الجماعات السلالية

تعريف أراضي الجماعات السلالية مع تحديد ذوي الحقوق

تدبير أراضي الجماعات السلالية

سنعرض تعريف الجماعات السلالية ووضعها الحقوقي (الفقرة الأولى)، ثم لمعايير تحديد صفة ذوي الحقوق، وتنديد النساء المحرومات من الاستفادة من حقهن في الانتفاع في إطار الفقرة المعنونة بتحديد صفة ذوي الحقوق (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: تعريف الجماعات السلالية ووضعها الحقوقي

لقد عرف المشرع الأراضي الجماعية في ديباجة ظهير 17 أبريل 1919 بأنها “ تلك الأراضي التي تتصرف فيها الجماعة وسلالتها تصرف المالك في ملكه بدون خراج أو ضريبة”

كما عرف الأستاذ محمد خيري أراضي الجماعات السلالية بأنها “تلك الأراضي التي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو دواوير أو عشائر قد تربط بينهم روابط عائلية أو عرفية واجتماعية ودينية بحيث حقوق الأفراد غير متميزة عن حقوق الجماعة.”

في حين ذهب جانب آخر من الفقه إلى أن هذا النوع من الأراضي يبقى مملوكا أصلا للجماعات التي توجد بها، ولكن الذي يتصرف ويحوزها ويستغل خيراتها هم أعضاء الجماعات المقيمين بعين المكان إقامة دائمة بتلك الجماعة التي تمتلك تلك الأرض

وعليه فمن خلال ملاحظة التعاريف أعلاه يتضح أن الجماعات السلالية هي تلك المجموعات المشكلة إما في شكل قبائل أو دواوير أو فصائل أو غيرها من العشائر الأصلية تكون فيها حقوق الفرد غير متميزة عن حقوق الجماعات.

إلا أنه وقطعا لكل دابر حول طبيعة مختلف هذه المجموعات، هل تتعلق بالقبائل أو الفصائل أو العشائر الأصلية أو العمارة أو بطن…  عمل المشرع في الفصل الأول من ظهير 17 أبريل 1919 على حصرها في تلك القبائل وفصائل القبائل كالفخذات وغيرها من العشائر الأصلية التي تنتفع بالأملاك الجماعية وفقا للأعراف المألوفة في الاستغلال والتصرف دون ادعاء التملك، مع خضوعها لوصاية وزارة الداخلية.

وتبعا لهذا، يلاحظ أن جل التعاريف وإن تعددت تبقى محصورة في إطار متفق عليه، هو كون هذه الجماعات تبقى مشكلة من مجموعة من السكان يضطلع فيها الأفراد بالانتفاع والاستغلال وفق الأعراف المحلية السائدة، وإن كانت قد غيبت طابع الوصاية للدولة في كثير منها.

إلا أنه يبقى لكل جماعة أصلية تربط بينها أملاك أو مصالح مشتركة يجب لكي يتسنى لها ممارسة حقوقها أن تقوم بتعيين أشخاص من أفرادها تختارهم ضمن الكيفيات الصحيحة المعتادة، ويكون مجموع الأشخاص الذين يقع اختيارهم على هذا الشكل جمعية المندوبين أو جماعة النواب، وتعين هذه الجمعية ضمن نفس الشروط عضوا أو عضوين منها لتمثيل الجماعة لدى المحاكم، أو في العقود الأخرى التي تهم الحياة الجماعية

كما لها الحق في إبرام عقود الاشتراك الفلاحي والأكرية التي لا تتجاوز مدتها ثلاث سنوات شريطة موافقة سلطة الوصاية ، وذلك في شكل مكتوب، إضافة إلى جواز تبادل القطع المجزأة بين المستفيدين منها

وكيفما كان الحال، فإنه بالرغم من الحقوق التي تثبت للشخص بمجرد منحه الشخصية المعنوية، فإن الجماعات السلالية وبالرغم من منحها إياها إلا أن ممارسة العديد من الأمور التي تخصها تبقى خاضعة إما إلى الموافقة المبدئية للنواب الذين تم تعيينهم من طرفها أو إلى إذن وصاية الدولة الممثلة في وزارة الداخلية كما سنرى لاحقا.

الفقرة الثانية: تحديد صفة ذوي الحقوق في الجماعات السلالية

من خلال استقراء النصوص التشريعية المنظمة للأراضي الجماعية، لاسيما منها الظهير المؤرخ في 17 أبريل 1991 كما تم تعديله وتتميمه بظهير 6 فبراير 1963 ، نجد أن المشرع سكت عن تعريف ذي الحق وتحديد معايير تعيين صفته تاركا للجماعات السلالية الصلاحيات الكاملة في ذلك، اعتمادا على الأعراف والعادات المتداولة داخل كل جماعة، الشيء الذي نتج عنه اختلاف بين في المعايير المعتمدة لمنح هذه الصفة، أدى أحيانا إلى إقصاء عدد من أبناء الجماعات السلالية ذكورا صغارا أو غير متزوجين وإناثا، نتج عنه ردود أفعال مختلفة.

