الخطأ الجنائي والخطأ المدني

الخطأ الجنائي والخطأ المدني و الفرق بينهما

الخطأ الجنائي والخطأ المدني

الخطأ الجنائي من المعلوم أن كل مخالفة لنصوص القانون الجنائي تتولد عنها دعوى جنائية تهدف إلى حماية النظام الاجتماعي الذي حدث اضطراب فيه بوقوع جريمة وذلك بتوقيع العقوبة على الجاني.

ولئن كانت هناك جرائم لا تتولد عنها سوى دعوى جنائية كجريمة التسول والتشرد، فإن هناك جرائم أخرى وهي الغالبية، تتولد عنها دعوی جنائية ودعوى أخرى مدنية ، ذلك أن الجريمة كما أنها تضر بالمصلحة العامة، قد تضر في نفس الوقت بشخص طبيعي أو اعتباري، والقانون الجنائي يحدد الجرائم التي تستوجب المسؤولية الجنائية، إذ من المبادئ الراسخة في التشريعات الحديثة مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.

أما المسؤولية المدنية الناشئة عن الفعل الضار فقد أشار إليها الفصل 78 من قانون الالتزامات والعقود الذي نص على أن كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضا، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطا هو السبب المباشر في ذلك الضرر,

المبحث الأول: نشأة المسؤولية المدنية وتطورها

أولا : المسؤولية المدنية في الشرائع القديمة

في المجتمعات القديمة حيث لم يكن للدولة كيان، كان المجني عليه هو الذي يقتص لنفسه حقه بطريقة الثأر من الجاني، ولم يقتصر الأمر على الثأر الفردي، بل تعداه إلى الثأر الجماعي الذي كان يستمر حقبا تعاني منها الأجيال ويتوارثها الأبناء عن الآباء وتلك الفترة يطلق عليها مرحلة الانتقام الغير القانونية أو نظام القضاء الخاص,

وبعد أن استقر الأمر للسلطة المركزية وتمكنت من فرض سيطرتها على العشائر والقبائل، استطاعت أن تحدد حق الثأر منعا من اضطراب الأمن وفقدان الطمأنينة فنظمت القصاص وأجازت للمضرور أن يحدث بمن أضره مثل الأذى الذي أصابه وألزمته أن يراعي هذا الحد وألا يتجاوزه.

وفي تطور تال استعيض عن القصاص بالدية وقد تدرجت الدية من اختيارية يتفق الطرفان المتخاصمان على تحديدها إلى دية إجبارية محددة في كل حالة سلفا بحكم العرف أو القوانين، غير أن الدية غير الاجبارية لم تشمل كل الجرائم، فاستثنى منها جرائم الاعتداء على الشرف، فظل حق المجني عليه كاملا في الأخذ بثأره، ولهذا كانت المبارزة التي داع اللجوء إليها حتى عهد قريب لغسل ذلك النوع من المهانة، كما امتدت يد السلطة المركزية إلى الجاني ونشأ حقها في توقيع عقوبة على الجاني باسم المجتمع وترتب عن ذلك أن أصبحت الجرائم نوعان: جرائم خاصة وتقتصر الدولة فيها على فرض الدية المحددة على الجاني، وجرائم عامة تملك فيها الدولة توقيع العقوبة باسم المجتمع ، وأصبح ينظر إلى الدية على أنها نوع من الترضية وتعويض للمضرور أكثر منه عقابا للمتسبب في الضرر،

ثانيا: المسؤولية المدنية في الشريعة الإسلامية

كانت العرب قبل الاسلام قبائل متفرقة لا يحكمها نظام موحد، تخضع لعادات قديمة تأصلت جذورها في نفوسهم، وكان عنصر القوة هو الطابع الغالب على حياتهم وحب الثأر هو المبدأ المطبق بينهم. وكان نظام القصاص عند العرب في الجاهلية يقوم على أساس أن القبيلة كلها تصير مسؤولة عن الجناية التي يقترفها فرد من أفرادها ، إلا إذا خلعته أي أن عشيرة المعتدي تسلمه للمعتدى عليه للتخفيف من مسؤولياتها التضامنية وأعلمت ذلك في المجتمعات العامة، ولهذا كان ولي الدم يطلب بالقصاص من الجاني وغيره من قبيلته، ويتوسع في هذه المطالبة توسعا ربما أوقد نار الحرب بين قبيلتي الجاني والمجني عليه وما حرب البسوس التي استمرت 40 عاما بغائبة عن أدهاننا ، ولما جاء الإسلام وضع حدا لهذا النظام الجائر وأبطل النظام الجاهلي، واستبدل بحق الثأر المطلق نظام القصاص المقيد.

