الثنائية الحزبية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا

الثنائية الحزبية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا

المبحث الأول : ماهية الثنائية الحزبية

الثنائية الحزبية : إذا كان التعدد الحزبي بمفهومه العام يقوم على تصوير التناقضات العامة داخل المجتمع السياسي تصويرا دقيقا ومفصلا، من خلال إفساح میدان الخيار السياسي لمجموع الناخبين للتعبير عن آرائهم واتجاهاتهم في شكل أحزاب سياسية متعددة فإن نظام الحزبين أو الثنائية الحزبية يعمل على تضييق هذا الخيار وحصره في حزبين كبيرين يمثلان مستويين واسعين من الآراء بدلا من تلك الفروق والاختبارات المتعددة والدقيقة التي يوفرها نظام تعدد الأحزاب

فالثنائية الحزبية ما هي إلا نوع من التنافس السياسي المتعدد الأطراف، ادى به التطبيق العملي في بعض الظروف إلى تجميع الأطراف المتنافسة حول حزبين كبيرين في وسع احدهما باستمرار، الحصول على الأغلبية داخل البرلمان، وتمكنه بالتالي من تشكيل الوزارة بمفرده، في الوقت الذي بني فيه الحزب الآخر ممثلا للمعارضة

وبهذا المعنى تبقى العملية السياسية قائمة على فكرة التناوب المستمر بين هذين الحزبين الكبيرين، فكل حزب يمر من المعارضة إلى الحكم ثم من الحكم إلى المعارضة، بل وأحيانا يشتركان في السلطة، كما في النظام السياسي المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يمكن توافر الاغلبية الساحقة للحزب المعارض لحزب الدولة لأسباب عدة، ولكن مع بقاء فجوة واسعة تفصل بين هذين الحزبين الكبيرين والاحزاب الصغيرة، يصعب على أي من هذه الأحزاب الأخيرة التغلب عليها أو تخطيها.

وإذا تجاوزنا بعض الإختلافات – ولو مؤقتا – فيما بين نظام الحزبين ونظام الأحزاب المتعددة، لخلصنا إلى أن كلا منهما يمثل بناءا طبيعيا لمفهوم الحزب السياسي المؤسس على حرية تكوين المؤسسات والجمعيات والمنظمات السياسية هذا بالإضافة إلى أن كلا من النظامين يقوم على مبدأ حيوي في الحياة السياسية الديمقراطية وهو حرية المعارضة، لكونها ظاهرة صحية في الحياة السياسية والتي تفتقر إليها النظم الديكتاتورية القائمة على نظام الحزب الواحد

المطلب الأول : مزايا و عيوب الثنائية الحزبية ومدى نجاحها

تنقسم دراستنا لهذا المطلب إلى فرعين : الفرع الأول ندرس فيه فلسفة الثنائية الحزبية و الفرع الثاني ونبين فيه المزايا والانتقادات التي وجهت للثنائية الحزبية.

الفرع الأول : فلسفة الثنائية الحزبية

الأسباب والظروف التي ادت في البلدان ذات التعدد الحزبي إلى اقامة عدة فواصل داخل الراي العام والمجتمع وانقسامها إلى أحزاب متعددة، لم تتوافر في بلاد الثنائية الحزبية سواء في بريطانيا، أو الولايات المتحدة الأمريكية

وإذا وضعنا جانبا النظام الانتخابي الذي يعزى إليه بصفة رئيسية قيام الثنائية الحزبية وبقاؤها، لوجدنا أنفسنا أمام ما قاله وردده الأستاذ موریس دیفرجيه في اكثر من موضع، إذ يقول بالرغم من ذلك كله تبدو الثنائية وكأنها طبيعية ونعني بذلك أن الاختبارات السياسية تظهر عادة بشكل ثنائي فليس هناك دائما ثنائية حزبية، ولكن هناك ثنائية ميول وإتجاهات،

