الدراسات النظرية للتنشئة السياسية

الدراسات النظرية و الفلسفية التنشئة السياسية

المقترب السلوكي لدراسة التنشئة السياسية :

يتكون المقترب السلوكي من تيارين نظريين بارزين :

التيار الأول

يرتبط التيار الأول بالمدرسة السوسيولوجي الانتخابية بجامعة ميشكان لا يعتمد هذا التيار على إطار نظري محدد لدراسة التنشئة السياسية, بل يعتمد ببساطة على البحث عن جذور السلوكيات الانتخابية للراشدين, وقد تم في هذا الإطار إجراء عدة دراسات من بينها دراسة 1954 التي أجريت على مجموعة من الشباب بأمريكا وأثبتت هذه الدراسة أن 79% من الراشدين الذين يتوفرون على أبوين ديمقراطيين كانوا يصوتون لصالح الديمقراطية .

كما أن 71 % من الراشدين الذين كان لهم أبوان جمهوريان كانوا يصوتون لصالح الجمهوريين وعموما فإن هذه الدراسة “السوسيولوجي” قد ارتكزت على ثلاث حقائق تم استخلاصها من مجموع الدراسات التي أجريت تتلخص أولا في كون أهمية الانتماءات الحزبية لا تظهر فقط عند التصويت بل تكل في حد ذاتها عاملا أساسيا لتكوين وتشكيل المواقف السياسية عبر مختلف مراحل حياة الفرد.

تساهم هذه الانتماءات في إعادة إنتاج الخيارات السياسية من جيل إلى جيل حيث يهيئ كل جيل , الجيل الذي يله لتجديد قاعدة المتعاطفين و المنخرطين و المناصرين لكل حزب ويتم ذلك من خلال الأسرة كخلية فعالة للتواصل بين الأجيال, لذلك يرى الباحثون بأن مرحلة الطفولة و المراهقة هي أفضل وأهم مرحلة لزرع هذه التوجهات السياسية وترسيخ ثباتها عبر الزمن وهو ما أطلق عليه الباحثون اسم الولاءات الثابتة, وعلى هذا الأساس تم اعتبار التنشئة السياسية أساسية استقرار القوى السياسية و النظام السياسي ككل

التيار الثاني

أما التيار الثاني والذي يمثله كل من فاستون و دنيس فهو لا يهتم إلا بآليات و أساليب نمو وتطور السلوكيات السياسية, إن منطلقاته تختلف تماما عن منطلقات التيار الأول حيث لا يعتمد على دراسة حالة محددة ولا على إعادة إنتاج سلوك سياسي معين كالتصويت أو غيره من السلوكيات السياسية, بل إنه يقترح بناء نظرية سياسية للتنشئة السياسية أي نظرية وظائف التنشئة السياسية ومساهمتها في دوام واستقرار النظام السياسي.

 إذ يعتبر أصحاب هذا التيار أن التنشئة هي الآلية الأكثر فعالية لضمان الدعم القوي للنظام وفي هذا الإطار يعتبر تقبل مبادئ وقيم قواعد اللعبة السياسية أهم بكثير من غرس هذا النوع أو ذاك من التوجهات السياسية فليس المهم أن يقوم الآباء بغرس انتماءاتهم في أبنائهم, فالأهم من ذلك هو أن ينجحوا في إقناع أبنائهم بالقبول بآلية الانتخابات كأداة للاختيار وبالنظام الحزبي كوسيط شرعي بين السلطة والأفراد.

نتائج هذين التيارين :

لقد أدى هذين التيارين في إطار المقترب السلوكي إلى ظهور عدة أبحاث أسفرت معظمها على نفس النتائج ويمكن تلخيص هذه النتائج فيما يلي :

أولا : أن الأطفال ابتداء من 10 إلى 11 سنة تتكون لديهم خيارات حزبية ومواقف سياسية نتيجة تأثرهم بالوسط السياسي الذي يعيشون فيه.

ثانيا : تتماشى هذه الخيارات و التوجهات السياسية وفق الارتباط المتوفر بين الوسط الاجتماعي لهؤلاء الأطفال والحزب المختار.

ثالث : يتكون لدى الأطفال وينمو في أذهانهم تصور قبلي إيجابي ومثالي عن النظام السياسي, وهناك شخصية هامة تلعب دورا رئيسيا في تكون هذا التصور هي شخصية رئيس الدولة الذي عادة ما يظهر بصورة “الشهير المحبوب”

لقد قام كل من فاستون و دنيس انطلاقا من هذه النتائج باقتراح نموذج عالمي للتنشئة السياسية باعتبارها الأداة الأساسية لتدعيم النظام السياسي وضمان استقراه واستمراره وحسب رأي هذان الباحثان فأن كل نظام سياسي يرتكز على مبادئ تشكل جميعها أسس التنشئة السياسية ويتعلق الأمر بالمبادئ الثلاث , التسييس و الشخصنة و المأسسة.