وقصر الفقهاء القصاص على الجرائم العمدية وفرضوا الدية وجوبا على ما عداها واشترطوا في تطبيق القصاص في جرائم العمد شروطا كثيرة وصعبة إمعانا في الحد من القصاص، وقد حد الإسلام من التضامن القبلي في القصاص والدية وقصره على الجرائم الغير العمدية والتي تكون فيها الدية واجبة وقيمتها محددة سلفا.

ثالثا: المسؤولية في القانون الفرنسي

1- في القانون الفرنسي القديم:

بدأت المسؤولية في القانون الفرنسي القديم كما بدأت في القانون الروماني بديلا عن حق الثأر أي ذات صبغة جنائية تخول المجني عليه مطالبة الجاني بغرامة محددة.

ومع بداية القرن الثالث عشر، بدأ القانون الفرنسي يميز بين الجرائم التي تقع على الأشخاص، والجرائم التي تقع على الأموال، واعتبر حق المجني عليه في النوع الأخير من الجرائم حقا مدنيا يخوله التعويض عما أصابه من ضرر.

أما في جرائم الأشخاص ، فقد اعتبر حق المجني عليه حقا ذا صبغة جنائية مقصودا به توقيع عقوبة على الجاني أو إلزامه بالاصطلاح مدنيا وظلت المسؤولية المدنية مرتبطة بالمسؤولية الجنائية حتى القرن السابع عشر عندما جاء الفقيه الفرنسي الكبير دوما”DOMAT” ووضع مؤلفه عن القوانين وتأسيسها بوجه عام على خطا المسؤول، ثم جاء من بعده بوتييه الذي ميز بين الجنح المدنية، وأشباه الجنح باعتبارهما مصادر للالتزام.

وهكذا تم في عهد أواخر القانون الفرنسي القديم، استقلال المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجنائية، واكتمل لها كيان خاص، وتقرر في شأنها مبدأ عام يغني عن النص على مختلف الحالات وأصبحت قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” مقصورة على المسؤولية الجنائية، أما المسؤولية المدنية فصار يكفي لتحقيقها أي خطأ يسبب ضررا للغير، وأصبحت القاعدة في شأنها أنه لا مسؤولية دون خطأ.

2- في القانون الفرنسي الحديث:

نص التقنين الفرنسي على استقلال المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجنائية ، كما وضعت قاعدة عامة للمسؤولية المدنية فيما يقرره من أنه من المبادئ الأولية في كل مجتمع أن يسأل الفرد عن فعله، مما يستتبع أن كل فعل يحدث بالغير ضررا فإن من تسبب فيه بخطئه يلزم بالتعويض عنه.

ولكن مع تطور الزمن وما صاحب هذا التطور من عدة تغييرات صناعية واقتصادية واجتماعية، تجلی قصور التشريع الفرنسي في تحقيق العدالة في كثير من القضايا العجز المضرورین عن اثبات خطأ من تسببوا في الضرر، مما أدى إلى تصدي الفقه والمحاكم الاستنباط نظريات جديدة وإيجاد حلول مختلفة للقصور التشريعي (كالأخذ بنظرية تحمل التبعة)

المبحث الثاني: أنواع المسؤولية

المسؤولية بوجه عام، هي اقتراف أمر يوجب مؤاخذة فاعله وقد تكون هذه المسؤولية أدبية أو جنائية أو مدنية.

