1 – تعريف الدفع بعدم القبول:

الفرع الأول المدلول الاصطلاحي الدفع بعدم القبول الدفع بمعناه العام، “هي جميع وسائل الدفاع التي يجوز للخصم أن يستعين بها ليجيب عن دعوى خصمه، بقصد تقادي الحكم لخصمه بما يدعيه سواء كانت هذه الوسائل موجهة إلى الدعوى أو بعض إجراءاتها أو موجهة إلى أصل الحق المدعي به أو إلى سلطة الخصم في استعمال دعواه منكرا إياها”

أما الدفع بمعناه الخاص، فيقصد به الوسائل التي يستعين بها الخصم ويطعن بمقتضاها في صحة إجراءات الدعوي، دون التعرض لأصل الحق الذي يدعيه خصمه الأخر، فيتفادى بها مؤقتا الحكم عليه بما يطلبه هذا الخصم، كأن يجيب أن الدعوى قد رفعت إلى محكمة غير مخلصة، أو رفعت بإجراء باطل، ووسائل الدفاع هذه تعرف بالدفوع الشكلية، أما وسائل الدفاع المتعلقة بأصل الحق فتعرف بالدفوع الموضوعية”

وقد عرف المشرع العراقي الدفع بأنه “الإتيان بدعوى من جانب المدعى عليه تدفع دعوى المدعي وتستلزم ردها ك أو بعضا”

أما بخصوص الدفع بعدم القبول، فالملاحظ أن التعريفات وإن اختلفت بصددها إلا أن الاختلاف کامن في الصياغة أكثر منه في المضمون، فالإطار العام لهذا الدفع يكاد يكون مجمعا عليه من قبل الفقهاء، من كونها وسيلة دفاع سلبية محضة بحيث يقتصر فيها دور المدعى عليه في المحافظة على الأصل الظاهر، وهو براءة ذمته مما يسنده إليه المدعي.

كما تعرف بأنها الدفوع التي ينازع بها المدعى عليه في أن للمدعي حقا في رفع دعواه، أو في توافر الشروط التي يتطلبها القانون القبول الدعوی.

2 – عناصر الدفع بعدم القبول:

وبعد استعراض أهم ما قيل بصدد تعريف الدفع بعدم القبول، نجد أنها تتفق على الخطوط العريضة والمنح العامة وإن اختلفت الصياغة في هذه التعريفات : من هنا يمكن القول أن مقومات هذا الدفع وأهم عناصره – ومن خلال الاستنتاج من كل ما ذكر – للجسد في القواسم المشتركة لمجمل الآراء الفقهية والتي يمكن أن تميز هذا الدفع عن غيره من الدفوع، ومن أهم هذه العناصر

أولا : إن الدفع العلم القبول هو وسيلة دفاع يرمي إلى إنكار وجود الدعوي أساسا:

فإن كان الدفع الشكلي موجه أساسا إلى إجراءات الدعوى أو الاختصاص في نظرها، مما يعني أن الدعوى موجودة فعلا إلا أنها مخالفة للأوضاع التي رسمها القانون والتي يتعين على الخصم مباشرتها حتى تكون دعواه صحيحة وإذا كان الدفع الموضوعي للصلب بشكل مباشر على ذات الحق المدعي به، من دون أن يكون للمدعى عليه تحف على الدعوي بوصفها وسيلة لحماية الحقوق، إذ من المسلم به أن للدعوی کیانا مستقلا، وهي ليست بذات الحق المدعى به إلا أن للدفع بعدم القبول خصوصية تميزه عن هذا وذاك، وتتمثل في توجهها إلى الوسيلة التي يحمي بها الخصم حقه (الدعوي) فتصيبها بالشلل، ومن ثم عدم قدرة المدعي من المطالبة بحقه

فهذا الدفع هو عبارة عن التمسك بعدم توافر شرط من شروط قبول الدعوى، سواء كانت شروطها العامة أو الخاصة، الإيجابية أو السلبية، ويجوز الدفع بعدم قبول الطعن وذلك بالتمسك بعدم توافر شرط من شروط الطعن في الحكم

إن التشريعات تقرض شروط لقبول الدعوى أمام المحكمة، فإذا أقام الشخص دعوى أمام المحكمة ولم تتوافر الشروط اللازمة لقبول هذه الدعوى، فإنها لا تكون مقبولة بصرف النظر عما إذا كان محقا في ادعائه أم غير محق، و عليه يجب أن تشتيت المحكمة من شروط قبول الدعوى في الجلسة الأولى وتتأكد من توافر جميع هذه الشروط وذلك قبل الخوض في موضوعها، فإذا ما تخلف شرط أو أكثر في الدعوى المتطورة وجب على المحكمة ردها شك.

