الركن المادي للجريمة المنظمة

الركن المادي للجريمة المنظمة

الركن المادي للجريمة المنظمة

وإذا كان الفقه متفقا على أن الركن المادي للجريمة المنظمة يتأسس على توافر عناصر ثلاثة: سلوك إجرامي ونتيجة إجرامية وعلاقة سببية بينهما، ومن تم لا جريمة بدون ركن مادي ، فإنه يختلف في مدى خضوع الجريمة المنظمة للقواعد العامة من عدمه، خاصة وأن العناصر المذكورة تتوافر في الركن المادي للجريمة المنظمة ، كما هي متعارف عليها وفق القواعد العامة، لكن هذه العناصر تمتاز بخصوصياتها، و ذلك تبعا لخصوصية الجريمة المنظمة، الأمر الذي كان محط نقاش فقهي بين المهتمين.

المطلب الأولى:  طبيعة الركن المادي للجريمة المنظمة

يراد بالسلوك المادي الإجرامي ذلك النشاط المادي الإرادي المجرم قانونا، وذلك سواء أتى سلبيا 3 أم إيجابيا .

حيث صدور سلوك من طرف شخص ينتج عنه ضرر ماس بمصلحة محمية قانونيا، ويقع النشاط الإجرامي المادي بأول خطوة، متمثلة في تأسيس التنظيم الإجرامي عن طريق جمع عدد من الجناة، يكونون معا كيانا إجراميا، له وجود مادي، أو افتراضي عبر شبكة الإنترنيت، استغلالا لبيئة التقنية والمعلوماتية، التي عمقت من توسيع و تضخيم مجال الإجرام المنظم ونود الإشارة هنا، إلى أن الجريمة المنظمة؛

 -إما أن تتحقق عناصرها كاملة، لتتوفر بذلك على الأركان اللازمة لقيام الجريمة.

  -و إما أن لا تتحقق كاملة، لعدم تمكن الجاني من إتمام النتيجة الإجرامية، فلا يعدو أن يكون الأمر حينذاك سوى نشاطا إجراميا يأخذ صورة الشروع في ارتكاب الجريمة ، طالما لا دخل لإرادة الجاني فيه.

الفقرة الأولى: التنظيم الهيكلي

عندما نسمع لفظ تنظيم، فهذا معناه أن هناك نظام ينطوي على آليات العمل و تقسيم الأدوار بين الأعضاء  ، و تحديد علاقاتهم بعضهم ببعض من جانب أول  ، و علاقتهم بالمنظمة الإجرامية، بمختلف مكوناتها ككل من جانب آخر  ، خدمة لمبدأ التضامن الاجتماعي، الذي طبع كلاسيكيا التجمعات العائلية في شكل مافيات

إن مثل التنظيمات المذكورة، تحتاج إلى وسائل و إمكانات لتحقيق أهدافها المنشودة. إلا أن هذا التنظيم الهرمي، يتطلب إتيانه في شكل عضوية، و في صبغة مؤسسية و على شكل مستمر.

فمن حيث العضوية، نجد أن النشاط الإجرامي المتوقف على المبادرة إلى القيام بسلوك مادي للجريمة المذكورة، يلزمه أن يأتي محترما التشكيل الإجرامي المتمثل في عضوية تقوم على ثلاث أشخاص كحد أدنى، عن طريق التوافق بين أعضاء العصابة المنظمة برمتهم، بالتقاء إرادة الأعداد الجناة المكونة للعضوية  سواء بالانضمام أو الانتماء أو الإدارة أو الاتصال

مع ضرورة علم بقية الأعضاء بتوجه إرادة الوافد عليهم، إلى مثل ما توجهت إليه إرادتهم، و يتم للأعضاء التحقق من إرادتهم، بأنها تسير فعلا نحو اتجاه واحد، وتلتقي حول موضوع معين، و صوب هدف معين كذلك، مهما كانت أشكال التعبير وأساليب التواصل المعبرة عن ذلك التوجه الإداري الإجرامي، الممثل في وحدة الاتفاق الإجرامي للأعضاء المشكلين للعصابة الإجرامية المنظمة ؛ والمختلف بشأن عددهم

و إذا التقت إرادة هؤلاء الأعضاء، فإن الأمر ينتج عنه تشكيل تنظيمي إجرامي يتمتع بالطابع المؤسسي و الهرمي .