فأما الأدبية فتخضع لأدب المجتمع ونواميسه، وموکول أمرها لضمير الإنسان وتتوفر لمجرد القصد أو ما يخالج النفس من اثم وعدوان ، والخروج عن هذه الآداب وضوابط الحياة الاجتماعية لا يؤدي إلى المساءلة الجنائية أو المدنية، وتتحقق هذه المسؤولية ولو لم يوجد ضرر.

وأما المسؤولية الجنائية فهي المسؤولية عن جريمة ينص عليها القانون ويحدد لها عقوبة ، فهذه المسؤولية تؤسس على ارتكاب جريمة يلحق بها الجاني ضررا بالمجتمع، وينال المدان فيها جزاء على شكل عقوبة تتناسب وخطورة الفعل المرتكب من طرفه وذلك بعد متابعته من طرف النيابة العامة الممثلة للمجتمع، والمسؤولية الجنائية يمكن أن تقوم كذلك دون وقوع الضرر كما في حالة المحاولة في بعض الجرائم، فهي معاقب عليها ولو لم يترتب عليها ضررها.

وأما المسؤولية المدنية فهي الالتزام بأداء تعويض عن الضرر ، وتؤسس على الإخلال بالتزام قانوني أو تعاقدي يلحق الضرر بالفرد، ويحكم على المسؤول فيها بأداء تعويض مالي، الذي يلزم أن يتناسب مبدئيا مقدار الضرر لا خطورة الفعل، ويثبت حق المطالبة بالتعويض هنا للفرد المصاب بالضرر ، والمسؤولية المدنية تتفرع الى عقدية وتقصيرية ، فأما العقدية ، فهي التي تنشأ عن الإخلال بما التزم به المتعاقد، وأما التقصيرية فهي التي تترتب على ما يحدثه الفرد من ضرر للغير بخطئه، وتقوم اما على خطأ شخصي واجب الاثبات ضد من أحدث بسلوكه ضررا للغير (الفصلان 77 و87 من قانون الالتزامات والعقود) ، أو تقوم على خطا مفترض غير القابل لإثبات العكس كما هو الحال في مسؤولية حارس الأشياء في الفصل 88 من قانون الالتزامات والعقود) ومسؤولية مالك البناء عن الضرر الذي يحدثه انهياره أو تهدمه الجزئي (الفصلان 89 و90 من قانون الالتزامات والعقود)

المبحث الثالث: اختلاف المسؤوليتان الجنائية والمدنية

يتقرر الحق في التعويض کاملا للمضرور سواء كان الفعل الضار عمديا أو غير عمدي”.

والقاعدة العامة في قيام المسؤوليين الجنائية والمدنية هي توافر الخطا.

– فبالنسبة للمسؤولية الجنائية فإنه من المسلم به في قانون العقوبات الحديث أن الجريمة لا تقع قانونا ما لم تتوفر الإرادة الآثمة ‘ La volonté coupable ” لدى الجاني، وهذا الخطأ هو ما يعبر عنه بالركن المعنوي للجريمة ، فلا مسؤولية جنائية دون خطأ ، ولا خطا دون فعل إرادي أو غير إرادي يجرمه القانون، والأمر كذلك بالنسبة للمسؤولية المدنية فهي تقوم على خطأ ثابت أو مفترض

والخطأ الذي تأسس عليه الدعويان الجنائية والمدنية يجب أن يرتب ضررا ، لأن الجريمة وهي الفعل الخاطئ لا بد أن تمثل خطرا يضر بالجماعة والا لما جرمها المشرع بيد أنه ليس كل خطأ يعتبر سببا للدعوى الجنائية يصلح أساسا لدعوى مدنية أو بعبارة أخرى ليست كل جريمة توجب المطالبة بتعويض عنها.

فمن الجرائم ما لا يلحق ضررها إلا الجماعة فقط فلا يصيب الأفراد من جرائها أي ضرر، ومن ثم فلا تقبل الدعوى المدنية المؤسسة عليها ، لأن هذه الأخيرة مبناها الخطأ الذي سبب ضررا للفرد ، فمتى انعدم السبب انعدم المسبب ، ومن هذا القبيل جرائم التشرد والتسول، وبالرغم من أن المسؤوليتين الجنائية والمدنية تقومان على الخطأ إلا أن كلا منهما تتميز عن الأخرى في النواحي التالية:

– المسؤولية الجنائية تتقرر جزاء على ضرر لحق بالجميع، وأما المسؤولية المدنية فهي جزاء على ضرر أصاب فردا أو أفراد والضرر الأول يمس مصلحة عامة، أما الثاني فيمس مصلحة خاصة.

