الدفع برفع حالة الاعتقال

الدفع برفع حالة الاعتقال

هل يجوز للمحكمة قبول الدفع برفع حالة الاعتقال عن المتهم في إطار المادة 74 من قانون المسطرة الجنائية قبل مناقشة القضية في جوهرها ؟

تمهيد:

الحرية حق فطري لكل إنسان، لأنه يخرج إلى الوجود حرا طليقا بلا قيود ولا أصفاد، ولهذا عملت كل الأديان السماوية والشرائع الوضعية على احترام هذا الحق وإحاطته بما يلزم من الضمانات خوفا من انتهاك حرمته والاعتداء على قدسيته، وتبقى الشريعة الإسلامية نبراسا في هذا المجال، حيث سبقت القانون الوضعي كما المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

لكن استعمال هذا الحق يجب أن لا يتعدى الحد المعقول، فيبلغ بصاحبه درجة التعسف وإلحاق الأذى بالغير فردا كان أو جماعة تحت طائلة تجريده من حريته وذلك باعتقاله.

الاعتقال إذن نفي لحالة فطرية يولد الناس عليها، وهو لذلك إجراء خطير جعل القانون يهتم بتحديد آلياته وضوابطه بهدف تمكينه من إطار يستمد منه مشروعيته وهكذا نص الدستور المغربي في فصله العاشر على تحريم الاعتقال والعقاب بدون نص قانوني، بينما عمل القانون الجنائي على سن عقوبات رادعة تطال كل مسؤول تسول له نفسه اعتقال شخص بطريقة تحكيمية ، كما تطال ايضا كل من يقوم باحتجاز شخص و حبسه دون أمر من السلطة المختصة.

ومن جهته , فقد أوجد قانون المسطرة الجنائية مجموعة من الضمانات القانونية الكفيلة برسم حدود عتقال و يبقى الفصل 74 من ق م ج الأداة القانونية التي تخول لوكيل الملك صلاحية إيداع المتهم بالسجن  و إحالته على المحكمة للنظر في نازلته هو في حال إعتقال كما يبقى هذا الفصل أيضا أساسا قانونيا يلجأ إليه دفاع المتهم المعتقل لإثارة الدفع المتعلق برفع هذه الحالة قبل مناقشة القضية في جهرها.

فهل بإمكان المحكمة أن تستجيب الدفع برفع حالة الاعتقال ؟ وهل من سند ترتكز عليه لتعليل قرارها أم أن المسألة غير متاحة لها قانونا ليبقى من حقها فقط الحكم بتمتيع المتهم بسراح المؤقت بعد مناقشة القضية في جوهرها؟

إذ نؤمن جازمين بإمكانية رفع حالة الاعتقال طرف المحكمة قبل المناقشة القضية في جوهرها , فإننا سنحاول قدر الإمكان تبرير هذا الطرح بما هو متاح من قواعد قانونية في ظل قانون المسطرة الجنائية الحالي وكذا من عمل قضائي

طبيعة الدفع برفع حالة الاعتقال

قبل التطرق لهذه الطبيعة يجدر بنا أن نستعرض نص الفصل 74 المذكور بصيغته الحالية: “إذا تعلق الأمر بالتلبس بجنحة معاقب عليها بالحبس، أو إذا لم تتوفر في مرتكبها ضمانات كافية للحضور، فإنه يمكن الوكيل الملك أو نائبه أن يصادر أمرا بإيداعه المتهم بالسجن بعد إشعاره بأن من حقه تنصيب محام عنه حالا لاستنطاقه عن هويته والأفعال المنسوبة إليه، كما يمكن أن يقدمه للمحكمة حرا بعد تقدم كفالة مالية أو كفالة شخصية…”

فاستنادا إلى هذه المقتضيات تتخذ النيابة العامة قرار الاعتقال في حق المتهم كما تعلل قرارها هذا أيضا تأسيسا على نفس المقتضيات كان تقول مثلا:

قررنا إحالة المتهم على جلسة كذا في حالة اعتقال نظرا:

1. لانعدام ضمانات كافية للحضور.

