الخصائص العامة للشريعة

الخصائص العامة للشريعة الإسلامية

الربانية

تمتاز الشريعة الإسلامية عن القوانين الوضعية بما لها من صفة ربانية، وصبغة دينية، تفرغ على تشريعاتها قدسية لا نظير لها، وتغرس في نفوس أتباعها حبها واحترامها، احتراما نابعا من الإيمان بكمالها وسموها وخلودها لا من رهبة السلطة التنفيذية وأجهزتها، فإن شارع هذه القوانين والأحكام ليس بشرا يحكمه القصور والعجز البشري، والتأثر بمؤثرات المكان والزمان والحال، ومؤثرات الوراثة والمزاج والهوى والعواطف، وإنما شارعها هو صاحب الخلق والأمر في هذا الكون، ورب كل من فيه وما فيه، الذي خلق الناس وهو أعلم بما ينفعهم ويرفعهم، وما يصلح لهم ويصلحهم

ولهذه الربانية في تشريع الإسلام وقوانينه لم يكن المسلم خيار في الإعراض عنها، حاکما كان أو محكوما، فأما الحاكم فقد قال تعالى: ”  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ”

الاحترام والقبول لأحكام الشريعة :

وبسبب هذه الربانية تجد تشريعات الإسلام وقوانينه في أنفس المسلمين من الاحترام والقبول والانقياد والطاعة لها. ما لا يجده أي تشريع آخر يضعه البشر بعضهم البعض، لأن المسلم حين يطيع هذا التشريع وينفذه، يعتقد أنه يتعبد لربه ، عز وجل، ويتقرب به إليه ، وهذا هو موجب الإيمان، ومقتضى الإسلام

كما يعتقد المسلم في قرارة نفسه أن أحكام هذه الشريعة الربانية هي اعدل الأحكام واكملها وأوفاها بتحقيق كل خير، ودرء كل شر، وأقدرها على إقامة الحق وإبطال الباطل وإشاعة الصلاح، وقطع دابر الفساد، فلهذا ينفذها عن اقتناع تام بعدالتها وخيريتها.

ويوقن المسلم كذلك من أعماق قلبه أن الله تعالی مراقبه ومطلع عليه، وهو ينفذ هذه الشريعة، أو حين يحاول التهرب من التزاماتها .. وأنه تعالی محاسبه على ذلك يوم يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم

الأحكام التنظيمية للدولة المسلمة واجبة الطاعة دينا :

وهذا الاحترام والتوقير لأحكام الشريعة الغراء، ليس مقصورة على الأحكام المنصوص عليها، المستمدة من الكتاب والسنة فحسب، بل يشمل الاحكام الاجتهادية التنظيمية ، المتعلقة بالسياسة الشرعية، كقوانين تنظيم السير والمرور مثلا، أو تنظيم البناء وشئون البلد ونحوها، فإن طاعة هذه القوانين واجبة شرعا متى صدر بها مرسوم من السنة الشرعية، حتى ذكر المتأخرون من فقهاء الحنفية أن السلطان لو أمر الناس في غلاء أو وباء أو مجاعة بصيام يوم مثلا، وجب عليهم ديانة أن يصوموه، ويكون أجر لهم عند الله، ولا يحل لهم مخالفته بغير عذر.

وأساس هذا أن طاعة ولي الأمر الشرعي – في غير المعصية – واجبة دينا، بنص القرآن والسنة. وولي الأمر الشرعي هو الذي يحكم بشرع الله، لا بقوانين البشر، وما يصدر من قوانين مصلحية تصدر من منطق الشريعة وباسمها.

ففي القرآن يقول تعالى : “أيها الذين امنوا أطيعوا الله طيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”

وفي السنة يقول الرسول: “من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصي الأمير فقد عصاني»، ويقول: «السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”

امتیاز تفقده القوانين :

وبهذه الصفة الربانية – أو الدينية – كان للشريعة الإسلامية فضل على القوانين الوضعية لأكثر من معنى وفي أكثر من جهة.