انتقادات الموجهة لهذه النظرية :

إن أول ما وجه لهذه النظرية كانتقاد هو أن القول بأن الانتماءات الحزبية و التوجهات السياسية المبكرة من شأنها أن توجه المسار السياسي الأحق للفرد داخل المجتمع, أمر لا أساس له من الصحة, حيث تبين من خلال دراسات أخرى أن الانتماءات الحزبية البكرة قد تكون مرحلية فقط ولا تحمل أي مضمون أحيانا ولا تمتاز بالاستقرار عبر الزمن,

فمن خلال بعض الدراسات, تبين أنه خلال فترة ستة أشهر سجلت نسبة للتشبث بالتوجهات السياسية و الانتماءات الحزبية لدى الأطفال ما بين 9 و 10 سنوات, لا تتعدى 30%  بينما بلغت نسبة 59 % لدى الأطفال ما بين 13 و 15 سنة و 701 % لدى الراشدين ومن هنا يتضح أن مرحلة الطفولة لا يمكن اعتمادها كمحدد لتشكل التوجهات السياسية لدى الأفراد في المجتمع ولذلك يلاحظ أن قدرة تأثير الأسرة في إعادة إنتاج الأفكار و التوجهات السياسية قي قدرت بشكل مبالغ فيه …

وبالإضافة إلى ما سبق فقد تبين من خلال عدة دراسات أن الانتماءات و التوجهات السياسية لا تتخذ نفس المسار التكويني بالنسبة لكل الدول ولا تتخذ نفس الشكل أيضا بالنسبة لكل المجتمعات وهذا ما يوضح فشل محاولة هذا التيار في تعميم النموذج الغربي كنموذج موحد بالنسبة لكل المجتمعات.

 فمن الصعب أن تتصور وجود مجتمع شامل ومتكامل تنطبق خصوصياته على مختلف المجتمعات وتصح النظريات المنطبقة عليه على كل المجتمعات الأخرى دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية هذه المجتمعات كل على حدة ذلك أنه لكل منتظم ولكل مجتمع خصوصياته الثقافية وما ينطبق من نظريات على هذا المنتظم السياسي لا ينطبق على الآخر.

التنشئة السياسية عند بورديو :

يقصد بورديو بالتنشئة : “تلك المعارف المكتسبة في الطفولة المبكرة إنها التربية الأولوية التي ترتكز على عملية صقل الشخصية من أجل الحصول على فرد مكيف مع النظام الاجتماعي ”

ويرى بورديو أن هناك ارتباطا وثيقا بين النظام الاجتماعي و النظام السياسي ويصل إلى حد القول بأنه من أجل تحقيق تكوين سياسي للطفل يكفي توفر الاقتناع الشعبي المتداول بواسطة بيداغوجية ضمنية قادرة على زرع مجموعة من القناعات و الأفكار الميتافيزيقية التي ترتكز على ابسط السلوكيات في المجتمع كالاستقامة في المجلس واحترام آداب المحادثة وآداب الطعام فمن خلال السلوكيات البسيطة جدا في الحياة العادية تظهر المبادئ الأكثر أهمية و الأساسية في “التحكم الثقافي” للنظام السياسي.

وتتم عملية التكيف مع عادات ومبادئ المجتمع الثقافي من خلال عنصرين أساسيين هما الأسرة و المدرسة, فهي تبدأ أولا في إطار الأسرة من خلال التربية التلقائية, ثم يأتي بعدها دور ” التربية المؤسساتية” إن المعارف أو المبادئ الملقنة في المدرسة هي نفسها المتداولة داخل الأسرة غير أن المدرسة سوف تضعها في شكلها الملائم بترشيدها ووضعها في إطار الحدود التي تسمح يها” المعرف الرسمية” بواسطة تدخل المدرسة يصبح الاعتياد أو العادة التي اكتسبها الفرد خلال طفولته البدائية, مبدءا مقننا, ممنهجا ومطبقا بشكل جماعي يأخذ بعين الاعتبار كل التجارب السابقة.