الفرع الثاني : الغاية من الدفع بعدم القبول وتمييزه مما يشتبه به:

إن الدفع والدعوى، بوصفها إجراءات قضائية إنما تخضع للأمور التنظيمية والشكلية التي يتكفل المشرع بتحديدها ومن ثم تلبية الحماية القضائية لمن يطلبها سواء من جهة الادعاء أم من جهة الدفاع

فالإجراءات القضائية ورغم تنوعها إنما ترتبط ببعضها لتكون في المحصلة عملا قانونيا واحدا، وفي حالة مخالفة الخصوم للشكليات المقررة عندها تنهض الجزاءات التي حددها المشرع بسبب مخالفة تلك القواعد.

فالمدعي عندما يتجاهل أو يهمل الشروط اللازمة لصحة دعواه، أو عندما لا يتقيد بالضوابط والشكليات والمدد المقررة لصحة الدعوى، إنما يخرق بذلك ضمانة ضرورية تحرص عليها التشريعات المختلفة للوصول إلى قضاء عادل ألا وهي الشكل

وإذا كان الطابع المميز لقواعد المرافعات أنها قواعد شكلية، فإن بعض هذه القواعد تكون لها خصائص القواعد الموضوعية التي تم حقوق الأفراد، مثل قواعد شروط قبول الدعوى، والقواعد المنظمة الطرق الطعن في الأحكام وقواعد تسبيبها.

من هنا تبدو الحكمة من الدفع بعدم القبول، من كونها جزاء أ ذات طابع خاص ينهض عندما لا تحترم الشكليات المقررة من قبل المدعي، فالمشرع عندما يوفر الفرصة للمدعى عليه من إثارة هذا الدفع للحيلولة دون قبول دعوى المدعي، إنما يوجه – في الوقت نفسه – رسالة إلى المدعي – والأفراد على وجه العموم – مفادها أن عدم احترام القواعد والشكليات التي حددها جزاءه عدم قبول تلك الدعوى

فالدفع بعدم القبول، إنما يسلب سلطة المدعي في استعمال الدعوى، لأن هذه السلطة لم تباشر وفق الشكل المحدد له، ومن ثم أصبحت وسيلة المدعي ” الدعوى” غير قادرة للمطالبة بالحقوق، فالدفع إذن وسيلة لردع المدعي غير المستوفى لشرائط إقامة الدعوی۔

3 – الطبيعة القانونية للدفع بعدم القبول :

أثارت طبيعة الدفع بعدم القبول خلافا حادا بين الفقهاء وجدلا واسعا في المؤلفات القانونية، هذا الخلاف في الأراء سببه غموض هذا الدفع و عدم وضوح معالمه، فتارة يقترب من الدفوع الموضوعية، وتارة أخرى تلتقي أحكامه مع أحكام الدفوع الشكلية، مما أوقع الفقهاء في حيرة منه، ولهذا ذهبت الآراء في تحديد أحكامه إلى مذاهب شتى

ولأجل الوصول إلى النتيجة المتوخاة، أجد من المناسب التطرق – ولو بشيء يسير – للدفوع الموضوعية والشكلية لترى مدى التقارب ما بين الدفع بعدم القبول والدفوع الأخرى، مع ملاحظة نقاط التباين بين هذه الدفوع، ومدى إمكانية اعتبار الدفع بعدم القبول دفعة مستقلا وقائمة بذاته

فالدفوع الموضوعية، هي تلك الدفوع التي توجه إلى الحق موضوع الدعوى، لغرض الحكم برفض الدعوى بشكل كلي أو جزئي، بمعنى أن هذا الدفع ينازع في نشوء الحق أو بقائه أو مقداره، ويرمي بهذا إلى رفض طلبات المدعي كلها أو بعضها.

وهذه الدفوع من الجائز إبداؤها في أية حالة تكون عليها الدعوى، لأنه لا يعدو أن يكون دفاع يتعلق بذات الحق، والأصل أنه من الجائز إبداء أوجه الدفاع هذه في أية حالة تكون عليها الدعوى، وإذا كان هذا الدفع يوجه إلى أصل الحق، فإن الحكم يقيوله يترتب عليه حسم النزاع على أصل الحق، كما يحوز هذا الحكم حجية الشيء المحكوم به، فلا يجوز تجديد النزاع أمام المحكمة التي أصدرته أو أمام أية محكمة، لأنها قد أستنفذت ولايتها فيها

والدفوع الموضوعية متعددة والقانون لا يحددها، فهي لا تقع تحت حصر، لأنها تتعلق بأصل الحق ذاته وتنظمها القوانين المقررة، كالدفع بالوفاء أو الإبراء أو بالمقاصة والدفع بالصورية. الخ

أما الدفوع الشكلية، فهي تلك الدفوع التي لا توجه إلى ذات الحق المدعي به، وإنما توجه إلى الدعوى بصفتها مجموعة إجراءات يتعين على الخصم مباشرتها إذا شاء الالتجاء إلى القضاء للحصول على المنفعة التي يخولها له حق معين يدعيه أو هي دفوع ترمي إلى الطعن في صحة شكل الدعوى، إما بإنكار اختصاص المحكمة المرفوعة إليها الدعوى، وإما بإنكار صحة الإجراءات التي رفعت بها أو التي تسير فيها.