التنظيم الهيكلي المؤسسي الهرمي:

و بالرجوع إلى م 1 و 2 من الاتفاقية المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المبرمة بباليرمو المذكورة سلفا، سنقف على عديد من المصطلحات الواردة فيها، و منها تعبير: “جماعة إجرامية منظمة و التي يقصد بها جماعة ذات هيكل تنظيمي. مؤلفة من ثلاثة أشخاص فأكثر، وتعمل بصورة متظافرة بهدف ارتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة أو الأفعال المجرمة وفقا لهذه الاتفاقية”

وحتى تتضح الرؤية حول اعتبار قيام كيان للجريمة المنظمة من خلال التنظيم القائم على العدد والشكل الهرمي، الذي يضفي على الإجرام المنظم طبيعة المؤسسة الإجرامية، و الذي تضمنه إعلان نابولي السالف الذكر، فإنه كان لزاما علينا أن نشير إلى عنصر التدرج بالوظائف؛ و التي تتدرج من أعلى الهرم؛ حيث يوجد الرئيس و يصدر أمره الإجرامي، إلى أدنى الهرم؛ حيث يتواجد المرؤوس منفذا بشكل  تضافري الأمر القاضي بارتكاب الفعل الجرمي المنظم.

و هذا معناه؛ أن الهيكل الإجرامي المؤسسي الهرمي، يفترض مسبقا وجود سلطة مركزية للتنظيم تتولى الإدارة ، مع ما يخضع له الجميع من قانون تنظيمي صارم، وممارسة نشاط غاية في السرية تحت طائلة توقيع العقوبات التي تصل إلى القتل بأبشع الصور، و تمتد إلى عائلته إذا ما هو انسحب من التنظيم بعد تلقينه تلك المبادئ الداخلية بمجرد ما أن وافق على الانضمام أو الانتماء إليه 

إذ لا يهم إن تم قتل شخص عضو منهم أو اغتياله أو فقدانه، مادام التنظيم عندهم يتمتع بخاصية الاستمرارية، وقوة السطوة المادية والأرباح الطائلة حتى لو تم ذلك عبر أبشع الأساليب القديمة و الحديثة، وذلك نظرا للطبيعة القانونية لتلك الجريمة التي تمتاز بصفة الاستمرار، حيت تتحقق عناصرها عبر وقت طويل نسبيا 2 ، و لا تنتهي إلا بحل التنظيم .

كما أشارت إلى ذلك اتفاقية باليرمو المذكورة، مع توافر اتفاق فقهي بشأن خاصية الاستمرارية التي تطبع هذه الجريمة.

الفقرة الثانية: مزاولة بعض الأنشطة الإجرامية الخطيرة عن طريق العنف

إن الجماعة الإجرامية المنظمة في الحقيقة لا تشكل جريمة واحدة بقدر ما تتوزع على مجموعة من الجرائم المتسارعة والمتنامية، و التي لا تقف عند حدود جريمة التشكيل المادي للجريمة، وإنما تتعداها من اقتراف الجريمة بالتأسيس إلى اقتراف الجرائم الخطيرة تحقيقا لأهداف تأسس التنظيم الإجرامي من أجلها.

هذا و نود الوقوف على جوهر الركن المادي للجريمة المنظمة المذكورة، والذي يتحقق به فعلا الكيان القانوني للجريمة المنظمة، فإننا لا محالة سنسلك مسلك اتفاقية باليرمو المذكورة، التي ذهبت إلى أن قيام الجريمة المنظمة لا يتحقق إلا بناء على مجموعة أنشطة إجرامية، ينبغي أن تكون في صلب برنامجها واهتمامها، وهو الأمر الذي نشير بشأنه بعض الملاحظات:

– أن النص الجنائي يجب أن يوضح ما هو منسوب للجاني كسلوك، لذلك يطرح أمر توخي تناسب العقوبة مع الفعل المجرم.

– ينبغي معرفة طبيعة السلوك بعناصره المادية، حيث يهتم القانون بحماية المصالح العامة وأيضا من الضروري حمايته للمصالح الخاصة للأفراد.

– وجود صعوبة في تحديد العناصر الواقعية المجسدة للفعل المادي، ذلك أن الفعل الإجرامي يطرح لنا مشكلة أساسية تتمحور حول تجريم الوقائع المادية المكونة له، خاصة أمام التدرج الهرمي الذي تتسم به الجريمة المنظمة بالنسبة لأعضائها، والذي يتدرج من بداية السلم الأولي، الذي يعتبر فيه هؤلاء أعضاء في حدود مستوى الجنود فقط، إلى أن نصل إلى قمة هذا التدرج، حيث نجد أعضاء لهم مكانتهم العليا، والذين يتولون فعلا و بشكل مباشر إدارة التنظيم الإجرامي، ومن تم يشكلون جميعا جسما جماعيا إجراميا منظما.

