الخطأ القضائي

مفهوم الخطأ القضائي و مسؤولية الدولة في التعويض

مفهوم الخطأ القضائي و مسؤولية الدولة في التعويض

الخطأ القضائي متناقض مع حماية الحقوق والحريات، ويقع على عاتق القضاء رسالة نبيلة تتمثل في إحقاق الحق وترسيخ دعائم العدالة، لذلك أحاط المشرع رجال القضاء بسياج من الضمانات التي تكفل لهم تحقيق أكبر قدر من الاستقلال والاطمئنان بما يكفل عدم التسرع والوقوع في الخطأ القضائي

ورغم ذلك ونظرا لأن رجال القضاء يمارسون عملهم في ظروف صعبة شيئا ما، لذا يمكن في بعض الأحيان أن يصدر عنهم أخطاء قد تلحق أضرارا مادية أو معنوية للأفراد في حياتهم وحرياتهم وأموالهم، وبناء عليه وجب علينا تحديد مفهوم الخطأ القضائي (المطلب الأول)، والمسؤولية عن هذا الخطأ (المطلب الثاني).

مفهوم الخطأ القضائي

إن المشرع على الرغم مما قرره في القانون من ضمانات في إجراءات المحاكمة والتقاضي، إلا أنه قد تحدث لسبب أو لآخر عن بعض الأخطاء القضائية والتي تلحق بالمتقاضين ضررا جسيما، إلا أنه لم يعطي مفاهيم صريحة واضحة تبين هذه الأخطاء وإنما ترك ذلك للفقه والاجتهاد القضائي ( الفقرة الأولى )، كما يعد إقرار الخطأ القضائي بنص الدستور مکسبا مهما جاء به المشرع في الإصلاحات الدستورية الأخيرة ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : تعريف الخطأ القضائي

لم يعرف المشرع الخطأ القضائي واكتفي فقط بإقرار مبدأ مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي ينص الدستور في الفصل 122 منه الذي جاء فيه : ” حق كل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تمنحه الدولة “، تاركا تعريفه للفقه و الاجتهادات القضائية

فبالرجوع إلى التعريف العام للخطأ فهو فعل ما لا ينبغي القيام به أو الامتناع عن فعل ما كان يجب القيام به، والخطأ إما أن يتخذ صورة إيجابية أو سلبية، ويمثل الخطأ الايجابي في الإخلال بالالتزامات والواجبات القانونية عن طريق الارتكاب أو الإتيان بأفعال يمنعها أو ينهى عنها القانون، وينتج عن ذلك تحمل المسؤولية.

أما الخطأ السلبي فلا يتحقق إلا عندما يدل الامتناع أو الترك على عدم تحرز أو احتیاط من طرف المكلف، بحكم القانون أو الاتفاق لدفع الضرر الذي حصل

وبإسقاط هذا التعريف العام للخطأ على الخطة القضائي نستنتج بأنه هو ذلك الفعل أو الامتناع الصادر عن السلطة القضائية، حيث تعددت صور الخطأ القضائي بعدما أصبح مميزا عن الخطأ الإداري الذي يصدر عن مرفق القضاء وذلك في إطار الأعمال الإدارية التي تصاغ في قالب أوامر أو أحكام أو قرارات، بمعنى آخر تلك الصادرة عن السلطة القضائية كيف ما كانت درجتها

كما يمكن تعريف الخطأ القضائي أيضا بأنه كل عمل إداري أو كل إهمال أو استهانة يدلان على إخلال القاضي بكيفية واضحة وغير مستساغة بواجباته المهنية الدي ممارسته القضائية

ويعرف أيضا بأنه عدم مطابقة الحقيقة القضائية التي تلفظها العدالة من خلال الأحكام للحقيقة التي تكشفها الوقائع الحاصلة فعلا على أرض الواقع

وفي تعريف آخر للخطأ القضائي نجد بأنه ذلك الخطأ الذي لا يقبل الطعن بأي طريق من طرق الطعن، وهو غير المسؤولية المدنية والتأديبية والجنائية

فمفهوم الخطأ الفضائي الموجب للتعويض في القانون لا زالت تتجاذبه الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية، حيث أصبحت تتسع يوما بعد يوم بسبب العديد من المقررات القضائية التي أضحى يتحفنا بها القضاء الإداري

فالخطأ القضائي يرتبط بمنظومة العدالة وبسلطة مستقلة وهي السلطة القضائية التي تمارس مهامها بكل استقلال عن السلطة التنفيذية والتشريعية تكريسا لمبدأ الفصل بين السلط، وتجسيدا أيضا لما تمثله هذه السلطة من ضمانات أساسية لحقوق الأفراد وحرياتهم.