وأمام ما خلفه التاريخ السياسي من مشاكل وتناقضات سواء بين الفرد والفرد. او الفرد والسلطة، أو المجتمع بجوانبه المختلفة، فإننا نجد بعض التيارات قد نشأت وبدأت تعمل وفق مبادئها لوضع الحلول لهذه التناقضات والمشاكل

ففي بريطانيا مثلا. وفي منتصف القرن السابع عشر كان هناك تيارات يتجاذبان الفكر السياسي، الأول يدعو إلى الإبقاء على الملكية المدعومة من فرنسا، والثاني يدعو إلى زيادة امتيازات وصلاحيات البرلمان اما في أواخر القرن الثامن عشر فكان على بريطانيا ان تختار بين مقاومة الافكار الثورية الأتية من فرنسا أيضا، وبين تلقيها بقبول حسن.. وهكذا

الفرع الثاني : الثنائية الحزبية مزايا وانتقادات

 الكلام عما تتمتع به الثنائية الحزبية من مزايا وما يلحق بها من عيوب، يجب أن يبني على تحليل جذري لنظام الثنائية الحزبية في مقابل نظام تعدد الأحزاب، وهذا يتطلب فحص كافة الظروف التاريخية والتراكيب الاجتماعية وعلاقة المؤسسات السياسية بعضها ببعض، لمعرفة مدى اسهام هذا النظام أو ذاك في خدمة مختلف جوانب الحياة السياسية لأي مجتمع سياسي يعيش او ينشأ فيه

فإذا كان البعض يرى ان في نظام الحزبين تمكين للناخب من اختيار اعضاء البرلمان واعضاء الحكومة دفعة واحدة وبنفس عملية الانتخاب، فإن ذلك أيضا يتم في نظام الأحزاب المتعددة، ولكن الذي يميز الأول عن الثاني هو تجانس الحكومة بسبب تشكيلها من حزب واحد وبرئاسة زعيم واحد، الأمر الذي يبقيها في الحكم سنوات طويلة يمكنها من تنفيذ المشروعات طويلة الأجل، مع الشعور التام بالمسؤولية السياسية داخل البرلمان. هذا التجانس يعطي انعكاسا ايجابيا على رئيس الحكومة الذي يصبح هدفه الأول والأخير هو تحقيق الوعود العامة التي قطعها الحزب على نفسه لجمهور الناخبين في إطار السياسة العامة للدولة، وليس التفرغ لجمع شتات التألف الوزاري كما هو الحال في نظام الأحزاب المتعددة

صحيح أن نظام الحزبين يخفي بعض الاتفاقات والتحالفات، ولكنها تبقى في ذات الإطار الداخلي للحزب، وتعمل دائما على تقويته عن طريق إمداده بالخبرات المختلفة التي يستقطبها ويضمها كل من الحزبين الكبيرين، أما الأثر المباشر لتجميع هذه الاتجاهات المتقاربة داخل أحد هذين الحزبين الكبيرين، فهو اتسامها بالمرونة الواسعة التي تكسب المناقشات الداخلية للحزب، وأحيانا الخارجية (التصويت في البرلمان) صفة الحرية في التعبير،

والنظام النيابي لم ينم ويترعرع ويلاقي نجاحا وانتشارة إلا في البلاد التي يتنافس فيها حزبان تنافسة شريفة نزيهة.

وقد أجمع الفقه الفرنسي وأساتذة القانون فيها على أن تعدد الأحزاب وانقسامها على بعضها، وفقدان روح التنظيم الحزبي الذي شهدته التعددية الفرنسية، هي التي اساءت إلى صورة التمثيل النيابي في أذهان المواطنين الفرنسيين، وأوجدت نوعا من الاشمئزاز واليأس والقنوط الذي أدى في 13 يناير 1958 إلى نجاح الحركة التي قام بها قسم من الجيش وحملت الجنرال ديغول إلى كرسي الرئاسة الأولى.