لكل هذا سوف نعمل على طرح معايير اكتساب وفقدان صفة ذي حق )أولا(، ثم نقوم بعد ذلك بعرض لتحركات النساء السلاليات لكونهن الطرف الأكثر تضررا من الوضعية )ثانيا(.

أولا:  معايير اكتساب وفقدان صفة ذي حق

سوف نتطرق في البداية لمعايير اكتساب صفة ذي حق (أ)، قبل التطرق لأسباب فقدانها (ب).

أ معايير اكتساب صفة ذي حق

لقد نتج عن سكوت المشرع على تحديد معايير صفة ذي حق وترك الصلاحية في ذلك إلى الأعراف والعادات التي تتبعها كل جماعة سلالية على حدة تباين واضح في التعامل مع الأراضي الجماعية في تحديد ذوي الحقوق نوردها كالتالي :

–          ففي المناطق الجبلية حيث التقسيم النهائي للأرض كجماعة عين شكاك بصفرو، فإن الأولاد الذكور يرثون عن والدهم والنساء يستفدن من نصف النصيب في السكنى وخيرات الأرض، وتبقى الأرض العارية من نصيب الرجال.

في المناطق الجنوبية والشرقية لا زالت الاستفادة من الأراضي الجماعية مرهونة بزواج الذكور وتكوينه لأسرة، وأحيانا استفادة النساء المعيلات لأسر ابتداء من سن 48 سنة كما هو الشأن في جماعة أسول بإقليم الراشيدية.

–          في جهة الغرب الشراردة بني احسن بجماعة الساكنية قصبة مهدية الحدادة أولاد أوجيه بإقليم القنيطرة والقصبة بإقليم سيدي سليمان تقصى النساء من الاستفادة من حقهن في أراضي الجموع.

– إضافة إلى هذه الحالات هناك حالات أخرى تعتمد لمنح الصفة للذكور أيضا، حيث نجد أنه في بعض الجماعات يشترط أن يكون الذكر بالغا سن 14 أو 16 سنة على الأقل حسب أحوال كل جماعة، وفي جماعات أخرى تمنح كذلك للأرامل شريطة أن يكون لها ولد ذكر على الأقل من الأب المتوفى الذي كان له الحق في الانتفاع

وفي السياق ذاته فإن بعض الجماعات السلالية لا زالت تعتمد على عادات وأعراف جد تقليدية كالمساهمة في مصاريف المسجد والأعياد الوطنية لتحديدها

ولأجل إيجاد معايير موحدة لتحديد صفة ذوي الحقوق تم الإجماع من قبل المناظرين في إطار المناظرة الوطنية المنعقدة بالرباط يومي 5 و 6 دجنبر 1995 حول الأراضي الجماعية على توصيات عدة، لعلها تكون بمثابة مرجع يهتدى به قبل وضع نص تشريعي يحدد بصفة عامة المعايير الواجب توفرها لاكتساب هذه الصفة نوردها كالآتي:

– الانتماء السلالي للجماعة.

– الزواج.

– الإقامة بالجماعة مع إمكانية قبول الأشخاص الذين يعيشون مؤقتا خارج ترابها.

ترتيبا على هذا، فإنه حسب اعتقادي أرى أن شرطي الانتماء السلالي للجماعة والإقامة بالجماعة مع إمكانية قبول الأشخاص الذين يعيشون مؤقتا خارج تراب الجماعة يعد توجه صائب، لأنه من جهة سيبقي الاستفادة من الأراضي الجماعية من قبل أفرادها

ومن جهة أخرى لن يتم حرمان الأفراد الذين تقتضي ظروفهم العمل خارج الجماعة مؤقتا، كما أن عدم التمييز بين الذكور والإناث في الاستفادة من الانتفاع بالأراضي الجماعية يعد تحولا مهما في هذه النقطة ولو على الأقل على مستوى التوصيات فحسب.

أما شرط الزواج فأرى بخصوصه أنه يجب حذفه على اعتبار أنه لن يزيد الوضع إلا تفاقما، فعوض أن يكون الهدف من الزواج الاستقرار والعفاف سيصبح غاية للحصول على الاستفادة من قطعة أرض جماعية، وبالتالي سيتم مضاعفة عدد ذوي الحقوق والزيادة في تقسيم الأراضي الجماعية.

ب معايير سقوط صفة ذي حق

على غرار الاختلاف في معايير تحديد صفة ذي حق فإن فقدان هذه الصفة كذلك يعرف اختلافا بين الجماعات السلالية المتواجدة في تراب المملكة بين الشمال والوسط والجنوب، وبين الجماعات المتواجدة كذلك في نفس المنطقة.

ولأجل توحيد المعايير المعتمدة لسقوط صفة ذي حق على أي فرد كان ينتمي للجماعة السلالية، وتفاديا لخضوع ذلك للمحسوبية واستغلال النفوذ، تم طرح عدة معايير لسقوط الحق في إطار المناظرة الوطنية حول الأراضي الجماعية، لعلها تكون هي الأخرى مقاييس يهتدى بها في هذا الإطار من قبل الجماعات السلالية نوردها كالتالي:

– إتلاف ممتلكات الجماعة.

