الحق في محاكمة عادلة

مبادئ الأساسية للمسطرة المدنية – الحق في محاكمة عادلة

 يتم ضبان الحق في محاكمة عادلة من خلال مجموعة من المبادئ التي يتعين على المتدخلين في الدعوى المدنية إحترامها خلال مختلف المراحل التي تمر منها، وتتميز هذه المبادئ باختلافها الكبير، فمنها ما يتعلق بالقواعد المنظمة للجلسات و الشكليات التي تخضع لها الأحكام الصادرة، ومنها ما يهم الأسس التي يقوم عليها التنظيم القضائي.

المبحث الأول: مبدأ التواجهية

 يدخل مبدأ التواجهية ضمن منظومة حقوق الدفاع التي يكفلها القانون للمتقاضين، ويضمن لهم هذا المبدأ الحق في معرفة الوسائل المرتبطة بالواقع أو بالقانون التي يؤسس عليها خصمهم إدعاءاته وكذا مختلف وسائل الإثبات التي ينوي الارتكاز عليها، كما يضمن لكل المتقاضين الحق في استدعائهم قصد الحضور أمام المحكمة التي تنظر في النزاع الذي يهمهم.

وتنظم إجراءات الاستدعاء مقتضيات الفصل 36 وما يليه من قانون المسطرة المدنية، وتحدد هذه المقتضيات كافة الشكليات التي يتعين احترامها من طرف الساهرين على تنفيذ هذا الإجراء تحت طائلة بطلانه، وتبقى أهم هذه الشكليات هي تلك التي ترتبط بالأجل الأدنى الذي يجب أن يفصل ما بين تاريخ إتيان إجراء التبليغ وتاريخ الجلسة، إذ يجب ألا يقل هذا الأجل عن خمسة أيام إذا كان للطرف المعني بالأمر موطن في دائرة المحكمة التي تنظر في النزاع وأجل خمسة عشر يوما إذا كان لا يتوفر على محل إقامة داخل دائرة المحكمة المذكورة.

ولا تشد على القاعدة التي تجعل من التوجهية مبدأ جوهريا إلا مسطرة الأوامر بناء على طلب المنصوص عليها في الفصل 148 من قانون المسطرة المدنية وكذا مسطرة الأمر بالأداء، فالأولى تمكن رئيس المحكمة وهو يبت في غيبة المدعى عليه باتخاذ إحدى التدابير المؤقتة التي يستوجبها عنصر الاستعجال، والثانية تمكن نفس الجهة القضائية من الحكم على المدين بالأداء في غيبته بالنظر لحجية السيد الذي أسس عليه الطلب.

المبحث الثاني: مبدأ العلنية

 تعقد المحاكم جلساتها بشكل علني وتفتح أبوابها في وجه العموم، ويهدف هذا الطابع إلى دعم الثقة في الأحكام التي تصدرها، ويترتب عن عدم احترام مبدأ العدنية بطلان الحكم الصادر عن محكمة الموضوع.

ولا يمكن استبعاد مبدأ العلنية من طرف محاكم الدرجة الأولى إلا في ظل تواجد نص قانوني صريح وبقرار من رئيس المحكمة، أما أمام محاكم الإستئناف، فإن العلنية يمكن إستبعادها في حالة ما إذا كانت تشكل خطرا على النظام العام والأخلاق.

يتم النطق بالأحكام في جلسات علنية، ويتعين التقيد بهذه الشكلية حتى ولو تقرر مناقشة القضية في جلسات مغلقة، ولا تهم هذه الشكلية إلا القرارات الصادرة في المساطر التواجهية، أما القرارات الصادرة في المادة الولائية، في غياب أي نزاع، فإنها تصدر في جلسات غير مفتوحة في وجه العموم، بل وقد يصدرها الرئيس في مكتبه،

المبحث الثالث: مبدأ تحكم الأطراف في النزاع

  إن أطراف الدعوى هم الذين يتحكمون في سيرها ويحددون الاتجاه الذي تأخذه، فموضوع النزاع يتم تحديد معالمه من طرف الخصوم، وعلى الخصوص المدعي في المقال الافتتاحي للدعوى، ولا يمكن للمحكمة المعروض عليها النزاع أن تقوم من تلقاء نفسها، بتعديل ذلك الموضوع، كما يتعين عليها أن تحكم في حدود الطلبات التي تقدم بها الأطراف، ويتعرض كل مقرر قضائي صدر دون احترام هذه الشكلية للإبطال أو النقض.