اما القول بان النظام الملكي يصاحبه الاستقرار بخلاف النظام الجمهوري المتغير وغير الثابت، فهو قول غير دقيق، لأن الاستقرار وعدمه لا يرجعان إلى طبيعة نظام الحكم ملكيا كان أو جمهوريا، بقدر ما يرجع إلى طبيعة العمل الحزبي السائد في أي نظام سياسي

ففي المملكة المتحدة ونظامها ملكي، والولايات المتحدة الأمريكية ونظامها جمهوري، استقرار في الحكم، وذلك لقيامه على حزبين كبيرين، يتولى احدهما الحكم ويتولى الآخر المعارضة، مع إحساس كل منهما بمدى المسؤولية الملقاة عليه

ولهذا يرى بعض الفقه انه لو كانت التعددية التي شهدتها فرنسا وقاست منها الكثير وخاصة إبان الجمهورية الرابعة، موجودة في هذين البلدين (امريكا وبريطانيا) الحل التقلقل والاضطراب محل الثبات والاستقرار.

ومع هذه المزايا التي امتازت بها الثنائية الحزبية والتي كانت وراء إعجاب كل من الفقة الدستوري والسياسي، كان هناك أيضا بعض العيوب التي وجهت لهذا النظام، سواء على الصعيد الحزبي أو الصعيد السياسي

الفرع الثالث : عيوب الثنائية الحزبية

أولا : فعلى الصعيد الحزبي يرى الفقه أن هذا النظام يحتمل مقدارا كبيرا من قلة العدالة وذلك لما يلحقه من غبن لبعض الأحزاب

فالنظام الانتخابي الذي تلازمه الثنائية الحزبية والذي يعتبر ضرورية للمحافظة عليها، يبدو مجحفة بالنسبة للأحزاب التي لا تأتي في المرتبة الأولى أو الثانية

فحزب الأحرار مثلا، حصل في انتخابات 1994 على ثلاثة ملايين صوت دون أن تزيد حصنه في مجلس العموم على التسعة مقاعد، وفي سنة 1970 حصل على ستة مقاعد مع انه حصل على ما يقرب من مليوني صوت من الناخبين، أما في انتخابات 1979، فقد حصل على 14 مقعدا مع أن ستة ملايين صوت كانت لصالحه

ثانيا : اما على الصعيد السياسي، فيؤخذ على نظام الحزبين بانه لا يعبر عن المجموع الحقيقي للاتجاهات المختلفة داخل الرأي العام. صحيح أن المسائل المصيرية الحساسة غالبا ما يتجاذبها اتجاهان واسعان يضمان داخلهما فروقة ثانوية مختلفة. إلا أن ذلك لا يبرر عند هذا الرأي، إهمال هذه الاتجاهات في مسائل اخرى هي أحرى بإبراز نفسها دائما

ومهما يكن من أمر، فإن الثنائية الحزبية قد نجحت في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكانت سببا رئيسيا في استقرار الأنظمة السياسية لكل منهما، مما أفادت الدولتين في تقدمها العام وساعدت على تأصيل النظم الديمقراطية فيهما وتربية المواطنين تربية سياسية عالية قادتهم في النهاية إلى الانسجام السياسي التام

المبحث الثاني : الثنائية الحزبية بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني

فحيث يتاكد الفصل بين السلطات، وتتوحد السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة الذي ترجح كفته على البرلمان، نكون بصدد نظام رئاسي. أما إذا لم يؤخذ بمبدأ الفصل على النحو السابق وبمعناه اللفظي، وإنما قامت العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية على أساس من التعاون والتوازن، مع ثنائية الجهاز التنفيذي على النحو الذي فصلناه سابقا، فإننا نكون أمام نظام برلماني، وأمام كل نظام من هذه الأنظمة نجد تطبيقا حيا لهذه العلاقة بين السلطات، وذلك في كل من النظام السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، ونظام الحكم في بريطانيا.

