الدفوع بعدم قبول الدعوى المدنية

الدفوع بعدم قبول الدعوى

 تشكل الدفوع بعدم قبول الدعوى الصنف الثالث من الدفوع التي يمكن للمتقاضين إثارتها أمام المحكمة التي تنظر في النزاع، ويهدف المتقاضين من وراء هذه الإثارة إلى تصريح المحكمة بعدم قبول الدعوى التي تم رفعها لعدم توفر رافعها على الحق في ولوج القضاء بسبب غياب إحدى الشروط الضرورية لذلك، ويترتب عن أخذ المحكمة بهذا الدفع إحجامها عن مناقشة موضوع الدعوى“.

 وتقترب الدفوع بعدم القبول من حيث موضوعها من الدفوع الشكلية، فكلا الدفعين معا لا ينصب على مناقشة جوهر الدعوى، إلا أنها تختلف عنها من حيث الآثار التي من الممكن أن تنتجها، فالأخذ بالدفع بعدم القبول ينتج في الغالب نفس الآثار التي ينتجها الدفع الموضوعي، إذ أنه يترتب عن ذلك وضع حد نهائي للنزاع نتيجة لحيازة المقرر القضائي الصادر بصدده لحجية الأمر المقضي به، وهو ما يعني عدم إمكانية عرض النزاع من جديد على نفس المحكمة أو محكمة أخرى.

ويتعين إثارة الدفوع بعدم القبول تحت طائلة عدم قبولها في آن واحد وفي بداية النزاع، ويفقد الطرف الذي يخوض في مناقشة الموضوع لحقه في الإستناد عليها

المطلب الأول: الدفع بإنعدام شرط من شروط رفع الدعوى:

 لقد حدد الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية الشروط التي ينبغي التوفر عليه من أجل رفع دعوى أمام المحكمة، وفي حالة إنعدام شرط من هذه الشروط فإن المدعي يفقد الحق في ولوج القضاء للبت في النزاع الذي يجمعه بالمدعى عليه؟

ويتعين على المدعى عليه أو المدعي في حالة تقدم الأول بطلب مقابل، إثارة الدفع بعدم القبول لإنعدام شرط من الشروط الضرورية لرفع الدعوى في بداية النزاع وقبل مناقشة الموضوع، كما يمكن للمحكمة المعروض عليها النزاع أن تثير هذا الدفع تلقائيا، إلا أن محكمة النقض لا تعتبر من خلال القرارات التي أصدرتها، أن عدم إثارة هذا الدفع تلقائيا من قبل محاكم الموضوع بشكل دائما سبيا من أسباب النقض.

وعلى الرغم من خضوعهم لنفس القواعد القانونية، فإنه يستحسن أن يتم التطرق للدفوع بعدم القبول بسبب إنعدام شرط من الشروط الضرورية لرفع الدعوى بشكل مستقل، ويكمن الهدف من ذلك في توضيح العناصر التي تشكل خصوصية كل واحد من هذه الدفوع الثلاث و تميزه عن غيره.

الفقرة الأولى: الدفع بإنعدام الصفة:

تعد الصفة أول شرط من الشروط التي يتعين توفرها من أجل رفع الدعوى أمام محكمة الموضوع، ويمكن تعريف الصفة بكونها أحقية متقاضي معين برفع دعواه أمام القضاء قصد البت في مدى وجاهة إدعائه ويمكن أن تكتسي الصفة إما شکلا إيجابيا أو سلبيا، فالصفة بمعناها الإيجابي هي تلك التي يتعين توفرها لدى المدعي، وتمكن هذه الصفة من تحديد حصري للأشخاص الذين يحق لهم رفع الدعوى أمام القضاء، أما الصفة بمفهومها السلبي فهي التي يتعين توفرها لدى المدعى عليه.

وتنعت الصفة لدى المدعي والمدعى عليه على حد سواء بأنها مستقلة، ويمكن هذا الوصف من تمييز صفة طرفي النزاع الأساسيين المدعي والمدعى عليه عن الصفة التي من الضروري توفرها لدى باقي المتدخلين في الدعوى والتي تنعث بالتابعة.