 بمجرد أن يتم تحديد موضوع النزاع ومجاله من طرف المدعي أساسا، والمدعى عليه استثناءا، فإن هذا التحديد يصبح نهائيا وإجباريا بالنسبة للأطراف أنفسهم، وكنتيجة لذلك فإن الأطراف يفقدون من حيث المبدأ إمكانية تعديله خلال سريان الدعوى وعلى الخصوص عندما تبلغ هذه الأخيرة مراحلها المتقدمة.

وبغض النظر عن تحديد موضوع النزاع ومجاله، فإن هذا المبدأ يضع تسيير النزاع بين يدي الأطراف، فإليهم يعود تسيير المناقشة وتحديد موعد إقفالها، كما يمكن للأطراف أيضا تحديد إجراءات البحث التي يتعين القيام بها قصد تنویر المحكمة وتسليط الضوء على الوقائع الجوهرية للنزاع.

المبحث الرابع : تعليل المقررات

  يجب أن يكون كل مقرر قضائي معللا تعليلا كافيا سواء من حيث الواقع أو القانون، ويقع هذا الالتزام على عاتق كل المحاكم أيا كانت درجتها، ويكمن الهدف من تعليل الأحكام في تيسير عملية المراقبة التي تخضع لها المقررات القضائية خلال مختلف طرق الطعن التي يمكن استعمالها من قبل الأطراف، كما أن تعلیل المقررات القضائية يشكل ضیائة النزاهة الأحكام ومصداقيتها في أعين المتقاضين، وعلى العكس من ذلك فإن إنعدام التعليل أو نقصانه يدل على هشاشة المنطق الذي تبنته المحكمة عند بتها في النزاع.

ويشكل غياب التعليل عيبا يمكن أن يلحق المقررات القضائية الصادرة عن مختلف محاكم الموضوع، ويمكن إثارة هذا العيب عند الطعن في المقرر الصادر، کیا يشكل إنعدام التعليل أو عدم کفایته سببا من أسباب النقض طبقا لمقتضيات الفصل 359 من قانون المسطرة المدنية.

المبحث الخامس: الحق في الطعن

 تعتبر طرق الطعن بمثابة وسائل وضعها المشرع رهن إشارة المتقاضين قصد تمكينهم من المطالبة بتعديل المقرر القضائي الصادر في النزاع الذي يهمهم.

وتنقسم طرق الطعن التي يمكن أن تمارس في مواجهة المقررات القضائية إلى قسمين، القسم الأول هو الذي يهم طرق الطعن العادية، وتنعت هذه الطرق بذلك بالنظر لكونها تمارس في مواجهة كل المقررات وبدون أي تحديد الأسباب التي يتعين توفرها، القسم الثاني هو الذي يضم طرق الطعن غير العادية والتي لا يمكن ممارستها إلا في الحالات التي حددها القانون على سبيل الحصر.

المبحث السادس: مبدأ التقاضي على درجتين

 يهدف مبدأ التقاضي على درجتين إلى التقليص من مجال الأخطاء القضائية التي من شأنها أن تضر بمصالح المتقاضين، ويضمن هذا المبدأ عرض كل نزاع أيا كان نوعه على محكمتين من درجتين مختلفتين، إذ يتم في البداية عرض النزاع على المحكمة الإبتدائية، ثم يتم بعد ذلك في حالة الطعن بالاستئناف عرض نفس النزاع أمام محكمة الدرجة الثانية، ويمكن لمحكمة الإستئناف أن تناقش على حد سواء المسائل المتعلقة بالقانون وتلك التي تهم الواقع، ويفضي الطعن أمامها إما إلى تأييد الحكم المطعون فيه أو إلغائه كليا أو جزئيا.

 وبالنظر لأهميته، ارتأى المشرع المغربي خلال آخر تعديل أدخله على بعض مقتضيات قانون المسطرة المدنية تعميم مجال المبدأ المذكور ليشمل كافة النزاعات، بغض النظر عن قيمتها المالية، عكس ما كان عليه الحال فيها قبل عندما كان الإستئناف بهم فقط النزاعات التي تفوق قيمتها ثلاث آلاف درهم.

ويبقى التمييز الوحيد الذي وضعه المشرع بين مختلف الطلبات على أساس قیمتها علاقة بمبدأ التقاضي على درجتين هو الذي يهم المحكمة المختصة بالنظر في النزع باعتبارها محكمة درجة ثانية، فمحكمة الإستئناف تكون مختصة كمحكمة درجة ثانية إذا كانت قيمة النزاع تفوق عشرين ألف درهم، أما النزاعات التي تقل أو تساوي قيمتها المبلغ المذكور فإن الإختصاص بالنظر فيها في مرحلة الإستئناف يرجع إلى غرفة الإستئناف التي تم إحداثها لدى المحاكم الإبتدائية.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!