فهذان النظامان السياسیان عرفا الثنائية بمعناها الدقيق الواضح، فوجد الحزب الحاكم ووجدت المعارضة، من خلال نظام حكم مختلف دستوريا.

وبهذا المعنى العام للثنائية بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، فإننا نقسم دراستنا لهذا المطلب إلى فرعين :

الفرع الأول : وتبحث فيه الثنائية الحزبية والمعارضة

الفرع الثاني: ونبحث فيه الثنائية الحزبية في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

المطلب الأول: الثنائية والمعارضة

تؤذي المعارضة دورها في نظام الحزبين بشكل واضح ومحدد المعالم، وذلك بسبب اعتدالها ووضوحها من ناحية، وطبيعة علاقاتها بالحزب الحاكم من ناحية أخرى

فبرغم فردية المعارضة في النظام الثنائي، إلا أنها تبقى دائما بعيدة عن التطرف والحدة في معالجتها للامور العامة، وانتقاداتها للحزب الحاكم وتقديمها للبدائل التي تراها مناسبة لحل كل ما يواجه المجتمع من مشاكل يعجز حزب الأغلبية عن معالجتها

هذا الإعتدال في المشاركة السياسية لحزب المعارضة تمليه طبيعة التنافس بينه وبين حزب الاغلبية، وفكرة التناوب التي تبقى لدى زعامة المعارضة فكرة تحمل مسؤوليات الحكم عاجلا أم آجلا

وإذا كان الإعتدال سواء في السلوك العادي للأفراد أو السلوك السياسي للجماعات، يؤدي إلى اختفاء أو إضعاف الفاصل بين المعرفة واللامعرفة، الإرادية واللاإرادية، مما يقلل وضوح الرؤيا تجاه بعض المواقف عند الناخبين، فإن نظام الثنائية الحزبية يضفي على المعارضة وضوحا تامة. خاصة في انجلترا بالرغم من اعتدالها، وذلك بسبب الحلول المختصرة التي يقدمها كل من الحزبين الحاكم والمعارض – مما يزيد في فعاليتها ويقوي من دعائم النظام الديمقراطي الذي تعيش فيه

ففي بريطانيا مثلا، حيث الثنائية المنضبطة والمعتدلة، يستطيع الراي العام أن يفهم إلى حد بعيد الفارق بين وجهة نظر حزب الأغلبية (الحاکم) وحزب الأقلية (المعارضة)، وبالتالي تبدو رؤيته لكل حزب واضحة يستطيع أن يقيمها في كل انتخاب عام يجري لاختبار اعضاء مجلس العموم، كل ذلك بإرادة شعبية واعية بعيدة عن أي التباسات أو غموض يحرمها من مغانم الديمقراطية السليمة.

والمعارضة في الولايات المتحدة الأمريكية ليست واضحة ومحددة المعالم مثلما هي في بريطانيا، حتى أن المعارضة في الأولى تبدو أقرب إلى مثيلتها في النظم التعددية كفرنسا والبلاد الاسكندنافية وسائر البلاد التي تأخذ بنظام التمثيل النسبي.

المعارضة في بريطانيا :

يعتمد نظام الحكم في بريطانيا على وجود حزبين رئيسيين في مجلس العموم، ومع ذلك هناك فرصة لتمثيل الأحزاب الأخرى.

والحزب الذي يفوز بغالبية المقاعد في الانتخابات العامة هو الذي يشكل الحكومة عادة، ويصبح رئيس هذا الحزب هو رئيس مجلس الوزراء بتكليف من التاج. أما حزب الأقلية فيشكل المعارضة وتعرف باسم معارضة جلالة الملك، أو الملكة حسب الأحوال

وللمعارضة زعيمها ويشكل مجلس وزراء الظل وتفصيل ذلك أن يكون هناك عضو في المعارضة يتابع نشاط وزارة معينة، ويرشح لتولي المنصب في حالة سقوط وزارة الأغلبية، وبالتالي نستطيع في هذه الحالة تسميتها بالحكومة البديلة

إن واجب المعارضة في النظام البريطاني أو غيره من الأنظمة الديمقراطية السليمة ليس فقط التربص أو انتظار سقوط حزب الأغلبية للإنقضاض على البرلمان وتشكيل الوزارة من رجالها، وإنما أيضا من واجبها معارضة الحكومة وانتقادها.