إن التنشئة السياسي في معناها الحقيقي, يقول بورديو لا تقتصر على البحث في فهم آليات تكون التوجهات و المواقف السياسية, بل تسعى إلى البحث عن هذه الآليات ودرجة تدخل كل منها في مسار السياسة العامة للنظام, وتلعب الأسرة والمدرسة دورا هاما في هذا المسار,

 وتقول الباحثة أنيك برشان معقبة على نظرية بورديو : “إن قراءة النصوص التي تطرق فيها بورديو للتنشئة والتربية بشكل مباشر يقودنا إلى التساؤل أولا وأساسا عن وجود تنشئة سياسة بمعنى الكلمة, في عالم تحظر فيه السياسة من أجل إضفاء الشرعية وكتم أهمية القاعدة المهيمنة,

فمن خلال تتبع عملية الإنتاج أو إعادة الإنتاج الاجتماعي ما هي الأهمية التي يمكن إعطاءها لعملية زرع وترسيخ المفاهيم السياسية؟

ويذهب بورديو بعيدا في تحليله لآثار التنشئة السياسية, ويربط الكفاءة السياسية بالمستوى الاجتماعي للأفراد, حيث يعتبر أن تطوير المعارف السياسية للأفراد لا يلعب سوى دورا ثانويا أمام الدور الذي يلعبه المستوى الاجتماعي للفرد في الارتقاء في سلم الممارسة السياسية,

ففي الوقت الذي يمكن القول بأن القول بأن الأفراد يكونون أكثر معرفة بأمور السياسة كلما ارتقى مستواهم الدراسي والتعليمي, ينبغي أن لا ننسى أيضا أن الأفراد المحظوظين اجتماعيا هم أوفر حظا من غيرهم في مجال الممارسة السياسية ويكتسبون كفاءة عليا في الميدان السياسي,

ورغم هذا الموقف لا ينفي بورديو مع ذلك الدور الذي يلعبه التعليم بما يحتويه من أبعاد سياسية ذلك أن المدرسة تؤهل الفرد لتكوين تصور فكري سياسي واضح, إنها تسمح باكتساب الخطاب المقروض كنموذج وحيد للتعبير السياسي المشروع.

أنواع التنشئة السياسية :

ولذلك نجد بورديو يميز بين نوعين من التنشئة السياسية الأولى أساسية وتتعلق بالتكوين المبني على أساس “تدجين” أو تكييف الأفراد حسب النظام القيم التي يتم زرعها منذ الصغر فهذه التنشئة تعمل على تكييف كل فرد وضعيته الاجتماعية بحيث يكتسب كل فرد شعورا بالرضا تجاه كفاءاته ومهاراته الاجتماعية مهما كانت محدوديتها,

أما النوع الثاني من التنشئة فهو يختص ببعض الأطفال من الفئات المحفوظة في المجتمع إنها تؤكد لذا هؤلاء إمكانية تحقيق العديد من الإنجازات كما تؤكد لهم توفر الإمكانيات الاجتماعية التي تخول لهم التوفر على كفاءات ومهارات سياسية من خلال تزويدهم بالمعرفة اللازمة لاكتساب هذه المهارات,

ومن خلال هذا التصنيف يقسم أفراد المجتمع إلى قسمين غير متكافئين نجد من جهة الأفراد الذي يتقبلون فكرة كونهم بعيدون عن السياسة وأن هذه الأخيرة ليست من أمورهم, ونظرا لعدم توفرهم على إمكانيات ممارستها يتخلون عن الحقوق المعترف لهم يها شكليا, ومن جهة أخرى نجد الذين يدعون بأنهم يعبرون عن رأي المجتمع و يمتلكون الإمكانيات الاجتماعية لممارسة السياسة إنهما فئتان متعارضتان غير أنهما متكاملتان من أجل تقسيم العمل السياسي.

التنشئة السياسية في نظرية بياجي :

ينطلق بياجي من مفهوم ضيق للتنشئة السياسية على اعتبار أن مرحلة الطفولة تشكل أساسا لهذه العملية, ويربط بياجي مفهوم التنشئة بمفهوم التكوين, غير أنه لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الأمر يتعلق فقط بظاهرة التلقين ومن هنا ستخلص بياجي ثلاث أفكار أساسية ومتحكمة في المقترب المنهجي لظاهرة التنشئة :

إن الحديث عن التنشئة السياسية عند الأطفال يعني الحديث عن ظاهرة غير قارة وفي طور التكوين تعني أكثر من تطور الأفكار و الآراء عبر السن ويعتبر السن أهم العوامل التطور والتحول التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الأطفال, غير أن السن يعتبر مفهوما فضفاضا جدا وغامضا, فتطور مسار التكوين لذا الطفل يعرف نوعا من التغييرات والمواقف القوية و الضعيفة لحياة الطفل,