وإذا كانت القاعدة تقضي بأن يثير القاضي من تلقاء نفسه كل ما يمس النظام العام، لذا وجب عليه أن يثير الدفع الشكلي المتعلق بالنظام العام، فضلا عن قبوله في أية حالة تكون عليها الدعوى

أولا : الاتجاه التقليدي:

تتلخص فلسفة هذا الاتجاه، بإلغاء طائفة الدفوع بعدم القبول وذلك بالنظر إلى ما يحيط بهذا النوع من الدفوع من مشاكل، وضرورة إدماجه داخل طائفة الدفوع الشكلية

وقد استند هذا الاتجاه على حجج، من أهمها، أن قانون المرافعات الفرنسي الصادر في سنة 1806 قد عدد الدفوع الشكلية والموضوعية فقط، حيت يتوجه النوع الأول إلى الإجراءات بقصد عرقلة سير الخصومة، أما النوع الثاني فيتوجه إلى مضمون الادعاء يقصد تحطيمه

أما الحجة الثانية، فتعتمد على ما جرى عليه العمل إذ تم إدماج الدفع بعدم القبول في هذه الفترة داخل طائفة الدفوع الشكلية

وقد استمر هذا الوضع، إلى أن صدر في فرنسا قانون سنة 1930 (الملغي)، والذي رسخ الاتجاه السابق، من خلال إعطاء هذا القانون للدفع بعدم القبول ذات النظام القانوني القائم بالنسبة للدفوع الشكلية، وبالذات ضرورة إبداء الدفع بعدم القبول قبل الكلام في الموضوع وإلا سقط الحق في إبدائه(؟). هذا الأمر دفع بالفقه الفرنسي للقول بأن القضاء في فرنسا جرى على اعتبار الدفع بعدم القبول دفعة شكلية وأسمته الدفع الشكلي بعدم القيول

ثانيا : الاتجاه الحديث (الاتجاه المعاصر)

حاول هذا الاتجاه التخفيف من خطورة فلسفة الاتجاه القديم، ومن اعتبار الدفع بعدم القبول ضمن طائفة الدفوع الشكلية، فعمد إلى إجراء تفرقة دقيقة داخل طائفة الدفوع بعدم القبول، فذهب إلى أنه يوجد من هذه الدفوع ما يتصل بالإجراءات وأسماها الدفوع بعدم القبول المتعلقة بالإجراءات، والدفع بعدم القبول المتعلقة بالموضوع وهي ما يتصل بالموضوع

و حيت يقصد بالنوع الأول من هذه الدفوع تلك التي ترمي إلى استبعاد الطلب القضائي، نظرا لأن الدعوى لم تمارس من خلال الشروط الواجب توافرها الاستعمالها استعمالا مقبولا من الناحية الإجرائية أما الدفع بعدم القبول المرتبط بالموضوع، فهو الدفع الذي يواجه الادعاء بحق أمام القضاء كأساس للطلب القضائي

إن ما يترتب على فلسفة هذا الاتجاه، هي وجوب إعطاء الحكم القانوني للدفع الموضوع و الشكلي على الدفع بعدم القبول حينما وجد، فالدفع بعدم القبول المرتبط بالإجراءات يطبق عليه أحكام الدفوع الشكلية والدفوع بعدم القبول المرتبط بالموضوع يطلق عليه أحكام الدفوع الموضوعية

كما ذهب جانب من الفقه  إلى أن الدفع بعدم القبول، إذ كان لعيب في العمل الإجرائي، فهو في الحقيقة دفع شكلی يخضع لأحكام الدفوع الشكلية، أما إذا كان الدفع بعدم القبول بسبب التخلف الظاهر لأحد شروط الحق في الدعوى، أو انقضاء الحق وهو ما يطلق عليه الفقه والقضاء عدم القبول الموضوعي أو المتصل بالموضوع فيأخذ حكم الدفوع الموضوعية

في حين يرى اتجاه أخر أن الدفع بعدم القبول على التمسك بعدم قابلية الإدعاء لأن يكون محلا للعمل القضائي، وهو بذلك يثير مسألة إجرائية تتعلق بالموضوع يتميز بذلك عن الدفوع الإجرائية (الشكلية) التي تثير مسألة إجرائية بحتة، كما يختلف عن الدفوع الموضوعية التي تثير مسألة موضوعية بحته، لذا يعد الدفع بعدم القبول من وجهة نظر هذا الاتجاه دفع إجرائي لكنه يختلف عن الدفوع الإجرائية البحتة – لتعلقه بالموضوع


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!