فالتقاليد الدستورية الإنجليزية تملي دائما أن تكون هناك معارضة قوية وبناءة ومسؤولة لأنها تدرك أنه فيما لو تغيرت الظروف ودعي حزب الأقلية الممثل للمعارضة لتشكيل حكومة في المستقبل، فإن الوعود او النقد المنسوب للمعارضة سوف يحسب عليها، لذلك فعلى المعارضة في بريطانيا أن تفكر مرتين في سياستها التي تتبعها في كشف العيوب وتسليط الأضواء عليها عن طريق النقد الموجه للحكومة سواء من خلال الأسئلة أو الإستجوابات الموجهة للوزراء، أو عن طريق الرد على خطاب العرش .

المطلب الثاني : الثنائية الحزبية بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية

يتميز النظام السياسي لكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بثنائية التنافس الحزبي فيهما، كما عايشت كل من (بلجيكا، تركيا، نيوزيلاندا، استرالياء السويد، كندا وبعض الدول اللاتينية) الثنائية الحزبية ايضا، ولكنها كانت ظاهرة عابرة ومتقطعة عاشتها وما زالت تعيشها بعض الدول لفترة محدودة من الزمن

لذلك يذهب أغلب الفقه إلى اعتبار الثنائية الحزبية ظاهرة خاصة بالبلاد الأنجلو أمريكية

ومع ما يتمتع به النظام الحزبي الأمريكي من مزايا وما يقدمه لنظام الحكم من استقرار، ما زال الأمريكيون ينظرون إلى النظام الحزبي البريطاني نظرة تقدير وإعجاب، لما يوفره هذا النظام من توازن و تعاون على المستويين الرسمي والسياسي من خلال التنسيق الدقيق القائم بين اطرافه، سواء كانت في الحكم أو في المعارضة ولذلك بذلت كثير من الجهود في سبيل إجراء اصلاح حزبي في الولايات المتحدة بقربها من بريطانيا، إلا أن ذلك لم يسفر حتى الآن عن أية نتائج تذكر.

وما زالت الفروق بين النظامين قائمة حتى الآن، مما جعلها محل مقارنة عند كثير من الفقه الدستوري والسياسي

وسنتناول المقارنة بين كل من النظامين في ثلاثة جوانب رئيسية الثبات، المرونة والمركزية، وسيكون كل جانب من هذه الجوانب محل دراسة مستقلة .

أولا – ثبات الثنائية:

بدأت الثنائية الأمريكية في الظهور مع استمرار المنافسة التي قامت بين المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة الأمريكية: جيفرسون Jefferson وهاميلتون Hamilton والتي كان من نتائجها ظهور الجمهوريين Republicans الذين دافعوا عن حقوق الولايات المتحدة في مواجهة دول الاتحاد، والفدراليين Fedralists الذين نادوا بتوسيع اختصاصات وسلطات دولة الاتحاد، إلا أن الثنائية لم تتضح وتستقر تماما إلا مع انتخابات الرئاسة عام 1828 حيث التفت الديمقراطيون حول جاكسون Jackson والوطنيون الجمهوريون حول آدمز Adams وكلاي Clay

وبرغم ما أحدثته الحروب الأهلية الأمريكية من غموض في اتجاهات الأحزاب وتنظيماتها، إلا أنها لم تغير من طبيعتها الثنائية والتي يمثلها منذ تلك الفترة، كل من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي دون السماح لحزب ثالث بمنافستهما على القمة، على الرغم من ظهور محاولات عدة من مجموعات مختلفة، إلا أن عملها في الغالب لم يتعد النطاق المحلي للولايات

وعلى خلاف الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر في بريطانيا حزب ثالث ونجح في منافسة الحزبين الكبيرين على السلطة إلى أن استبعد احدهما وحل محله لتعود بريطانيا إلى الثنائية الحزبية من جديد.