إن القوانين الوضعية أنظمة مدنية دنيوية فحسب، فكل أحكامها مقصورة على مراعاة الظواهر، وكل اعتمادها على قوة السلطة الزمنية، وكل اجزيتها وعقوباتها محصورة في الناحية الدنيوية، فلا مكان فيها لفكرة الحلال والحرام، ولا لبواطن الأمور ونبات القلوب، ولا لعقيدة الحساب بين يدي الله ودخول الجنة أو النار.

ولهذا إذا ضعفت السلطة التنفيذية أو أخطات الهيئة القضائية، أو انحرفت إحداهما أو كلتاهما، وأمكن المواطن أن يفلت من يد العدالة بالقوة أو الحيلة، أو ذلاقة اللسان فإنه سيفعل ذلك دون أن يشعر بكثير من الإثم أو الحرج فيما فعل.

اما الشريعة الإسلامية فهي نظام روحي ومدني، ديني ودنيوي، لهذا تعتمد على وازع الإيمان والخلق بجوار اعتمادها على قوة السلطان ورقابة الدولة ، وهي تضع الجزاء الأخروي مع الجزاء الدنيوي جنبا إلى جنب، وهي تقيد المسلم بفكرة الحلال والحرام في كل عمل، فالقوانين تقتصر على بيان أن هذا صحيح أو فاسد نافذ أو موقوف، ولكن الشريعة تضيف إلى ذلك أن هذا حلال وهذا حرام، وهذه طاعة وهذه معصية، وتجعل جل الأشياء مرتبطة بالحقائق والبواطن لا بالصور والظواهر التي يبني عليها القضاء حكمه بالضرورة.

فمن قضت له المحكمة بشيء بناء على سبب ظاهر، وكان في حقيقة الأمر مبطلا بأن كان الشهود كذبة أو كانت وثائقه مزورة بإحكام، أو رفضت دعوى خصمه بسب التقادم – کمرور ثلاثين سنة مثلا عليها . وكان الحق لم يزل في ذمته بالفعل، فإن قضاء المحكمة وإن اعتبر نافذة في الظاهر لا يسوغ له أكل الحرام وأخذ حقوق الغير بالإثم. وهذا ثابت بالقرآن والسنة .

الأخلاقية

كما تتميز الشريعة عن القوانين الوضعية بربانية مصدرها، تتميز كذلك برعاية الأخلاق في كل مجالاتها وجوانبها، وهذه ثمرة لصفتها الربانية الدينية فهي شريعة اخلاقية ، بكل ما تحمل كلمة الأخلاق، من معنى. ولا عجب فقد قال صاحب هذه الشريعة : إنما بعثت لاتمم مکارم الأخلاق.

ويتضح الفرق جلية بين الشريعة والقانون، بالمقارنة بين موضوع كل منهما وغايته ، فموضوع القانون هو والحقوق، عينية أو شخصية، في حين أن موضوع الشريعة وفقهها هو “التكاليف”، والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين.

فالقانون ينظر للإنسان في الدرجة الأولى من زاوية ما له من حقوق، أما الشريعة فتنظر إليه من زاوية ما عليه من التزامات وواجبات، وهذه الواجبات هي حقوق للغير عليه، فعليه أن يحافظ عليها، بقدر ما يحافظ على حقوقه لدى الآخرين، والإنسان في نظر القانون مطالب سائل، وفي نظر الشريعة مطالب مسئول، لانه مخلوق مكلف، يؤمر وينهى فهو لم يخلق عبثا، ولم يترك شدی، له حق وعليه واجب.

