المبادئ الأساسية للمسطرة المدنية_ الحق في محاكمة محايدة

الحق في محاكمة محايدة

المبادئ الأساسية للمسطرة المدنية

 تحكم الدعوى المدنية مجموعة من المبادئ الأساسية، ورغم أن المشرع المغربي لم ينص على معظم هذه المبادئ بشكل صريح في قانون المسطرة المدنية إلا أن معالمها تبدو واضحة في العديد من الإجراءات التي يلزم الأطراف ومختلف المتدخلين في الدعوى المدنية بإتباعها، وتشكل هذه المبادئ مجتمعة ما يمكن تسميته بالفلسفة العامة التي تبناها المشرع المغربي في مجال تدبير المنازعات المدنية.

وعلى الرغم من تنوعها واختلاف مجالاتها، فإنه يمكن تجميع هذه المبادئ في محورين أساسيين، المحور الأول هو الذي يضم كافة المبادئ التي تضمن لكل المتقاضين الحق في الولوج إلى القضاء وعرض إدعاءاتهم عليه، والمحور الثاني هو الذي يتعلق بالمبادئ التي تروم ضان محاكمة عادلة.

الحق في محكمة محايدة

حق الولوج إلى المحاكم، ضمانات المحاكمة العادلة، ضمان استقلالية وحياد القضاء، كلها حقوق يمنحها القانون للمتقاضين. وقد سن المشرع المغربي ضمانات الاحترام كل هذه الحقوق من خلال مجموعة من المبادئ المسطرية، وتضمن هذه الحقوق كذلك من خلال الآليات الموضوعة رهن إشارة المتقاضين الذين لهم مصلحة في ذلك من أجل التصدي لكل محاولة للاعتداء على تلك الحقوق أو حرمانهم من الاستفادة منها..

المبحث الأول: حق الولوج للقضاء

لم يتم التنصيص صراحة على هذا الحق من طرف المشرع المغربي، لكن وعلى الرغم من ذلك فقد تمت الإشارة إليه بشكل ضمني في الفقرة الأولى من الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية، ويتمثل هذا الحق في تمكين كل من يدعي التوفر عليه من عرض نزاعه على المحكمة التي يراها مختصة قصد فحص مدى صحة إدعائه .

على الرغم من أهمية الاعتراف بهذا الحق، فإنه يجب التسليم بأن ممارسته الفعلية لا يمكن أن تتم إلا إذا كانت مجانية القضاء مضمونة بدورها، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن المتقاضين الذين يلجؤون للقضاء يتحملون الكثير من الأعباء المادية کالرسوم القضائية وواجبات الخبرة.

و من أجل التخفيف من هذه الأعباء، التجأ المشرع المغربي إلى سن نظام المساعدة القضائية، ويمكن أن يستفيد من هذه الأخيرة بناء على طلبه، كل متقاض عاجز عن تحمل تلك الأعباء المادية السابقة الذكر

المطلب الأول: مبدأ مجانية القضاء

 يعتبر القضاء بمثابة مرفق عام مجاني، ويترتب عن ذلك أن المتقاضي الذي يلجأ إليه غير ملزم بأداء تكلفة دعواه، إذ أن كل الأعباء المالية المرتبطة بتسيير المرفق المذكور تتحملها الدولة وتدرج في ميزانيتها السنوية.

وعلى الرغم من التنصيص على مبدأ المجانية، فإن المتقاضين يتحملون المصاريف الناتجة عن الدعوى تحت طائلة التصريح بعدم قبولها، إذ يتعين عليهم دفع الرسوم القضائية التي يتم احتسابها بالنظر لقيمة كل نزاع والتي يتم تحديدها على ضوء الطلبات التي تقدم بها المدعي، ويتحملون مصاريف الخبرة وغيرها من إجراءات التحقيق التي قد تأمر المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى بإجرائها تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف، كما أنهم يتحملون أتعاب المحامي الذي يمثلهم في النزاع .

المطلب الثاني: المساعدة القضائية

المساعدة القضائية هي عبارة عن نظام سنه المشرع المغربي قصد تمكين المتقاضين المعوزين من ولوج القضاء، ويمكن هذا النظام من الإستفادة من الإعفاء من أداء الرسوم القضائية وباقي مصاريف الدعوى، کیا يسمح للراغب في ذلك بتعيين محام قصد تمثيله بالمجان في النزاع المعروض أمام القضاء.