– تفويت حق الاستغلال للأجانب.

– التعرض على تحفيظ عقار جماعي بسوء النية.

– يتم فقدان هذه الصفة بقرار الجماعة النيابية ويمكن الطعن فيه أمام مجلس الوصاية.

إذن بوضع هذه المعايير سوف يكون كل ذي حق أكثر حرصا على عدم القيام بأي فعل يفقده حقه في الاستغلال.

ثانيا: مظاهر تنديد النساء السلاليات على إقصائهن من حق الاستغلال

نظرا للحيف الذي طال المرأة لقرون عدة نتيجة أعراف وتقاليد مخالفة للعدالة الاجتماعية  ومبادئ الشريعة الإسلامية  والدستور المغربي الذي ساوى بينها وبين الرجل في الحقوق ، وذلك بتفضيل الجنس الرجالي، حيث يعطى الحق لأرباب المنزل فقط في الجماعة السلالية، ويعنى بأرباب المنزل طبعا “الرجال” المتزوجون أو الفتيان الذين بلغوا سن معينة كما أشرنا سابقا، أما النساء فقد تم إقصاءهن بالكامل، حيث وإن كن المعيلات لبيوتهن تم بذلك “طرد” هؤلاء النساء من أراضيهم بعد وفاة الأب، فقد قررت العديد من النساء السلاليات اللواتي ينتمين إلى مناطق عدة من المغرب كسر حاجز الصمت، نتيجة الظلم والجور الذي طالهما وأجبرن على المغادرة إلى أحياء الصفيح بعدما تم تفويت أراضيهما إلى الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية من أجل إقامة دور سكنية أو مشاريع اقتصادية بعد أن شمل المدار الحضري للعديد من المدن العقار الجماعي للسلالات

وتنديدا بهذا الظلم الذي طالهما من جراء قانون عرفي قديم، عملن على اتخاذ أشكال عديدة لإيصال صوتهن للعديد من الجهات الرسمية والغير الرسمية احتجاجا عن الحرمان من حقهن في الانتفاع من أراضي الجموع.

فقامت الجمعية المغربية لنساء المغرب باعتبارها ممثلة عن النساء السلاليات بمراسلة الجهات المسؤولة بدءا بمديرية الشؤون القروية التابعة لوزارة الداخلية، وكذا الغرف البرلمانية، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ووزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، وقد قوبلت هذه المراسلات بإيجاب ونية الدعم باستثناء وزارة الداخلية

تلا هذا، عدة لقاءات وندوات صحفية من طرف الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، كتلك التي عقدت يوم 8 أكتوبر 2008 بالرباط من أجل مساندة نساء أراضي الجموع ، إضافة إلى القيام بتحسيس الرأي العام بواسطة وسائل الإعلام عن طريق:

– إصدار بيانات صحفية في الصحافة المكتوبة.

– المساهمة في تحضير وتصوير ربورتاجات ميدانية مع النساء

أكثر من هذا التجأت النساء السلاليات بدعم من الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ومنتدى بدائل المغرب إلى القضاء الإداري لمساءلة الوزير الأول ووزير الداخلية ومدير الشؤون القروية حول مشروعية قرارات مجلس الوصاية التي تحرم النساء من الاستفادة

وتبعا لهذا يجب الإقرار بحق المرأة في الانتفاع بأراضي الجموع ونبذ التمييز بينها وبين الرجل في اكتساب صفة ذي حق، لأنه إذا كانت الاعراف الجماعية تفرض حرمان المرأة من استغلال الأرض الجماعية للمحافظة على الوحدة القبلية لهذه الجماعات فإنها تلقي التزاما على عاتق الأشخاص الذين ستؤول إليهم البقعة بمقتضاه إعالة النساء اللواتي ليس لهم مصدر رزق معين إلى أن يتزوجن فيصبحن في رعاية أزواجهن، وهو قول وإن كان يصدق من الناحية النظرية فإنه لا يصدق دائما في الواقع العملي، حيث إن الأخ – مثلا- يكون عليه واجب العناية تجاه أخته إلا أنه قد لا يصدق عند وفاته مع ابنه

وبالتالي فأي مصير ينتظر أي امرأة في هذه الوضعية من جهة، وأن هذا الإقصاء يتنافى مع المنطق السليم خصوصا أن المغرب يفخر بإحراز تقدم في مجال الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لكافة شرائحه من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن بعض الجماعات السلالية لا تحرم المرأة من الاستفادة في الأراضي الجماعية بخصوص الإرث حيث تطبق قواعد الشريعة الإسلامية في الاستحقاق .

 كما أن الأراضي الجماعية الواقعة داخل دوائر الري والخاضعة للظهير الشريف رقم 30/69/1 الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1969 غير معنية، على  اعتبار أن مقتضيات هذا الأخير لم تميز بين الذكور والإناث في الإرث

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!