أما من حيث الغاية، فإن غاية القانون غاية نفعية محدودة هي استقرار المجتمع، وانتظام معاملاته وأموره وعلاقاته – وبخاصة المادية منها – وإقامة النظام فيه على نحو من الأنحاء، فهذا ما يحرص عليه واضع القانون حتي ولو اقتضاء ذلك أن يحيد أحيانا عن مقتضى قواعد الأخلاق والدين. فالقانون مثلا: يقر لمن يضع يده على عقار بنية الملك خمس عشرة سنة، بملكيته لهذا العقار، حتى ولو كان غاصبا، كما أنه يقضي بسقوط الحق بالتقادم. إذ يرى أن ذلك أدني إلى قيام النظام في المجتمع، مجاوزأ ما تقضي به قواعد الأخلاق في هذا الخصوص

فإذا ذهبنا إلى الشريعة نجدها قد جعلت غايتها – إلى جوار استقرار المجتمع وانتظام علاقاته – تحقق المثل الأعلى في حياة الناس، والسمو بهم إلى أفق الانسانية الرفيعة، والمحافظة على القيم الروحية الخلفية العليا، ومن هنا وجد فيها. كما ذكرنا من قبل – الاعتبار “الدياني”، مع الاعتبار “القضائي،” فالقضائي يحكم بالظواهر ضمانا لمعايش الناس وانتظام معاملاتهم. أما الاعتبار الدياني فيعامل الشخص من داخله لا من خارجه، ويقوده من باطنه لا من ظاهره

الواقعية

من مزايا الشريعة الإسلامية أنها شريعة واقعية لم يمنعها ملاحظتها للمثل الأخلاقية العليا أن تراعي الواقع القائم وتشرع له ما يعالج أدواءه، وما يقیه منها.

إنها لم تسبح في بحار الخيال ولم تخلق في أجواء المثالية المجنحة، فتفترض إنسانا لا وجود له في دنيا الناس، كما صنع أفلاطون في جمهوريته والفارابي في مدينته الفاضلة، وكما تخيلت الشيوعية في أذهانها عن المجتمع الذي تنعدم فيه الفوارق وتزول الملكية، ولا يحتاج إلى دولة ولا قضاء ولا شرطة ولا سجون !

اما شريعة الله فشرعت للإنسان كما هو، كما خلقه الله، بجسمه الأرضي ، وروحه السماوي، باشواقه الصاعدة، وغرائزه الهابطة, بدوافعه الفردية ونزعته الغيرية بعوامل الفجور، وبواعث التقوى تصطرع في نفسه،

لهذا لم يأمر القرآن بما أمر به الإنجيل حين قال: “من ضربك على خدك الأيمن فادر له خدك الأيسر، ومن سرق قميصك فأعطه إزارك” فهذه مثالية قد تصلح لتربية مجموعة محدودة في مرحلة معينة كحواري المسيح في زمنه، ولكنها لا تصلح قانون عامة لدولة عالمية، في شريعة خالدة.

ولم يأمر القرآن، ولا الرسول – أتباع دينه بما أمر به المسيح من أراد أن يتبعه حين قال له: “بع مالك واتبعني،” بل قال الرسول صلى الله عليه و سلم : ” يعم المال الصالح للمرء الصالح” ،، ويقول: “ما نفعني مال كمال أبي بكر”، ويدعو لخادمه انس ان يكثر الله ماله وولده .

إن حب الإنسان لتملك المال أمر واقعي، لأنه جزء من الفطرة الإنسانية ولا خطر من مراعاة هذه الفطرة والاعتراف بها بعد العمل على تهذيبها والسمو بها وتوجيهها لمصلحة الجماعة كلها. أما مصادمتها فلا تفيد ولا تنجح ايضا.

ولهذا قررت الشريعة حق التملك، ولكنها أحاطته بسياج من القيود حدت من خطره كما سنشير إلى ذلك بعد

ومن واقعية الشريعة الإسلامية أنها لم تكتف بالوازع الديني أو الأخلاقي في صيانة حقوق الناس، برغم عنايتها به وإلحاحها عليه ودعوتها إليه، ولكنها۔ مع ذلك . قررت نظام العقوبات، لما ينطق به الواقع أن من الناس من لا يكفيه الإرشاد والتوجيه، ولا يردعه إلا عقوبة ملائمة تكفكف من شره وتزجره أن يعود لمثل جريمته ، كما تزجر غيره أن يفعل مثل فعلته، وفي هذا قال الخليفة الثالث: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». .