ويتعين على المتقاضي الذي يرغب في الإستفادة من المساعدة القضائية أن يثبت إستجابته للشرط الأساسي الضروري لذلك والذي يتمثل في عدم قدرته على تحمل الأعباء المادية الناتجة عن دعواه، وعمليا يتم هذا الإثبات عن طريق الإدلاء بشهادة الاحتياج أو بشهادة عدم الخضوع للضريبة، ومن جهة أخرى فقد منح المشرع المغربي المساعدة القضائية بشكل تلقائي لمجموعة من شرائح المتقاضين، ونخص بالذكر هنا حالة الأجراء الذين يتمتعون بحق الإستفادة من هذا النظام طبقا لمقتضيات الفصل 273 من قانون المسطرة المدنية.

المبحث الثاني: الحق في محكمة محايدة

لا يمكن تصور وجود الحق في محكمة محايدة إلا إذا تم ضمان مبدأ مساواة جميع المتقاضين أمام القضاء، كما يتطلب تفعيل الحق السابق الذكر ضرورة تمكين المتقاضين من إمكانية استبدال القاضي أو الهيئة القضائية المعروض عليها النزاع إذا ما توفر سبب من الأسباب التي تخول ذلك، ويتم التقدم بهذا الطلب في إطار مسطرة خاصة تسمى التجريح

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن ضان حياد المحكمة يقتضي أيضا وجود نظام يسمح، عند الضرورة، بإثارة مسؤولية القضاة عن الأخطاء التي من الممكن أن يرتكبوها خلال ممارستهم لمهامهم، وتتم إثارة هذه المسؤولية على العموم في إطار دعوى المخاصمة.

المطلب الأول: مبدأ المساواة أمام القضاء

لا يمكن أن ينصف القضاء بالعادل إلا إذا كانت المحاكمة تتم دون أن تأخذ بعين الاعتبار المكانة الاجتماعية للمتقاضين وديانتهم وجنسيتهم، فكل الطلبات المقدمة أمام القضاء يجب أن يتم فحصها على ضوء نفس المعايير الموضوعية

ويمكن أن يتقدم بمقال أمام المحاكم كل من يتوفر على إدعاء، ولا يشترط لقبول دعوه توفره على الجنسية المغربية، كما أنه يتعين إذا كان المدعي أو المدعى عليه في حالة ما إذا كانت المسطرة شفوية، لا يتقن اللغة العربية، أن تتم الاستعانة بترجمان يتم تعيينه من طرف المحكمة المختصة

المطلب الثاني: التجريح

يمكن لأي قاض ينظر في نزاع معين، سواء كقاض فرد أو كعضو في هيئة جماعية، أن يتقدم بطلب بإعفائه كلما كانت استقلاليته مهددة بالنظر لملابسات النزاع أو الهوية أطرافه.

ويتم تقديم طلب التجريح التلقائي بين يدي رئيس المحكمة المعروض عليها النزاع، وإذا بلغت الدعوى مرحلتها الإستئنافية فإنه يتعين التقدم بالطلب أمام الرئيس الأول لهذه المحكمة، أما إذا كان القاضي المعني بالأمر مستشارا بالمجلس الأعلى فإن الطلب يتم رفعه إلى الغرفة التي ينتمي إليها، ويتم البت عن طريق قرار إداري لا يقبل أي طريق من طرق الطعن الخاصة بالأحكام.

وإلى جانب هذه الحالة التي يتخذ فيها القاضي المعني بالأمر المبادرة، فإن هناك حالة أخرى يمكن فيها للمتقاضين الذين يعتبرون أن استقلالية القاضي الفرد أو أحد أعضاء الهيئة الجماعية غير مضمونة، أن يطالبوا باستبعاده بسلوك مسطرة التجريح.

وقد حدد المشرع المغربي أسباب التجريح في إطار الفصل 295 من قانون المسطرة المدنية، وبالرجوع إلى الفصل المذكور نجد أن أهم هذه الحالات هي ثلاثة.

الحالة الأولى هي التي يكون فيها للقاضي المراد تجريحه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في النزاع المعروض عليه، الحالة الثانية هي التي تكون له فيها علاقة قرابة أو مصاهرة مع أحد أطراف النزاع إلى غاية الدرجة الرابعة على سبيل الحصر، والحالة الثالثة والأخيرة هي التي يكون فيها دائنا أو مدينا لأحد الأطراف.

 ويخضع طلب التجريح لنفس القواعد الشكلية المتعلقة بالمقال الافتتاحي للدعوى، ويتعين أن يتم في البداية تبليغ الطلب المذكور للقاضي المعني بالأمر الذي يتوفر على أجل عشرة أيام قصد الجواب، وبعد مرور أجل ثلاث أيام تحتسب من تاريخ الجواب أو انصرام أجل العشرة أيام السابق الذكر فإنه تتم إحالة الطلب على محكمة الإستئناف إذا كان القاضي المعني بالأمر ينتمي للمحكمة الإبتدائية أو محكمة الإستئناف وعلى محكمة النقض إذا كان مستشارا بإحدى غرفها. ويتعين على المحكمة التي تنظر في الطلب أن تبث فيه داخل أجل عشرة أيام من تاريخ إيداعه في غرفة المشورة، ولا يقبل القرار الصادر بشأنه أي طعن.