ويعتبر بعض الفقهاء بأن الصفة تشكل نتيجة طبيعية لمبدأ الأثر النسبي للأحكام، ويهدف هذا المبدأ إلى تجنب إشراك الغير في النزاع وتمديد الآثار التي تنتج عن المقررات الصادرة فيه إليهم, وعليه يمكن إثارة الدفع بإنعدام الصفة من طرف المدعى عليه أو من طرف محكمة الموضوع تلقائيا، ويتعين على المدعى عليه الذي يرغب في التمسك بهذا الدفع إثارته قبل كل دفع في الموضوع وفي نفس الوقت الذي يثير فيه باقي الدفوع المرتبطة بالشكل، ويترتب عن عدم إحترام هذه القاعدة التصريح بعدم قبول الدفع المثار دونيا حاجة إلى مناقشة موضوعه.

ولا يمكن لمحكمة الموضوع التي تمت إثارة هذا الدفع أمامها أن تبث فيه إلا بعد إنذار المدعي بإصلاح المسطرة، ويحق لهذا الأخير الإستفادة من أجل قصد تحقيق ذلك، ويتم تحديد هذا الأجل من طرف محكمة الموضوع التي تنظر في النزاع بالنظر الملابسات هذا الأخير، غير أنه يتعين في كافة الأحوال أن يكون هذا الأجل كافيا.

  ويمكن إثارة الدفع بانعدام الصفة ولو لأول مرة أمام محكمة الإستئناف، وقد درجت محكمة النقض على إعتبار الدفع بانعدام الصفة دفعا من النظام العام مع ما يترتب عن ذلك من آثار

ولا تجبر محاكم الموضوع على إثارة الدفع بإنعدام الصفة تلقائيا إلا إذا تضمن الملف عناصر تمكنها من الإطلاع على ذلك وملامسته، ويمكن في هذه الحالة إذا  لم تثر محكمة الموضوع هذا الدفع تلقائيا أن تتم إثارته من طرف المدعى عليه لأول مرة أمام محكمة النقض ضمن جملة الأسباب التي يمكن لطالبه الإستناد عليها.

 وعلى الرغم من ضرورة إثارته في بداية النزاع وقبل كل دفع في الموضوع، فإن الدفع بعدم القبول لإنعدام الصفة يعتبر في نظر الإجتهاد القضائي بمثابة دفع يرتبط بالموضوع وليس بالشكل، وتبعا لذلك فإن المقرر القضائي الصادر بعد أخذ المحكمة به یکون حائزا لحجية الأمر المقضي به .

الفقرة الثانية: الدفع بإنعدام الأهلية:

الأهلية هي الشرط الثاني الذي يلزم تحققه لدى المتقاضين، فكل دعوى أيا كان نوعها لا يمكن ممارستها إلا من طرف وفي مواجهة من يتوفر على أهلية قانونية

ويمكن للمدعى عليه أن يثير الدفع بعدم القبول لإنعدام أهليته أو أهلية المدعي، ولا يمكن تناقص الأهلية أن يباشر الدعوى بنفسه أمام القضاء إلا عن طريق ممثله القانوني، ويتم تحديد هذا الأخير بالرجوع لمقتضيات الباب الثاني من قانون الأسرة، وبالمقابل فإن الدعوى لا يمكن توجيهها مباشرة في مواجهة قاصر، بل يتعين الإشارة إلى هوية ممثله القانوني المؤهل لتمثيله في النزاع.

تخضع إثارة الدفع بعدم القبول لإنعدام الأهلية لنفس القواعد والشكليات القانونية التي تهم الدفع بعدم القبول لإنعدام الصفة والتي سبق لنا التطرق إليها، ويعتبر هذا الدفع من النظام العام بالنظر لكون أن الهدف منه هو حماية مصالح المتقاضين، وعلى العكس من ذلك فإن واقعة إنعدام الصفة تعتبر من النظام العام، ويعني ذلك أنه من الضروري على محكمة الموضوع أن تبحث من تلقاء نفسها مدى توفر هذا الشرط الضروري لرفع الدعوى أمامها.