وقد جاءت الشريعة بنوعين من العقوبات ..

إحداهما ۔ مقدرة محددة لا زيادة فيها ولا نقص، وذلك كالحدود والقصاص التي ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة

والثانية : التعزير، وهو عقوبة مفوضة إلى راي أولي الأمر، وتبتدىء من كلمة التقريع لتنتهي إلى الإعدام، وما بينهما من العقوبات المالية والبدنية والأدبية .

والأولى في عصرنا أن تضبط أنواع التعزير بعقوبات محددة بقوانین، منعا للفوضى، وحرصا على حقوق الأفراد. مع إبقاء مجال للقاضي بوضع حذین اعلى وأدنى للعقوبة يختار بينهما .

الإنسانية

ومن خصائص الشريعة الإسلامية: أنها شريعة إنسانية عالمية.

ومعنى إنسانيتها: أنها شرعت من أجل الإنسان، لترقى به، وتأخذ بيده ، وتحفظ عليه خصائصه الإنسانية وتنميها وتثبتها، وتحميه من طغيان الجانب الحيواني فيه، على جانبه الإنساني المتميز

لهذا شرعت للإنسان شعائر العبادات: لإشباع الجانب الروحي فيه، فليس الإنسان مجرد الغلاف الطيني البدني، الذي يشبعه الطعام والشراب والنكاح، وإنما هو مع ذلك – روح علوي يسكن هذا الغلاف

وكذلك حافظت هذه الشريعة على كرامة الإنسان التي لم يمنحها له ملك أو رئيس أو برلمان، بل منحها له الخالق، الذي استخلفه في الأرض، وأسجد له الملائكة، وسجل هذه الكرامة في كتابه: وراعت هذه الكرامة في كل ما شرعته له من أحكام، منذ أن يولد وإلى أن يموت، بل قبل أن يولد، وبعد أن يموت، فقد رأينا كيف تحافظ هذه الشريعة على الجنين في بطن أمه.

ومع هذه الرعاية للجانب المعنوي في الإنسان، لم تغفل جوانبه المادية، ودوافعه الحسية، فحثته على المشي في مناكب الأرض، وابتغاء فضل الله ، والسعي لعمارة هذا الكوكب، كما شرعت له الاستمتاع بزينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، وقدرت الدافع الجنسي وسلطانه على الناس، فأباحت له أن يتزوج ما طاب له من النساء، ما دام قادرا على أعباء الزواج

ولم تكتف بذلك فأشركت المجتمع والدولة في رعاية هذه الحاجات الإنسانية ، بحيث لا يعيش إنسان في مجتمع المسلمين، محروم من حاجاته الأساسية : الطعام، واللباس، والمسكن، والزواج، والعلاج … ونحوها,

فإذا لم يكن لدى الإنسان دخل يكفيه، لإشباع هذه الحاجات، وجب على المجتمع أن يتدخل لمعاونته فرضا لازما، عن طريق نفقات الموسرين من الأقارب، أو عن طريق الزكاة المفروضة على أغنياء كل بلد لترد على فقرائه، أو عن طريق موارد الدولة الأخرى.

لقد كانت عناية الشريعة بالإنسان كله : جسمه، وروحه، وعقله.

لقد عنيت بجسمه، وأوجبت عليه حفظه، ولم ترض بإرهاقه ولو بالعبادة واعلنت لأول مرة في تاريخ الديانات : وإن لبدنك عليك حقا، وأمرت بمداواته إذا مرض فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء.

وعنيت بعقله، ففرضت عليه طلب العلم، وأعانت عليه بكل وسيلة، وجعلت الاجتهاد فيه عبادة، وأشادت بالعلماء، ودعته إلى النظر والتفكير في ملكوت السموات والأرض، وأنكرت عليه التقليد واتباع الظن والهوى، وحرمت عليه أشد التحريم أن يتناول ما يغيب عقله.