 ولذلك يجب تحليل هذه المواقف ليس بناءا على اعتبار السن بل على اعتبار المراحل والأطوار التي يمر بها الطفل في حياته, فلاعتماد على الأطوار في الدراسة يساعد أكثر على رصد التطورات التي يشهدها المسار التكويني للطفل ذلك أن مفهوم السن يسوق إلى الاعتقاد أننا بصدد مجموعة من الوقائع المتجانسة في حياة الطفل بينما نفهم من عبارة التطور لذا الطفل دارسة التنشئة السياسية وفي إطار المفهوم الواسع للتطور كل ما يقع للطفل ويمكن أن يؤثر على تنميته السياسية.

وفي هذا الإطار ينبغي التمييز بين مجالين أساسيين : التلقين الاجتماعي و التطور الذهني , ويشهد هذين المجالين تطرأ متماثلا لذا الطفل عبر أطوار حياته التكوينية فأنماط التفكير و القدرة على الإدراك و اكتساب المعرفة تتطور خلال تقدم الطفل في السن,

وإذا أخذنا بعين الاعتبار العوامل البيولوجية و النفسية لذا الطفل فغن التنشئة السياسية لهذا الأخير تظل رهينة بتطور ذكائه, وبالموازاة مع هذا التطور الذهني يظل المجال المعرفي يحتل أهمية كبير في تطوير وتنمية الإدراك السياسية عند الطفل.

يقسم بياجي مرحلة الطفولة إلى طورين أساسيين :

1 – الطور الأول :

ما قبل إحدى عشر واثني عشر سنة: يرى بياجي بأن الطفل في هذه المرحلة يخلط بين ما يعتقده داخليا وبين الواقع ويعتبر أن ما يعتقده أمر مطلق وحقيقة لا نقاش فيها فالطفل في هذه المرحلة يفتقد إلى القدرة على التمييز بين المطلق و النسبي,

كما أنه لا يملك القدرة على مناقشة وتحليل المعارف التي يتلقاها فيأخذها كما لو كانت حقائق مطلقة, دون أن يخضعها للتجربة آو الملاحظة الدقيقة خلال هذه المرحلة يسعى الطفل فقط إلى تحقيق رغباته الذاتية في إطار علاقته الاجتماعية, وفي هذه المرحلة يمكن أن يجمع الطفل في هذه المرحلة بين عدة آراء ومواقف متناقضة إما لجهله بالمعطيات اللازمة أو لعدم اتضاح مدلولها في ذهنه, وعموما فغن الطفل في هذه المرحلة يكتسب فيها الطفل بعض المعارف السياسية التي تهيؤه لمرحلة لاحقة يكتسب فيها القدرة على التمييز و الاختيار.

2 – الطور الثاني :

ما بعد اثني عشر سنة : في هذه المرحلة يظهر بعض التغيير في التفكير و السلوك الاجتماعي للطفل يكون له أثر مباشر على تطور تنشئته السياسية, فإذا كانت المرحلة السابقة تتميز بالانغلاق على الذات وعد القدرة على التمييز فإن هذه المرحلة تظهر فيها خصائص أخرى تتمثل في :

– انفتاح الطفل على الآخرين والقدرة على الفهم والتمييز وتحديد مواقفه من القضايا التي تطرح عليه انطلاقا من المعطيات المعرفية التي يكتسبها.

– أن الطفل يعبر أكثر فأكثر عن اهتمامه بالقضايا السياسية وبكون ذلك أيضا بقدر اهتمام الوسط الذي يعيش فيه بهذه القضايا, فكلما كان اهتمام الأسرة مثلا بأمور السياسة كبيرا كلما زاد اهتمام الطفل بهذه الأمور واسترعت انتباهه.

– الطفل لا يتقبل الأفكار والمعارف بشكل مطلق بل يحاول أن يبحث ويفهم أكثر قبل أن يتخذ موقفا من صحة أو عدم صحة ما ينقل إليه خاصة حينما يتعلق الأمر بموقفين متعارضين .

– يدرك الطفل بانفتاحه على الآخرين واكتشافه لآرائهم ومواقفهم أن هناك اختلافا في الآراء والمواقف ومن هنا يأتي بحثه عن الموقع الذي يفضله في دائرة النقاش و الموقف الذي يميل إليه.

ومن خلال ذلك كله يكتسب الطفل القدرة على التمييز وتتكون لديه مواقف سياسية تتميز إما بتقبل أو رفض النظام الذي يعيش في إطاره أو السياسة المتبعة من طرف هذا النظام.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!