الواقع أن الأمر يتعدى ذلك حيث أن الخطأ القضائي بما ينطوي عليه من مفهوم واسع يجعل آثاره لا تقتصر على نوع معين من القضايا، فقد يرتبط بالمجال المدني كما أنه قد يمس المجال الجنائي، وهذا ما يضفي عليه خطورة بالغة، لكون الجزاء الجنائي الذي يمثل رد الفعل الاجتماعي إزاء الجريمة يتخذ كما هو معلوم صورة العقوبة، وهذه الأخيرة قد تمس بالأساس البدن كالإعدام أو ماسة بالحرية کالسجن أو الحبس، أو سالبة للحقوق كالتجريد من الحقوق الوطنية أو الحجر القانوني

إن هذه الاعتبارات هي التي وجدت موقف الفقهاء والمفكرين بخصوص مبدأ التعويض عن الخطأ القضائي لكونهم بالمقابل اختلفوا حول الأساس الذي يستند إليه هذا التعويض، ويمكن القول في هذا الصدد أن هناك اتجاهان يعبران عن رأي هؤلاء الفقهاء والمفكرين، حيث اتجه الأول إلى عدم ربط التعويض بالخطأ، ولكن بمسؤولية الدولة عن جهاز القضاء.

وعلى خلاف هذا الاتجاه، انتهى المطاف بالاجتهاد الفقهي إلى تبني مبدأ الخطأ القضائي، مع إقرار مسؤولية الدولة عن التعويض استنادا إلى مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة وعلى أساس المخاطر.

ويبدو أن الجدل حول الخطأ القضائي لم يصل بعد إلى نهايته، حيث يذهب اتجاه متنامي من الفقه بأن المفهوم التقليدي للخطأ القضائي أصبح متجاوزا، لكونه يخلط ما بين الخطأ والحادث، وما بين العمل الإداري وغير الإداري، وما بين الخطأ القضائي – خطأ مأساوي – والجرم القضائي – خطأ بعد المداولات -، وهو ما يفتح الباب أمام بروز عهد جديد للخطأ القضائي قوامة التفكير ليس في توجيه الاتهام للقاضي ولكن في البحث عن علاج لما يشوب جهاز القضاء من إخلالات وما يشوبه من عيوب.

فإن الأسئلة التي تفرض نفسها في هذا السياق ما المقصود بهذا الخطأ ؟ وهل ينبغي تعريفه وفقا لما ذهب إليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؟، أم أنه ينبغي أن نعطى مدلولا واسعا لهذا الخطأ حتى يستوعب جميع ما يصدر عن القضاء من أخطاء ؟

إن اتجاهنا نحو ملائمة التعويض عن الخطأ القضائي مع الاتجاه السائد في المواثيق الدولية إلى حضر مفهوم الخطأ في المجال الجنائي من جهة وربط التعويض عنه بحکم جنائي صادر بالإدانة حائز لقوة الشيء المحكوم فيه تم الطعن فيه بالمراجعة من جهة ثانية، وجعله شاملا لكافة أشكال الضرر من جهة ثانية.

ووفقا لهذا التحديد فإن الخطأ القضائي يقصد به : ” خطأ في الواقع ارتكبه قضاء الحكم بصدد تقديره مدى ارتكاب شخص متابع أمامه لجرم جنائي، وهذا الخطأ يكمن في حالة صدور حكم نهائي إصلاحه وفقا شروط محددة بواسطة الطعن بالمراجعة”

كما يعني كذلك ” خطأ واقعي ارتكبه القضاء في الأمور الجنائية وقد يجري إلى حكم ظالم، ومثل هذا الخطأ يفتح الباب لطلب إزالة الضرر الذي جرى إليه الحكم الظالم ولكن بشروط معينة إذا أعيد النظر في الدعوى”

وهكذا يمكن القول أن الخطأ القضائي يرتبط بمسألة واقعية غير قانونية يقع فيها القاضي عندما يرتكب شخص جريمة تعد جناية أو جنحة، ويصدر بشأنها حکم مكتسب القوة الشيء المقضي به يقع إصلاحه فيما بعد بواسطة الطعن بالمراجعة

الفقرة الثانية: دسترة التعويض عن الخطا القضائي

إن مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية كان سائدا واعتمد كقاعدة لا تقتحم، غير أنه وأمام ازدياد ضحايا مرفق القضائي، وارتفاع نداءات الكتاب وتحت مبدأ سيادة القانون، كل هذه الأوضاع أدت بالمشرع إلى إقرار مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية.