2. أو اعتبارا لحالة التلبس

3. أو اعتبارا لخطورة الأفعال.

 كما أن الدفع برفع حالة الاعتقال المقدم من طرف الدفاع لا يخرج أيضا عن التمسك بانتفاء هذه الحالات، ويبيني تبعا لذلك على أن النيابة العامة قامت بخرق المادة 74 لعدم قيام حالة التلبس أو لأن المتهم المعتقل يتوفر على ضمانات كافية للحضور كان يكون مثلا موظفا أو صاحب مهنة حرة يزاولها في مكتب معلوم العنوان أو أن تعليل قرار الاعتقال بعلة خطورة الأفعال هو خرق للمشروعية لأن الفصل 74 إنما تحدث عن حالتين اثنتين ولم يرد فيه ذكر خطورة الأفعال وأن النيابة العامة ليس من حقها تشريع القوانين وإنما هي ملزمة بتطبيقها فقط على النحو الذي ارتضاه المشرع.

هذه إذن بعض النماذج من الدفوعات التي تثيرها أسرة الدفاع في إطار رسالتها النبيلة الهادفة إلى خدمة العدالة عموما وإلى الدفاع عن حق الحرية على وجه الخصوص.

والواقع أن مسألة تحديد طبيعة هذا الدفع تكتسي أهمية بالغة، ذلك أن معرفة ماهيته كدفع شكلي أو كدفع موضوعي هي وحدها الكفيلة بتحديد الوقت الذي يمكن فيه لصاحب المصلحة أن يثيره: هل قبل مناقشة جوهر القضية أم في مختلف مراحل المحاكمة؟

ذلك أن المادة 323 من قانون المسطرة الجنائية الجديد أشارت إلى أنه:

“يجب تحت طائلة السقوط، أن تقدم قبل كل دفاع في جوهر الدعوى، و دفعة واحدة، طلبات الإحالة بسبب عدم الاختصاص – ما لم تكن بسبب نوع الجريمة – وأنواع الدفع المترتبة إما عن بطلان الاستدعاء أو بطلان المسطرة المجراة سابقا، وكذا المسائل المتعين فصلها أوليا…”

و تقترب هذه الصياغة مع صياغة المادة 318 من قانون المسطرة الجنائية القديم التي كانت تنص على أن:

“أنواع الدفع المترتبة إما عن بطلان الاستدعاء أو بطلان المسطرة المحراة سابقا وكذا المسائل المتعين فصلها أوليا يجب أن تقدم قبل كل دفاع في جوهر الدعوى وإلا تصبح غير مقبولة لفواة إبانها.”

تعامل الجهاز القضائي مع الدفع برفع حالة الاعتقال

ولئن كان قانون المسطرة الجنائية الحالي – كما السابق – لم ينص صراحة على اعتبار الدفع الذي نحن بصدده دفعا شكليا، فإنه يمكن إدراجه ضمن العبارة الواردة في الفصل أعلاه (المسائل المتعين فصلها أوليا) كما أن المجلس الأعلى رفع أي لبس بخصوص هذه النقطة حيث قال:

يعتبر: “الدفع بعدم قانونية الاعتقال الاحتياطي… من المسائل التي يتعين فيها الفصل أولا فيجب أن تثار قبل كل دفع في الجوهر وإلا تصبح غير مقبولة لفواة أوانها .”

وفضلا عن وجوب تقديم الدفع في إبانه كما ذكر، فإنه يتعين أيضا تقديمه بواسطة مستنتجات صحيحة أو في شكل مستنتجات شفوية التمس أصحابها الإشهاد عليها.