و نؤكد هنا أن الأنشطة الإجرامية المذكورة بالاتفاقية السالفة الذكر باعتبارها إطارا مرجعيا نعتمده في معالجة الجريمة المنظمة جاءت على سبيل الحصر، وهو الأمر الذي لا يسعف الأجهزة الساهرة على تنفيذ القانون وتحقيق الردع.

إذ نرى أنه لا يمكن التسوية في الخطورة ما بين تلك الجرائم، ومن تم لا يمكن أن تحدث التسوية كذلك في العقوبة.

و هكذا فإن الجرائم الخطيرة التي يستهدفها التنظيم الإجرامي كثيرة ومتعددة لا يمكن حصرها. وكمثال على ذلك: الاتجار بالبشر، الأعضاء البشرية، الاتجار بالأسلحة، الاتجار بالمخدرات والمواد المخدرة والمؤثرات العقلية، تهريب المهاجرين غير الشرعيين، والجريمة المعلوماتية بمختلف صورها في شكلها الإجرامي المنظم ، علاوة عما تقوم به هذه التنظيمات الإجرامية المنظمة من تطوير لقدراتها والرفع من منسوب جرائمها في شكل جرائم ياقة بيضاء لا يضبط دليلها ولا أثرها، تحقيقا لأهدافها الإجرامية المنظمة

المطلب الثاني:  النتيجة الإجرامية في الجريمة المنظمة

وتعتبر النتيجة الإجرامية العنصر الثاني للركن المادي للجريمة، فهي تعد بمثابة أثر أو ثمرة يتم جنيها بعد ارتكاب السلوك المادي كعنصر أول ضمن مكونات هذا الركن.

ونحن نعلم، وفقا للقواعد العامة، أن النتيجة الضارة التي تخلف مباشرة السلوك المادي، هي السبيل الأمثل كي تكون الجريمة تامة، و لن تكون كذلك إلا إذا تحققت النتيجة الإجرامية.

هذا و قد يثار التساؤل حول ما إذا كانت الجريمة المنظمة لا تكتسي صبغتها التامة إلا بتحقق نتيجتها الإجرامية؟

نرد هنا بكون التجريم لا يتمحور فقط على التحقق الفعلي للجريمة، بقدر ما يمكن اعتبارها جريمة تامة، طالما أن الخطورة الإجرامية متوافرة فيها  و هي التي تعد مناطا للإطار التجريمي بالنسبة لهذا النوع من الجرائم.

و من تم فإن النموذج القانوني للجريمة المنظمة يأتي مكتملا بمجرد قيام التنظيم الإجرامي دون انتظار تحقق النتيجة الإجرامية إذ تعتبر ضمن الجرائم العائقة ، التي تتجسد جسامة خطورتها في التنظيم ذاته، فضلا عن ترجمتها إلى حيز التنفيذ.

ومن تم فإن مجرد الانضمام أو الانتماء أو التأسيس دون ارتكاب الفعل الإجرامي الهادف إلى تحقيق رهان الربح المادي، يجعل من الجريمة المنظمة قائمة بدون منازع؛ لأنه يدخل ضمن الأعمال التحضيرية والشروع في ارتكاب الجريمة، طالما و أن ذالك العمل يشكل جريمة بحد ذاته، توخيا لأي خطورة تهدد أمن المجتمع و استقراره .

و نرى أن الجريمة المنظمة تدخل ضمن عداد الجرائم الشكلية، التي لا يستلزم النص القانوني المحدد لها تحقق حدث معين في صورة ضرر أو خطر، بقدر ما تتحقق بمجرد إتيان السلوك ذاته، طالما ينطوي على مجرد تهديد للمصلحة أو الحق موضوع الحماية القانونية.

و ننوه في هذا الصدد بالتشريعات الوطنية و حتى الاتفاقيات الدولية، التي تبنت نفس النهج الذي يتم من خلاله تجريم النوايا أو الإعداد و التجهيز للجريمة. و لربما يدخل هذا الأمر ضمن منطق السياسة الجنائية ذات الطبيعة الوقائية؛

للحيلولة دون وقوع الجريمة بمخاطرها الثقيلة و العميقة و الممتدة أضرارها وآثارها لأكثر من صعيد.

ويثار التساؤل في هذا الصدد ، حول ما إذا كان هذا التوجه الجديد يشكل استثناء عن القواعد العامة التقليدية ؟ .

والجواب يأتي في صورة تأكيدية للتوجه الاستثنائي للسياسة الجنائية الحديثة، عن السياسات الجنائية الكلاسيكية، حيث يذهب إلى اعتبار الجريمة المنظمة جريمة مستقلة، قائمة بذاتها عن الجرائم الأخرى .