بحيث يعتبر إقرار مسؤولية الدولة عن أعمال الجهاز القضائي ويشمل اعتراف بحق المواطن في الحصول على تعويض عن الأضرار التي لحقته جراء السير المعيب لمرفق القضاء باعتباره مرفقا من مرافق الدولة لتتحمل هذه الأخير الضرار الناجمة عن نشاطه

ويمكن القول بأن تكريس حق التعويض عن الخطأ القضائي بنص الدستور لا يؤكد النهج الحقوقي الذي انخرط فيه الدولة من خلال القطع مع بعض التوجهات السابقة المستمدة من تطبيق حرفي لمبدأ عدم مسؤولية الدولة عن الجهاز القضائي، ذلك أن الطابع الحقوقي الذي يطغى على نصوص الدستور بدء من تکریس استقلالية القاضي في أداء وظيفته والارتقاء إلى صنف السلطة المستقلة

وكدا النصوص التي أقرت تعمیم مبدأ المحاسبة والمسؤولية، بجعل القضاة الموكل إليهم أمر تطبيق القانون بروحه ومدلوله، أمام مسؤولية تاريخية لترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع من خلال اجتهاداتهم في فهم النصوص القانونية مع مراعاة خصوصيات العمل القضائي في انتظار تنزيلها في قوانين من طرف السلطة التشريعية لتبين بدقة المقصود بالخطأ القضائي والحدود الفاصلة بين كفالة حق التعويض المتضرر وتكريس حقه في مقاضاة الدولة عن هذا الخطأ ضمان استقلال القضاء،

فالدستور الجديد جاء ليشكل قطيعة مع الدساتير السابقة على مستويات متعددة، من حيث المنهجية أو الشكل أو المضمون … جاء لتكريس المبادئ السامية للعدالة، وقيم حقوق الإنسان، والمثل العليا من خلال دسترته لكافة حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها عالميا بكل آليات حمايتها وضمان ممارستها، وأهم هذه الحقوق الذي حاول الدستور تكريسها الحق في الحرية مع ضمان المحاكمة العادلة حيث يشكل الحق في الحرية الحياة والكرامة مقدمة هذه الحقوق

فضلا عن ذلك ما فتئ بالدولة أن تفي بالتزاماتها الدولية ، ومن بينها أن يجعل تشريعه الداخلي يستجيب للمواثيق الدولية التي قبلها وصادق عليها، خاصة في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسة التي نصت على أنه حينما يكون قد صدر على شخص ما حكم نهائي يدينه بجريمة، ثم أبطل هذا الحكم، أو أصدر عفو خاص عنه على أساس واقعة حديثة الاكتشاف تحمل الدليل القاطع على وقوع خطأ قضائي، فإنه يستوجب تعويض الشخص الذي أنزل به العقاب نتيجة تلك الإدانة وذلك وفقا للقانون، ما لم يثبت أنه يتحمل كليا أو جزئيا المسؤولية عن عدم إفشاء الواقعة المجهولة في الوقت المناسب.

وتتجلى مواكبة الدستور لتحصين الحقوق والحريات والضمانات القانونية من خلال استحدث الفصل 122 منه الذي جاء في نصه ” يحق لكل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة “، فهذا المبدأ كان غائبا في الدساتير السابقة ، فهذا المبدأ سيمكن المتقاضي من مقاضاة الدولة للمطالبة بالتعويض عن الضرر الناجم عن الخطأ القضائي

إلا أنه ثمة حقيقة جوهرية لا مناص للمشرع من الأخذ بها في أي تعديل يطال المنظمة التشريعية، إلا وهي أن الأمر لا ينحصر فقط وبصفة مكتملة في هدف المصلحة العامة، بل يتعدى ذلك إلى التزام المشرع بخلق نوع من التوازن والتكامل بين ضمانات المصلحة الاجتماعية العليا من جهة، والحماية المقررة للمصالح الخاصة المرتبطة بالمؤسسة الأنفة

من هنا يمكن القول، أنه رغم الاختلاف المسجل في طبيعة الوسائل القانونية المسخرة لتحقيق التوازن بين القيم المذكورة سالفا حسب طبيعة النظام القانوني السائدة، فإن المتفق عليه بين الجميع، أنه من الضرورة بمكان استتباع التعويض لكل ضرر يلحق الإنسان في ظل الارتباط الشديد بين الدائرتين المدنية والجنائية، على اعتبار أن النصوص الجنائية لم تعن بالعقاب وحده وإنما بتعويض الضحية أيضاء لاسيما أن الضحية هنا ضحية أخطاء قضائية سلبته حريته دون حق مشروع

بيد أنه إذا كانت بعض الدول قد سارت في اتجاه تطور أنظمتها القانونية في مادة التعويض عن الخطأ القضائي كالتشريع الفرنسي الذي كان من السباقين إلي الأخذ بمؤسسة الخطأ القضائي، وهو ما ترجم من خلال إصدار قانون 8 يونيو 1895 على أثر قضية “دريفوس” التي هزت الرأي العام في فرنسا، إضافة إلي قضية “جان ماري” التي أدين فيها برئ سنة 1963 وحكم عليه بالسجن مدة 20 سنة لاتهامه بتهمة قتل مشغله ، وقد تم تبرئته سنة 1963 كنتيجة لظهور الجاني الحقيقي.

في نفس الصدد عزز المشرع الفرنسي ترسانته القانونية، كقانون 17 يوليوز 1970، وقانون یوليوز 1972 كتعديل التنظيم القضائي الفرنسي أجاز مسؤولية الدولة بتعويض الأضرار الناشئة عن الأداء المعيب لمرفق القضاء

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!