المطلب الثاني: الدفوع المرتبطة بانصرام أجل أو عدم إتيان إجراء:

 يجب رفع كل دعوى أمام المحكمة المختصة داخل الأجل القانوني المحدد لذلك، ويهدف المشرع من وراء سن هذه الآجال إلى ضمان إستقرار العلاقات بين الأفراد، ففي هذا الصدد ينص الفصل 387 من قانون الإلتزامات والعقود على أن كل الدعاوى الناشئة عن إلتزام تتقادم بمرور خمسة عشر سنة، كما ينص الفصل 388 على أجل أقصر وهو خمسة سنوات في الدعاوى التي يكون طرفيها من التجار، وقد حدد هذا الفصل الأخير آجال أقصر لرفع بعض الدعاوى الخاصة، فالدعوى التي ترفع من طرف الأطباء من أجل استيفاء مقابل العمليات الجراحية التي قاموا بإجرائها بتعين رفعها داخل أجل سنتين، والدعوى التي يرفعها الأساتذة من أجل إستيفاء الواجبات التي تقع على عاتق تلامذتهم تتقادم بمرور سنة واحدة

والسقوط هو عقاب يواجه به المتقاضي الذي رفع دعواه بعد انصرام الأجل المنصوص عليه قانونا، فعلى سبيل المثيل يواجهة بالسقوط المتقاضي الذي لم يطعن بالإستئناف في الحكم الإبتدائي الصادر في مواجهته داخل أجل الثلاثين يوما المحدد قانونا والذي يبدأ سريانه من تاريخ التبليغ

ولا يرتبط الدفع بالسقوط بانصرام أجل معين كان يتعين على أحد المتقاضين إحترامه، بل على العكس من ذلك يشكل هذا الأخير عقوبة تلم بالمتقاضي الذي لم يباشر إجراءا معين ينص القانون على ضرورة إتيانه قبل رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة.

والدفع بعدم القبول الناتج عن انصرام أجل أو عدم إتيان شكلية معينة ليس من النظام العام، إذ يتعين على المدعى عليه الذي له مصلحة في ذلك أن يثير هذا الدفع بنفسه، ولا يمكن البتة أن تثيره المحكمة تلقائيا، كما يتعين إثارة هذه الدفوع في بداية النزاع وقبل كل دفع في الموضوع تحت طائلة عدم القبول.

المطلب الثالث: الدفع بحجية الأمر المقضي به

تجد حجية الأمر المقضي به مصدرها في القانون الروماني، ويهدف منح هذا الأثر للمقررات القضائية إلى منع التقدم بعدد لا منتهي من الدعاوى بخصوص نزاع سبق وأن تم البت في موضوعه من طرف إحدى محاكم الموضوع ، وتجدر الإشارة إلى أن حجية الأمر المقضي به لا تهم فقط الأحكام الصادرة في الموضوع، فهي تهم كل المقررات القضائية بما فيها الأحكام التمهيدية.

ولا يمكن إثارة الدفع بحجية الأمر المقضي به إلا في مواجهة طلب بهم نزاعا مطابقا من حيث جميع عناصره لذلك الذي سبق البت فيه، وتتمثل العناصر الثلاث للنزاع في الأطراف والسبب والموضوع، وفي غياب التطابق التام فإن هذا الدفع لا يمكن الأخذ به.

ولا يعتبر الدفع بحجية الأمر المقضي به من النظام العام، حيث يتعين طبقا لمقتضيات الفصل 432 من قانون الإلتزامات والعقود، أن تتم إثارته من طرف المدعى عليه في بداية النزاع، كما أنه لا يمكن للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

 ويتعين على المدعى عليه الذي يثير هذا الدفع أن يدلي بنسخة من الحكم الذي يدعي سبقية صدوره في نفس النزاع، ويترتب عن عدم إحترام هذه الشكلية التصريح بعدم قبول الدفع المثار, ولا يمكن إثارة الدفع بحجية الأمر المقضي به لأول مرة أمام محكمة النقض، كما لا يمكنه أن يشكل سببا من أسباب النقض إلا إذا سبقت إثارته أمام محكمتي الدرجة الأولى والثانية.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!