– المسؤولية الجنائية جزاؤها العقاب الذي يطلبه المجتمع ممثلا في النيابة العامة، وأما المسؤولية المدنية فجزاؤها تعويض يطالب به من أصابه الضرر. و العقاب في حالة المسؤولية الجنائية يكون أحيانا ماسا بحرية الجاني (كالحبس والسجن) بل وأحيانا يكون ماسا بحياته (كالإعدام) ولذلك فهو لا يقع إلا في حالات معينة ينص عليها القانون مقدما، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص القانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة على نص القانون، وبالعكس فإن المسؤولية المدنية ليست جزاء على مخالفة نص القانون فحسب، بل تشمل كذلك الإخلال بواجب قانوني عام، هو واجب عدم الإضرار بالغير بغير وجه حق، هذا الواجب يستمد من الضمير الإنساني دون أن يكون هناك نص يقرره.

– المسؤولية الجنائية تحمي مصلحة عامة، ولذلك فالأصل أنه يجوز التنازل عنها، ولا يجوز الصلح فيها أما المسؤولية المدنية فهي تحمي مصلحة خاصة، ولذلك جاز للفرد أن يتنازل عن حقه فيها وأن يتصالح بشأنها

– النية في المسؤولية الجنائية ركن يقترن بالأفعال المادية المكونة للجريمة، ولذلك لا عقاب على النية الإجرامية في ذاتها لأنها تعتبر من قبيل الأعمال التحضيرية لارتكاب الجريمة ولا يعاقب عليها إلا إذا اقترنت بالأعمال المادية المعاقب عليها ، أما المسؤولية المدنية فإنه لا يلزم قصد الإضرار بالغير بل يكفي وقوع هذا الإضرار بإهمال مرتكبه أو برعونة أو بعدم تبصره وعدم احتياطه

– دائرة المسؤولية المدنية أوسع من دائرة المسؤولية الجنائية لأن قانون العقوبات قد حدد الجرائم وبينها على سبيل الحصر، فأي خطأ غير معاقب عليه لا يرتب المسؤولية الجنائية ولكنه مع ذلك يؤدي إلى المساعلة مدنيا

– القانون المدني لا يهتم إلا بالضرر أيا كانت صورته، أما القانون الجنائي فهو وفي إطار تفريد العقوبة يهتم بمسائل مختلفة كسلوك المتهم وصفة الجاني أو المجني عليه ووسيلة الجاني المستعملة أثناء ارتكابه للجريمة…إلخ، فعلى سبيل المثال بالنسبة لسلوك المتهم يفرق بين السرقة الموصوفة والسرقة العادية فتعتبر الأولى جناية والثانية جنحة، مع أن الضرر وهو سلب حيازة المجني عليه، الشيء المسروق واحد في الحالتين.

المبحث الرابع: ازدواجية أو وحدة الخطأ الجنائي والخطأ المدني

 إذا قرر الحكم الجنائي وجود الخطأ غير العمدي في جانب المتهم، فإن القاضي المدني يلتزم بهذا القضاء فلا يملك أن يقرر أن المتهم لم يرتكب خطأ، إذ أن كل خطأ جنائي هو في نفس الوقت خطأ مدني.

