تمییز الغیر عن مفھوم الدائن العادي

تمییز الغیر عن مفھوم الدائن العادي

تمییز الغیر عن مفھوم الدائن العادي

بالنظر من زاویة مساھمة الدائن العادي في العقد یعتبر غیرا عنه ، لأنه من الأخیر لم یقم بإبرامه لكن بالنظر من زاویة مدى تأثر الدائن العادي بالعقد الذي یكون مدینه طرف فیه فإنه ، لا یعتبر غیرا عن ھذا العقد وھنا تطرح مسألة تحدید وصف الدائن العادي ھل ھو نوع آخر من الخلف ، أم یعد خلفا بمعنى الخلف العام أو الخاص ، أم یعتبر غیرا ؟ وسنعرض من خلال ھذه الفقرة لتحدید وصف الدائن العادي من خلال المتنازع علیه حول ھذا الوصف )أولا) ثم ، تحدید موقف المشرع المغربي من مركز الدائن العادي (ثانیا).

أولا: المتنازع علیه حول وصف الدائن العادي

ظل وصف الدائن محل خلاف في الفقه بین من یرى أنه خلف للمدین ومن یرى أنه غیر بالنسبة للأثر الملزم للعقد ولبیان ذلك نعرض لھذین الاتجاھین كلا على حده:

أالاتجاه القائل بأن الدان العادي خلف

یرى أصحاب ھذا الاتجاه أن الدائن العادي خلفا بید أنھم اختلفوا فیما إذا كان خلفا عاما أو خاصا في حین ذھب آخرون إلى أن ھذا الدائن یعتبر نوع ثالث من الخلف.

1 – الرأي القائل أن الدائن العاديخلف عام

یتزعم ھذا الرأي الفقیھان الفرنسیان بودري و لاكانتینري, إذ یعتبرون الدائن العادي خلف عام وذلك لوجود أوجه شبه بینه وبین الوارث ، فالقابلیة التي تكون للوارث حیال العقد الذي یبرمه مورثه ترجع إلى أنه یتلقى ذمة المورث المالیة . وحق الدائن العادي ینصب كذلك على ذمة مدینھ المالیة باعتبارھا ضمانا عاما للوفاء بالدین ، ولیس على عنصر محدد فیھا.

وإذا كان الوارث لا یستطیع أن یقید حریة مورثه في التصرف حال حیاتھ فإن الدائن العادي لا یستطیع كذلك أن یقید حریة مدینھ في التصرف ابتداء من تاریخ نشوء الدین وحتى انقضائه ویتحمل ھذا الدائن بالنتیجة نتائج تصرف مدینه

كما أن ممارسة الدائن العادي للدعوى غیر المباشرة 138 بموجب المادة ( 1166 ) من القانون المدني الفرنسي التي نصت (ومع ذلك یجوز للدائنین أن یستعملوا كل حقوق مدینھم ودعاواه ، ما عدا الحقوق والدعاوى المتصلة بشخصه اتصالا تاما) والدعوى البولیصیة 140 ، بموجب المادة ( 1167 ) من نفس القانون لا یتعارض مع وصفھ خلفا عاما فالدعوى غیر المباشرة تمثل تطبیقا لقاعدة أن العقد یستفید منھ الخلف العام للمتعاقدین . أما إذا طعن الدائن بالعقد بموجب الدعوى البولیصیة فإن ذلك یرجع إلى أن ارتكب فعل الغش فإن الدائن لا یعبر خلفا له

وإنما یكتسب الدائن وصف ”الغیر” نتیجة للغش  ومن ثم له أن یطعن بالعقد بموجب مبدأ نسبیة أثر العقد الذي لا یجیز أن یضر العقد بالغیر.

2 – الرأي القائل أن الدائن العادي خلف خاص

یرى الفقیه لابورد لاكوست بأن الدائن العادي لا یمكن أن یكون   خلفا عاما ، وذلك لأن مفھوم ھذا الخلف یشتمل من الناحیة الاجتماعیة على فكرة أخلاقیة وھي أن السلف لا ینقطع ذكره لمجرد موته وإنما یمثل الخلف امتدادا له ، وبذلك یتلقى الخلف ذمة السلف المالیة دون أن یقوم بنشاط اقتصادي ، ودون أن یخسر شیئا ما دام له حریة قبول ھذه الذمة بینما یتلقى الدائن الحق عن المدین نتیجة نشاط اقتصادي ، وھذا ما یجعله عرضة للخسارة . ولتجنب ذلك یمنحھ المشرع حق ضمان عام على أموال المدین . ویظل ھذا الضمان قائما في حیاة المدین بل وبعد وفاتھ حتى یتم انقضاء الدین.