وعنيت بروحه، بما أشرنا إليه من شعائر العبادات، وفتحت له الباب إلى الله بلا وساطة ولا كهنوت، وجعلت مفتاح فلاحه ونجاته في يده،

التناسق

التناسق: أن تعمل اجزاء “الكل”، بانتظام وتعاون في خدمة هدف مشترك ، بحيث لا تتنافر ولا تتضارب، ولا يصطدم بعضها ببعض، وبحيث لا ترى بينها إلا الوحدة والانسجام. كما أنها تتناسق أيضأ مع ما يجاورها أو يتصل بها من أشياء ويمكن أن يعبر عن هذه الخصيصة بالتكامل أيضا.

والتناسق ظاهرة كونية وشرعية، كالتوازن، أعني أننا نجده ظاهرة واضحة في كل ما شرع الله، كما نراه في كل ما خلق الله.

في الكون نجد ظاهرة التناسق بادية لكل متأمل في الآفاق وفي نفسه، في السموات وفي الأرض، في خلق الإنسان والحيوان والنبات والجماد.

وفي الشريعة نجد أحكامها تتناسق وتتكامل. لمن نظر إليها نظرة جامعة . اضرب هنا مثلا للتناسق كما أفهمه في شريعة الإسلام …

إن الشرع الإسلامي يرفع من مكانة المرأة ويرعى إنسانيتها ويجعلها شقيقة الرجل وصنوه في التكليف. فالقرآن يقول: ( بعضكم من بعض) والسنة تقول: “وإنما النساء شقائق الرجال”

فإذا رأينا القرآن في تشريع الميراث يقول: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” فلا يظن أنه يجور بذلك على المرأة، أو ينزلها من مكانتها التي قررها لها في آيات وأحاديث شتى، وإنما هو العدل الذي يعطي كلا من الجنسين حظه وفقا لما يتحمله من تكاليف وأعباء مالية مفروضة عليه.

ولا يفهم ذلك إلا إذا تأملنا في بقية تعاليم الإسلام وأحكامه الأخرى، لنراها جميعة متناسقة متناغمة ، ونرى إعطاء المرأة هذا الحظ في محله وموضعه .

فالإسلام يجعل المرأة في كفالة الرجل دائما، هي قبل الزواج في كفالة أبيها او وليها، لا تتحمل نفقة ولا تبعة مالية في الصرف على المنزل، وبعد الزواج تصبح في كفالة زوجها، وهو المسؤول عن الإنفاق عليها مهما تمتلك من الغني والثراء.

ثم إن الرجل إذا تزوج وجب عليه أن يدفع مهرة للمرأة يقل او يكثر، يصبح من خالص ملكها، فهو يغرم مالية بالزواج، وهي تغنم من أكثر من جهة .

فلو افترضنا أن رجلا مات عن ابن وبنت، وترك لهما ثلاثة آلاف دينار مثلا ، أخذ الذكر منها الفين، والأنثى الفأ،

وهنا يتضح لنا أن ثمت تكافؤا بينا بين الحقوق والواجبات، فكل واجب يقابله حق، وكل غرم يقابله غنم.. فغرم الدية أو واجب المواساة في تحملها عن القريب، يقابله حق الميراث وما يتبعه من غنم ظاهر.. وكذلك النفقة هي حق للعاجز، وواجب على القادر، أو هي غرم لمن وجبت عليه، وغنم لمن وجبت له وبهذا يتبادل أعضاء الأسرة الواحدة الحقوق والواجبات، أو المغارم والمغانم – حسب ظروف كل منهم – بالقسطاس المستقيم.

والخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هنا هو النظر إلى الأحكام الشرعية في بعض القضايا نظرة جزئية ، منفصلة عما يتصل بها من أحكام متناثرة في أبواب شتی من الفقه ، وهنا يظلم الشريعة الكاملة، لقصور نظره، أو قلة إحالته ، أو تعجله في الحكم، ولو أنه اجتهد في البحث والتأمل وسؤال أهل الذكر، وضم الأحكام بعضها إلى بعض، لاستبانت له الحقيقة، وظهر له وجه الشريعة مضيئة، تعبر عن كمال من شرعها هدى ورحمة للعالمين .