 ولكن الصعوبة تظهر في حالة ما إذا استبعد الحكم الجنائي قيام الخطأ غير العمدي في جانب المتهم، ففي هذه الحالة هل يملك القاضي المدني أن ينسب الخطأ إلى المتهم؟ وبعبارة أخرى هل هناك فرق بين الخطأ الجنائية والخطأ المدني ؟ ! ، لا يزال الخلاف محتدما بين شراح القانون حول هذه المسألة فذهب فريق إلى ازدواج الخطأين وفريق آخر ذهب إلى وحدة الخطأين ، ولا تخفي الأهمية الكبرى للفصل في هذا النزاع. ففيما يتعلق بالحجية ، يترتب على مبدأ وحدة الخطأين أنه إذا أصدر القاضي الجنائي حكمه بصدد واقعة معينة ببراءة المتهم لعدم توافر ركن الخطأ، فإن هذا الحكم يلزم القاضي المدني بالتسليم بعدم توافر الخطا وبالتالي، برفض دعوى التعويض المرفوعة من المضرور وذلك على أساس أن الخطأ المدني هو نفسه الخطأ الجنائي.

وما دام القاضي الجنائي قد قرر عدم توافر الخطأ فلا يجوز الحكم لا بالعقوبة ولا بالتعويض. أما إذا أخد بمبدأ ثنائية الخطأين، فإن القاضي المدني على العكس يستطيع على الرغم من الحكم الجنائي القاضي بالبراءة لانتفاء الخطأ أن يقضي بالنسبة لنفس الواقعة، بوجود الخطأ المدني كأساس لحكمه بالتعويض، وذلك على الرغم من انتفاء الخطأ الجنائي.

أما فيما يتعلق بالتقادم فإنه يترتب على مبدأ وحدة الخطأين في بعض القوانين كالقانون الفرنسي أن تتقادم الدعوى المدنية الناشئة عن نفس الجريمة بنفس مدة التقادم المقررة قانونا لسقوط الدعوى الجنائية بينما لو طبق مبدأ الثنائية فإن الدعوى المدنية لا تسقط عن نفس الواقعة إلا بمدة التقادم المقررة في القانون المدني.

 أولا : نظرية ازدواج الخطأين:

يرى أنصار هذا الرأي أن القانون المدني لا يفرق في المسؤولية بين درجات الخطأ ويسأل المخطئ مهما كان خطأه يسيرا ، أما الخطأ الجنائي فيختلف عن الخطأ المدني من النواحي الآتية:

1 – من حيث طبيعة كل واحد منهما فالخطة الجنائي في جرائم العمد يختلف في طبيعته عن الخطأ المدني، وأن الأول ينظر فيه إلى الناحية الإجرامية ومن حيث أضراره بالمجتمع ، ويكون جزاؤه عقوبة زاجرة ، أما الثاني فينظر فيه من حيث أضراره بالفرد واخلاله بالتوازن بين الذمم المالية، ويكون جزاؤه إعادة هذا التوازن بتعويض مالي.

2 – من حيث مرجع تقديرهما عند القاضي، فالعقوبات التي يوقعها القاضي طبقا لنصوص قانون العقوبات تدمغ المتهم عادة بطابع الإجرام، ولذلك يجب على القاضي الجنائي ألا يستعمل سلطته المطلقة فيما يتعلق بتقدير ثبوت التهمة إلا بمنتهى الحذر، مع ترجیح جانب البراءة عند الشك، ولما كان أمر تقدير الخطة متروكا للقاضي فيجب عليه إذا تردد في نسبة الخطأ إلى المتهم أن يرجح جانب البراءة على جانب الإدانة ويحكم بنفي الخطأ عن المتهم، لا سيما أن المجتمع هو المجني عليه- يتأذى من عقاب شخص بريء أكثر من تبرئة شخص مذنب.

أما الاتجاه العام في المسؤولية المدنية فعلى النقيض من ذلك، إذ يرمي إلى مساعدة المصاب لتسهيل حصوله على التعويض في كل الحالات التي يظل سببها مجهولا لعدم قيام الدليل على خطأ الفاعل أو على أي سبب أجنبي معين، فالتشريع قد نص على اعتبار الشخص مخطئا لمجرد وقوع الضرر من حيوانه أو من تابعه.

والمحاكم قد توسعت في فهم الواجبات القانونية تسهيلا لتقدير وقوع الخطا من المدعى عليه، كما توسعت في استعمال القرائن القضائية وفي التسليم بوجود قرائن قانونية، فأصبح يصح القول بأن القاضي المدني إذا وجد أقل شبهة على خطأ المدعى عليه، فإنه لا يتردد في الحكم عليه بالتعويض ، في حين أن القاضي الجنائي لو تشكك وجب عليه الحكم بالبراءة.