ویتمیز الدائن العادي عن الخلف العام كذلك في أن الأخیر یتلقى أثر العقد ، سواء أكان حقا أم التزاما ، دون أن یكون له الحق في الاعتراض على التصرفات التي أجراھا سلفه أما الدائن العادي فإنه یتمتع بوسائل حمایة الضمان العام التي یقررھا له القانون ، وھو بذلك یمكن ان یصبح خصما للمدین. وھذا ما یتناقض تماما مع مفھوم الخلف العام الذي یمثل امتدادا لشخصیة سلفه

من جھة أخرى یرى الباحث المذكور أن الدائن العادي لا یمكن أن یكون خلفا عاما لحجة منطقیة وھي: أن الذمة المالیة تنتقل إلى الخلف العام بما تشتمل علیھ من عناصر إیجابیة وأخرى سلبیة. وحق الدائن یمثل الجانب السلبي في ھذه الذمة.

3 – الرأي القائل أن الدائن العادي فریق ثالث للخلف

ذھب البعض في اتجاه وصف الدائن العادي خلف للمدین دون أن یوصف بأنه خلف عام أو خاص وبھذا قال الفقیه بودان  BEUDANT و الفقیه في  WEILL فما دام الدائن العادي یجمع  بین مواصفات الخلف العام و أخرى تنسب للخلف الخاص. فإنه یمثل فئة ثالثة للخلف فالدائن العادي یتمتع بضمان عام تمثله ذمة المدین المالیة ، وھو بذلك یتأثر بالعقد الذي یبرمه المدین ما دام أنه یحدث تغییرا في ھذه الذمة 

بالإتجاه القائل أن الدائن العاديغیر

یذھب مارتي و رانیوا إلى أن الدائن العادي یحتل مركزا خاصا  حیال أثر العقد. فھو یستفیذ من زیادة الحقوق في الذمة المالیة وبالمقابل یضار من زیادة الالتزامات فیھا . وھذا یعني أنھ یستفید من العقد إذا أبرم لمصلحة المدین ، ویتأثر أیضا بالنتائج الضارة التي تترتب على إبرامھ . مع ذلك یتضح مما أورده الباحثان المذكوران أن الدائن العادي “غیر” بالنسبة للعقد الذي یبرمه مدینه ، لأن أثر ھذا العقد لا یجعل منه بصفته الشخصیة دائنا أو مدینا . فلا أحد یستطیع أن یطالب الدائن أن ینفذ التزاما ناشئا عن عقد أبرمه مدینه ولا یستطیع الدائن أن یطالب أحدا كذلك بتنفیذ مثل ھذا الالتزام صحیح (أن الدائن یستطیع أن یمارس بطریق غیر مباشر حقوق المدین بموجب دعوى غیر مباشرة ولكنه لا یمارس بذلك حقا خاصا به وإنما یمارس في الواقع حقا عائدا للمدین

فالعقد الذي یبرمھ المدین ذو حجیة على الدائن العادي ، مثلما یحتج به على الكافة . إلا أن لھذه الحجیة في مواجھة ھذا الدائن أھمیة خاصة ، لذلك یجیز المشرع له في بعض الحالات أن یتجاھل ھذه الحجیة لعدم إشھار العقد (كما ھو الحال بالنسبة للھبة وللعقد الصوري) أو لإبرام العقد على أساس الغش (كما ھو الحال بالنسبة للدعوى البولیصیة بید أن حجیة العقد لا تمثل استثناء على نسبیة أثره وإنما ھي مفھوم قائم بذاته

وأمام ھذا التضارب الفقھي بشأن تحدید صفة الدائن العادي یمكننا القول أن ھذا الأخیر في الواقع من الأمر لیس خلفا لمدینه بالمعنى الذي فھمناه من الخلف فیما تقدم