بعد أن أيقنا بأن الأمر يتعلق بدفع شكلي حدد القانون لحظة تقديمه، كما خصص جزاء عند تجاوز هذه اللحظة، هناك سؤال آخر يتبادر إلى الذهن وهو: “متى تتصدى المحكمة للجواب على الدفع سلبا أو إيجابا ؟”

وهل يتعين عليها أن تبت فيه أيضا قبل مناقشة القضية في جوهرها أم بإمكانها أن ترجئ ذلك بعد هذه المناقشة وليس عليها من جناح إلا أن تعلل قرارها بضم الدفع الشكلي إلى الجوهر ؟

والحقيقة أن جدية التساؤل بشأن هذه النقطة كانت تجد أساسها في ظل قانون المسطرة الجنائية السابق، وذلك لأن المادة 318 الآنف ذكرها لم تكن تحسم بشكل صريح إلى الوقت الذي يجب على المحكمة أن تتصدى فيها للجواب عن هذا الدفع، مكتفية بالقول:

“… وفي حالة رفض الدفع، تواصل المحكمة المناقشات ….”

فظاهر هذه العبارة يفيد أن المحكمة تقوم عقب تقديم الدفع الشكلی بدراسته والرد على جديته استحسانا أو رفضا، ثم تواصل مناقشة القضية باستنطاق المتهم فالاستماع إلى الشهود حالة وجودهم إلى غير ذلك من إجراءات التحقيق.

لكن، وفي غياب أي جزاء قانوني صريح، فإن المحكمة – كان – بإمكانها أن تقضي بحكم واحد يشمل البت في الموضوع كما الجواب عن الدفع وهو مسلك سار عليه العمل القضائي بحيث أصبح السمة الغالبة في معظم الأحكام القضائية ولم يفت المجلس الأعلى أن يزکي هذا الاتجاه .

ولا شك أن عدم تقييد محكمة الموضوع بزمن محدد للجواب على الدفع الشكلي هو شيء إيجابي كفيل بجعلها تتفادى العجلة في إصدار الأحكام، عجلة من شأنها خلق هفوات ليست في مصلحة المتهم نفسه معتقلا كان أو مسرحا، فإبقاء هامش من الحرية للمحكمة في الرد على الدفوع المثارة أمامها وقتما وجدت العدة القانونية للقيام بذلك، هو من قبيل مساعدها على اتخاذ المواقف والقرارات الشجاعة حقا والناضجة عدلا وصدقا، ولعل هذا ما توخاه المشرع في قانون المسطرة الجنائية الجديد حينما كرس العمل القضائي المشار إليه آنفا بقاعدة قانونية صريحة من شأنها أن ترفع اللبس وتغني عن النقاش مستقبلا كما تغني أيضا عن تمسك الدفاع أمام المحكمة بضرورة الجواب حالا عن الدفع وعدم ضمه إلى الجوهر:

“يتعين على المحكمة البت في هذه الطلبات فورا، ولها بصفة استثنائية تأجيل النظر فيها بقرار معلل إلى حين البت في الجوهر”.

هكذا إذن نلاحظ أن المحكمة أصبحت ملزمة في الأصل بالرد على هذا النوع من الدفوع فورا وعقب تقديمه، وأصبح الاستثناء هو تأجيل النظر بضم الجواب على الدفع المذكور إلى جوهر الدعوى وهو استثناء قيد اللجوء إليه بضرورة إصدار قرار معلل.

ونعتقد أن إلزام المحكمة بإصدار قرار معلل حينما ترتئي تأجيل النظر في الدفع، من شأنه عرقلة السير السليم للجلسات بالنظر لعدد الملفات التي تكون معرضة من جهة وكذا بالنظر للدفوعات الشكلية المثارة من طرف الدفاع من جهة أخرى ولهذا السبب فنحن نرى أن الصياغة التي تبناها المشروع كانت أفضل لاحتواء جميع الأبعاد التي تتطلبها المحاكمة العادلة من سير عادي للجلسات و احترام لحقوق الدفاع. وهكذا فقد جاءت صياغة هذه الفقرة على الشكل التالي:

“يمكن للمحكمة البت في هذه الطلبات فورا أو تأجيل النظر فيها إلى حين البيت في الجوهر”.

ولا بأس من الإشارة إلى أن المشرع في هذا الفصل حاول أن يساير ما كان المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان قد توخاه في مقترحاته بهذا الخصوص

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!