المطلب الثالث: الإحالة من أجل التشكك المشروع

تخضع مسطرة الإحالة من أجل التشكك المشروع لمقتضيات الفصلين 383 و 384 من قانون المسطرة المدنية، وتهدف هذه المسطرة إلى بلوغ نفس الهدف الذي يمكن من تحقيقه التجريح، ويتمثل هذا الأخير في سحب الملف من الهيئة القضائية التي تثار شكوك حول حيادها وإحالته على محكمة أخرى من نفس الدرجة.

ولا يمكن أن يستند طلب الإحالة من أجل التشكك المشروع إلا على سبب وحيد، ويتمثل هذا الأخير في إبداء الهيئة التي تنظر في النزاع لرأيها في نازلة مماثلة مما يرجح كونها ستصدر حكما لا يصب في مصلحة الطرف الذي تقدم بالطلب، غير أنه تجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن الاجتهاد القضائي لا يعتبر إصدار حكم في نازلة مماثلة بمثابة سبب يبرر سلوك هذه المسطرة، وبناء عليه يمكن القول بأن المقصود بالرأي الذي سبق التعبير عنه هو كل الآراء الصادرة عن القضاة خارج إطار الأحكام التي يصدرونها، کالمقلات التي ينشرونها أو الآراء التي يعبرون عنها في مختلف المحافل الإعلامية.

ويتعين على الراغب في الإستفادة من هذه المسطرة أن يتقدم بطلب في الموضوع أمام محكمة النقض، وتبث هذه الأخيرة في الطلب وتقرر ما إذا كانت الضرورة تقتضي إحالة القضية على محكمة أخرى من نفس الدرجة، ولا يقبل القرار الصادر عن محكمة النقض في هذا الموضوع أي طعن.

المطلب الرابع: المخاصمة

59- لا يمكن أن تتم إثارة مسؤولية القضاة عن الأخطاء التي يرتكبونها أثناء تأديتهم لمهامهم إلا في الحالات التي يحددها القانون على سبيل الحصر، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن مجال هذه المسؤولية خضع لتضييق كبير، فبالرجوع لمقتضيات الفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود ينضح أنه تم حصر هذه المسؤولية في الحالات التي يمكن فيها مخاصمة القضاة.

وتتمثل الحالات التي يمكن فيها مخاصمة القضاة على الخصوص لارتكابهم الفعل يشكل غشا أو تدليسا أو غدرا أو إنكارا للعدالة، ويهدف المشرع المغربي من خلال هذا التحديد الحصري إلى تحقيق توازن ما بين مصلحة المتقاضين وحقهم في الحصول على تعويض عن الأضرار التي تكبدوها وما بين ضرورة توفير الظروف الملائمة للقضاة ليتمكنوا من أداء واجباتهم على أتم وجه بعيدا عن الضغوطات التي يمكن أن تنتج عن المحاسبة التي من الممكن أن يخضعوا لها.

المطلب الخامس: مسطرة الفصل 517 من ق م م

لا تهم هذه المسطرة سوى القضاة الذين يمارسون مهامهم بإحدى المحاكم الإبتدائية أو بمحاكم الإستئناف، ويمكن سلوكها من تجريد محكمة من المحاكم السابقة الذكر من القضية المعروضة عليها، على الرغم من اختصاصها ترابيا وإحالتها على محكمة أخرى، وتستند هذه المسطرة على سبب وحيد وهو كون أحد القضاة الذين یمارسون مهامهم لدى المحكمة المعروض عليها النزاع أو زوجه طرف فيه سواء بصفتهم مدعين أو مدعى عليهم.

ويتعين على القاضي المعني بالأمر أن يبادر إلى عرض حالته على الرئيس الأول لمحكمة النقض، ويقوم هذا الأخير، إذا ما رأى ذلك ضروریا، بسحب القضية من المحكمة التي تنظر فيها وإحالتها على محكمة أخرى من نفس الدرجة، ويلزم إذا كان القاضي المعني بالأمر مستشارا لدى محكمة الإستئناف أن تتم إحالة الملف في حالة سحبه، من محكمة الدرجة الأولى إلى محكمة أخرى من نفس الدرجة توجد خارج دائرة نفوذ محكمة الدرجة الثانية التي ينتمي إليها القاضي المذكور, ويتعرض كل حكم أو قرار صدر دون احترام هذه المسطرة الإمكانية إبطاله، ويمكن إثارة هذا البطلان سواء كوسيلة من وسائل الإستئناف أو سبب من أسباب الطعن


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!