 فإنه لا تنتقل إلیه حقوق المدین أو التزاماته كما رأینا في الخلف العام ، أو في الخلف الخاص في بعض الفروض . ولكن لما كانت أموال المدین ضمانا عاما لدینه ، فإن الدائن یتأثر بالعقود التي تصدر من مدینه ، ویكون من شأنھا أن تزید في أموال المدین فتزید في ضمانه ، أو تنقص من مال المدین فتنقص من ضمانه، وھو الموقف الذي تبناه المشرع المغربي من خلال الفصل 1241 ق ل ع

وھذا كفیل لرد الموقف الذي یذھب في مسار أن الدائن العادي من الغیر ما دام أنھ یتأثر بالعقود التي تصدر من مدینھ. فلا یصح أن ینصرف أثر العقد في مواجھة الغیر وبالتالي فإنه لا یمكننا وصف الدائن العادي بالغیر إلا استثناء كما في الدعوى البولیصیة ودعوى الصوریة.

ثانیا:  موقف المشرع المغربي من مركز الدائن العادي

منح الفصل 1241 من ق ل ع حق ضمان عام للدائن على أموال مدینھ فقرر أن ” أموال المدین ضمان عام لدائنیھ ویوزع ثمنھا علیھم بنسبة دین كل واحد منھم…”

وما دامت أموال المدین تعتبر الضمان العام للدائنین ، كان من الطبیعي أن یتأثر الدائن بالعقود التي یعقدھا مدینه ، وذلك بطریق غیر مباشر ، من حیث أن ھذه العقود قد تزید أو قد تنقص في ضمانھ العام.

ومن ھنا یتبین أن التصرف الذي یبرمھ المدین یقتصر أثره في ھذا الشأن ، على أن الدائن یستفید بصورة غیر مباشرة من الحقوق التي یكسبھا المدین لأنھا تزید في الضمان العام المقرر له ، ویضار على العكس، وبصورة غیر مباشرة أیضا ، من الالتزامات التي تترتب على المدین لأنھا تنقص من ھذا الضمان العام

والقاعدة أن للمدین التصرف في مالھ على الصورة التي یریدھا ، وأن الدائن لیس له أن یناقش أو یعارض ھذا التصرف حتى لو أنقص من ضمانھ العام, على أن المشرع یخول عادة الدائن وسائل من شأنھا أن تكفل حمایته من تصرفات المدین الضارة.

فمن ھذه الوسائل التي أقرھا المشرع المغربي ما إذا أبرم المدین عقدا صوریا یضر بالدائن، كأن یكون أقدم على تھریب كل أو بعض أمواله بعقد وھمي ، حیث یجوز للدائن أن یطعن بھذا العقد ویعید الأموال المتصرف بھا وھمیا إلى ذمة مدینه المالیة لتبقى داخلة في الضمان العام

. ومن ھذه الوسائل أیضا منح الدائن حق إلقاء الحجز التحفظي على أموال مدینه ، ولو كان دینه مقرونا بأجل ، لیمنع على المدین التصرف بھذه الأموال فتبقى في ذمته المالیة.

وثمة وسائل أخرى لم یأخذ بھا المشرع المغربي وأقرتھا أكثر التشریعات تسمح للدائن ، إذا ما أبرم مدینھ تصرفا جدیا ضارا به، أن یطلب عدم نفاذ ھذا التصرف بحقه عن طریق ممارسة ما یسمى بالدعوى المباشرة كما تسمح له ، إذا ما أھمل المدین المطالبة بحق له في ذمة الغیر ، أن یطالب بھذا الحق باسم مدینھ عن طریق ممارسة ما یسمى ، بالدعوى غیر المباشرة أو الدعوى البولیانیة

وھكذا من خلال عرض موقف المشرع المغربي یتضح أن الدائن العادي یتأثر من التصرفات التي یبرمھا المدین سواء زادت في ذمة ھذا الأخیر وھنا یعتبر التصرف إیجابیا بالنسبة للدائن ما دام یزید من ضمانھ العام ، أو نقصت في ذمة المدین وھنا یعتبر التصرف سلبیا بالنسبة للدائن ما دام ینقص من ضمانه العام. ومنه یبدو لنا أن الدائن العادي یتمیز عن الغیر في كثیر من الفروض. إذ لا یأخذ وصف الغیر إلا استثناء كما سبق الإشارة إلى ذلك.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!