3- من حيث توفير المرونة اللازمة لتحقيق العدالة، فالقول بوحدة الخطأ الجنائي والخطأ المدني لا يدع للقاضي إلا أن يختار بين أن يحكم بالإدانة والتعويض معا، أو أن يحكم بالبراءة ورفض التعويض معا.

أما القول باستقلال الخطأ المدني عن الخطأ الجنائي وعدم التلازم بين المسؤوليتين ، فإنه يتيح للقاضي حلا وسطا أن يدرأ من طريقه في كثير من الحالات عيوب الحلين المتطرفين.

ثانيا : نظرية وحدة الخطأين:

يذهب أنصار هذه النظرية بأن الخطأ الجنائي لا يختلف في أي عنصر من عناصره عن الخطأ المدني ، فأي خطأ يرتب المسؤولية المدنية يرتب في نفس الوقت المسؤولية الجنائية وبناء عليه فالحكم الجنائي الصادرة ببراءة المتهم لعدم وجود خطأ في جانبه يحول دون أن ينسب القاضي المدني أي خطأ إلى هذا المتهم.

 ثالثا : اتجاه القضاء

جرت أحكام القضاء الفرنسية منذ وضع مجموعات القوانين في عهد نابليون على التفرقة بين الخط الجنائي والخطأ المدني في جرائم القتل والجرح الخطا ، فأجازت الحكم بالتعويض على الرغم من الحكم بالبراءة.

وقد طردت أحكام محكمة النقض الفرنسية على الأخذ بمبدأ ازدواج الخطا حتى السنوات الأولى من القرن العشرين وتبعتها في ذلك سائر المحاكم الفرنسية وكانت محكمة ليون بحكمها الصادر في 13 دجنبر 1907 هي أول من أخذ بمبدأ وحدة الخطأين، كما أن محكمة التمييز الفرنسية اعتمدت وحدة الخطأين منذ قرارها الشهير الصادر في 18 دجنبر 1912 ، وكذلك فعلت المحاكم البلجيكية، فقد دأبت أول الأمر على التفرقة بين الخطا الجنائي والخطا المدني، واستمرت على ذلك عدة سنوات بعد تعديل قانون العقوبات في سنة 1867، ولكنها عدلت عن هذا الرأي في الربع الأخير من القرن الماضي وقضت بأن الحكم بالبراءة من تهمة القتل والجرح الخطأ يفيد حتما انتفاء الخطأ المدني ويحول دون الحكم بالتعويض.

ويظهر أن القضاء المغربي أحذ بنظرية وحدة الخطأين ، فقد جاء في قرار لمحكمة استئناف بالرباط بتاريخ 29 ابريل 1930 أن ” الحكم الجنحي الصادر ببراءة سائق الحافلة المتابع بجنحة الجرح الخطأ المنصوص عليها في الفصل 320 (من القانون الجنائي الفرنسي المقابل للمادة 433 جنائي مغربي حالي) يفرض نفسه على جميع الأطراف وبالنسبة للحقوق المدنية عندما يصرح بأن الظنين لم يرتكب أي خطأ بمعنى أية مخالفة لأنظمة السير أو أي عدم انتباه أو عدم تبصر أو عدم احتياط، أنه يعفي بالتالي مشغل الظنين من كل مسؤولية ناتجة عن الجنحة السابقة الذكر أو عن كل مخالفة لأنظمة السير كاسناد سياق المركبة إلى شخص عديم الحذاقة والخبرة”

وفي الختام نشير إلى أن الرأي القائل بالوحدة بين الخطأين المدني والجنائي لمن الوجاهة بمكان، ذلك أن الخطأ الجنائي لا يختلف في أي عنصر من العناصر عن الخطأ المدني، فالخطأ واحد في المسؤوليتين الجنائية والمدنية ، ويترتب عن ذلك أن انتفاءه في المسؤولية الجنائية معناه عدم وجوده في المسؤولية المدنية.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!