الشمول

ومن خصائص الشريعة الإسلامية : شمولها لكل جوانب الحياة .

أ  – فهي تشمل الجانب التعبدي الذي ينظم علاقة الإنسان بربه . وهذا ما يوضحه فقه العبادات من الطهارة والصلاة والصيام والحج والأضاحي والنذور والأيمان والذبائح … ونحوها مما لا تعرفه القوانين الوضعية

ب) وتشمل كذلك الجانب الأسري من الزواج وتوابعه، والطلاق وآثاره، والحضانه والنفقات، والوصايا، والميراث … ونحوها، مما يتصل بتكوين الأسرة المسلمة ثم المحافظة عليها من أسباب الشتات والانهيار، ثم إعطاء كل ذي حق حقه عند الفراق، بالطلاق أو التفريق أو الوفاة.

 (ج) وهي تشمل جانب المبادلات أو المعاملات المالية من البيع بانواعه والإجارة والشركة والمضاربة والمزارعة والرهن والكفالة والحوالة والوديعة والعارية والهبة والمداينة والوفاء بالالتزام … وغير ذلك من أنواع العقود والتصرفات التي يقصد بها تنظيم العلاقات المالية بين الأفراد، وحفظ حق كل ذي حق، وبیان ما يجب رعايته من الحدود والشروط، وما يحرم عمله من الصور والتصرفات .

 (د) وهي تشمل أيضا الجانب الاقتصادي والمالي، فيما يتعلق بإنتاج الثروة أو توزيعها أو استهلاكها، كما يتعلق بتنظيم بيت المال والخزانة الإسلامية وبيان موارده و معارفه من الزكاة والفيء والغنيمة والخراج… ونحوها, وبيان حق الفئات الضعيفة في موارد الدولة وأموال الأغنياء وبيان ما حرم الله في مجال الاقتصاد من الربا والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.

(ه) وهو يشمل الجانب الجزائي من العقوبات الدنيوية الشرعية، التي قدرها الشارع نصا كالقصاص والحدود، مثل قطع يد السارق، وجلد الزاني او رجمه، وجلد شارب الخمر، وقاذف المحصنات المؤمنات، وعقوبة قاطع الطريق ،، أو العقوبات المفوضية التقدير أولي الأمر من القضاة والحكام، وهي التي تسمى في الفقه “التعزير” وهذا الجانب هو الذي يختص به ما يسمى في عصرنا وقانون العقوبات، أو القانون الجنائي أو الجزائي

(و) وهو يشمل مع ذلك جانب الإثبات والمرافعات مما يتعلق بالقضاء والدعوى والشهادة والإقرار واليمين … ونحوها، مما يقصد به تنظيم الإجراءات ، لرفع النزاع، وتحقيق العدل بين الناس.

 (ز) وهو يشمل الجانب الدستوري مما يتعلق بنظام الحكم واصوله من مثل: وجوب نصب الإمام، وشروطه، وكيفية اختياره وعزله ، وحقوقه وواجباته ، وعلاقته بالامة وأهل الحل والعقد، وحكم طاعته وحدودها، وكيف يعامل من بغى عليه … إلى غير ذلك مما يقصد به تحديد علاقة الحاكم بالمحكومين، وتقرير ما للأفراد والجماعات من حقوق

 (ح) وهي تشمل جانب العلاقات الدولية، وهو الذي ينظم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، في السلم والحرب. كما ينظم علاقتها بغير المسلمين ممن يقيم في ظل الدولة الإسلامية، وهذا يتضمنه کتاب الجهاد، أو السير، في الفقه الإسلامي، ويتضمنه حديثة قانون والعلاقات الدولية

وكل هذه الجوانب من تشريع الإسلام هي جزء من دين الله الذي يجب أن يلتزم ويطاع، ويتلقی بالقبول و الإنقياد، وليس لمسلم أن يرفض حكمة ثابتة منه في أي جانب كان من جوانب الحياة . وإلا كان مدخول الإيمان .

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!