مما يفضي بنا إلى القول، إن الطبيعة الاستثنائية للجريمة المنظمة عن مختلف الجرائم الأخرى، تعكس قاعدة صلبة تمتاز بالخصوصية التجريمية الموضوعية لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للدول بأشكالها وأبعادها المختلفة. وذلك من جانبين:

– الجانب الأول: قد يتم بتجريم تنظيم وتكوين جماعة إجرامية منظمة، أو الاتفاق على ارتكاب جريمة خطيرة حتى ولو بقيت حبيسة النوايا و الرغبة

– و الجانب الثاني: قد تكون الجريمة المنظمة استدعت بحكم طبيعتها، أن يتم مواجهتها في ظل سياسة جنائية مرنة ومتطورة، تتصدى لتشكيل جماعة إجرامية منظمة، أو تجابه كل مجال مفتوح للمشاركة أو الانتماء إلى هذه الجماعة الإجرامية المنظمة بغاية الالتفاف الجماعي لبلوغ الأغراض الإجرامية؛ تحقيقا لربح المادي الطائل، حتى و لو كان في سبيل تحقيق مبتغاهم مواصفات الضرر أو الخطر.

المطلب الثالث : الرابطة السببية بين النتيجة و الركن المادي للجريمة المنظمة

و معناها؛ الرابط المباشر بين عنصرين: عنصر السلوك المادي والنتيجة الإجرامية، وبصيغة أوضح؛ هي تلك الصلة بين العنصرين؛ أي صلة السبب بالمسبب، خاصة وأن الفعل الجرمي يرتكب بأول سلوك، ويتسع ليتطور ويتلاحق بآثاره المادية حتى يتبلور لنا في النهاية في صورة النتيجة الإجرامية.

و هذا وفقا للأحكام العامة، حيث يجب ضرورة إثبات أن السلوك هو سبب تحقق نتيجة معينة. أي أنه لولا السلوك الإجرامي لما حدثت النتيجة، و إذا كان هذا هو المبدأ العام المطلق، فهل لهذا الإطلاق من تقييد؟ .

إن لإطلاق مبدأ رابطة السببية ما يقيده من حيث وجود مبدأ آخر، مقتضاه تقرير مسؤولية الجاني عن سلوكه رغم اقتضاء رابطة السببية، إذا كان القانون يجرم هذا السلوك مستقلا عن النتيجة، حيث يتصور قيام هذه المسؤولية في نوعين من الجرائم:

جرائم الخطر:

خطر مجرد يتجلى في شكل جماعة بغض النظر عن برنامجها الإجرامي أو نوع و طبيعة الجرائم التي ترتكبها.

و خطر عام يتجلى في البرنامج الإجرامي العام للجماعة، والذي يتضمن جرائم عامة, بينما خطر خاص يتجلى في البرنامج الإجرامي الخاص للجماعة، والذي يتضمن مجموعة من الجرائم ذات النوع الخاص

جرائم الشروع :

حيث هناك جرائم منظمة يعاقب عليها بالشروع، حتى ولو لم تخلف أي نتيجة مادية يعتد بها. و من هنا فإن جرائم الشروع بدورها تعاقب عليها لأنها قد تشكل خطرا، حيث أشار بعض الفقه إلى أن مناط العقاب عليها بعد تجريمها، هو وجود حالة خطر ناشئة عن السلوك

وهذا معناه، وبشكل مبسط أن قيام الجريمة المنظمة يتحقق بمجرد إعلان الجاني عن رغبته في الانتماء إلى جماعة إجرامية منظمة، أو مباشرة عمل تحضيري للإعداد والتجهيز لارتكاب جريمة خطيرة في ظل الجماعة المنظمة، إلى جانب ما يتطلبه القانون لقيام الركن المادي للجريمة المنظمة لمساءلة الجاني عن نشاطه الإجرامي المنظم، وكذلك ما يتعلق بالشروع المذكور سلفا، والعدول الاختياري في الجريمة المنظمة

و نخلص إلى أن الركن المادي للجريمة المنظمة يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: وهي السلوك المادي سلبيا كان أو إيجابيا، والنتيجة و الرابطة السببية متلها في ذلك مثل القواعد العامة.

لكنها تمتاز بخصوصيات تتعلق بمضامين هذه الأركان وعناصرها السابق الإشارة إليها.

الركن المادي للجريمة المنظمة يتجسد في الأعمال المكونة لها، والتي تؤدي إلى حدوت النتيجة المتمثلة في قيام التنظيم الإجرامي بجميع صوره تأسيسا أو إدارة أو انضماما أو اتصالا بمعنى الاشتراك، و الذي يستهدف ممارسة الأنشطة الإجرامية ، علاوة على التنفيذ الفعلي لهذه الأنشطة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!