى إلا بيقين، وهو ما لا يمكن توافره في حالة تعذر القول بقيام العلاقة السببية ولعل أكبر المشاكل على الإطلاق يتمثل في الحالات التي يتدخل فيها سبب أو أسباب أخرى مؤثرة في النتيجة الإجرامية إلى جانب نشاط الجاني هذا انقسم الفقه ثلاث نظريات

نظرية تكافؤ الأسباب

الأولى تسمى بنظرية تكافؤ الأسباب، بحسبها، يعترف لكل سبب متدخل في حدوت النتيجة بنفس القيمة القانونية التي تراب المسألة الجنائية، مهما اختلفت هذه القيمة من الناحية الواقعية فكما يظهر، تحاول هذه النظرية أن تتخلص من إشكالية البحت عن القيمة الحقيقية التي يمكن أن يحوزها كل سبب على حده، بحيث، على أية حال، تقوي من منطق المساءلة الجنائية وعدم الإفلات من العقاب، ولو على حساب تغليب الحسم على المستوى القانوني دون الواقعي

نظرية السببية المباشرة

النظرية الثانية وتسمى بنظرية السببية المباشرة، وهي كما يدل عليها اسمها تشترط للقول بقيام العلاقة السببية صحيحة أن تتصل النتيجة الإجرامية بالنشاط الإجرامي اتصالا مباشرا من دون أن يقطعه سبب أخر بل يفضل بعض الفقه الجنائي بنعتها بالعلاقة المبنية على السبب الأقوى، حتى تقوم مساءلة الجاني عما رتبه نشاطه الإجرامي مباشرة من نتائج واضحة يسهل تكييفها وإسنادها من الناحية الجنائية ودائما، حسب هذه النظرية إذا تدخل سبب أجنبي مع نشاط الفاعل تنقطع العلاقة السببية ويصعب القول بقيامها صحيحة، مساهمة في استجماع عناصر الركن المادي للجريمة

نظرية السببية الملائمة

النظرية الثالثة يصطلح عليها أصحابها بنظرية السببية الملائمة وأغلب الظن أنها النظرية الأقرب إلى الصواب فحسب هذه النظرية، لا يعتبر سبيا تقوم به العلاقة السببية صحيحة إلا ما صح اعتباره مؤديا للنتيجة الإجرامية حسب العادي والمألوف. ونحن من جهتنا تؤكد على أن الحسم في مدى توافر العلاقة السببية من عدمه إنما يتطلب من القاضي الجنائي الاحتكام إلى الحقيقة الواقعية للنازلة، وهذه تتطلب منه تفكيك الوقائع بشكل يأخذ بعين الاعتبار مختلف مظاهر الارتباط الطبيعي التي تجمع بينها، من دون اختزال أو مبالغة فلكل نشاط إجرامي نتيجة إجرامية تترتب عنه بشكل طبيعي ومنطقي، يمثله الشخص العادي، بل هو مألوف لديه ويبني عليه منطقه التصور الأشياء، ليل يؤسس عليه احترازه لكي لا يسقط في المحظور.

ومع ذلك، لا بد من تسجيل ولو هامش ليسير من التحفظ بخصوص هذه النظرية، فنحن وإن كنا نؤمن بأنها تساهم في إعطاء القاضي الجنائي هامشا معقولا من السلطة التقديرية لإعمال منطق الملائمة الطبيعية لتقدير الحقيقة الواقعية للنازلة في موضوع العلاقة السببية، فقد يتعثر الأخذ بها في حالات يصعب على القاضي فيها إيجاد إجابات منطقية من الواقع، تقع بسهولة الإهداء إلى ما يترتب عن النشاط الإجرامي من نتيجة حسب العادي والمألوف.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!