فمع بداية القرن العشرين ومع انتشار المبادىء الاشتراكية ظهر حزب العمال لينافس كلا من حزب المحافظين والاحرار اللذين يعتبران امتدادا لثنائية التنافس السياسي الذي كان قائما بين حزبي التوريز Tories والویجز (Whigs)، إلى أن تمكن من استبعاد أحدهما عن القمة وهو حزب الأحرار الذي يحاول اليوم استعادة مكانته عن طريق التحالف مع الديمقراطيين الاشتراكيين

مما تقدم يتبين لنا انه في الوقت الذي تتميز به الثنائية الحزبية الأمريكية بالثبات وعدم التذبذب، فإن الثنائية البريطانية قد لحق بها بعض الشروخ التي خلعت عنها ثوب الثبات والاستقرار في فترات متقطعة منذ بداية هذا القرن، ولكن دون أن تحولها نهائية إلى صورة من صور التعدد.

ثانيا – المركزية

تختلف الثنائية البريطانية عن الثنائية الأمريكية ايضا من ناحية البناء العام للأحزاب وأسلوب العمل داخل وحدات كل منها

فعلى حين تمتاز الأحزاب البريطانية بشدة مركزيتها مما يعطيها قوة وتماسكة وسيطرة تامة على الناخبين – تزداد عند حزب العمال وتقل عند حزب المحافظين – تذهب اللجان في الولايات المتحدة الأمريكية إلى إضعاف هذا التماسك والتشبث بإستقلاليتها من خلال ارتباط لجان الدوائر Prencinct بلجان المقاطعات الكبرى Counties، التي لا تتلقى تعليماتها من اللجان القومية في عملها، وإنما من لجان الولايات States فقط، مما يضفي على اللجان القومية هالة من الضعف وعدم السيطرة والتي كانت وما زالت محل انتقاد كثير من الفقه الدستوري والسياسي، لذا يری البعض أنه من الصواب الكلام عن خمسين حزبا ديمقراطية وخمسين حزب جمهورية يستقل بعضها عن البعض بدل الكلام عن حزب ديمقراطي أو جمهوري واحد

فالاستقلالية وعدم الانضباط اللتان تتميز بهما الأحزاب الأمريكية، دفعت البعض إلى تشبيهها بالاحزاب الفرنسية اكثر منها بالأحزاب البريطانية، لأن عدم الانضباط هذا ليس داخلية فحسب، ولكنه يمتد إلى بعض المسائل التي يجب مواجهتها بشيء من الانضباط ووحدة القرار

وإذا كان البعض قد حاول ربط المركزية بنظام الانتخاب الفردي ذي الدورة الواحدة، فإننا لا نرى لهذه المحاولة قبولا في الواقع، وخاصة إذا نظرنا إلى ما يسود الأحزاب الأمريكية من إسراف في الطبيعة اللامركزية، مع أن كلا من النظامين يعايشه نفس النظام الانتخابي، بل أكثر من ذلك، فقد أشار الفقه مرارة إلى أن نظام الانتخاب الفردي يتم في دوائر انتخابية صغيرة، مما ينقل المعركة الانتخابية إلى المستوى المحلي فيزيد اللامركزية بدلا من اضعافها

ولهذا المركزية البريطانية ليست ناتج نظام انتخابي معين، بل هي نتيجة عوامل متعددة أهمها البعد الأيديولوجي وطرق تمويل الأحزاب، وسعي الأحزاب إلى تحقيق تركز وسعي الأصوات وعدم تشتتها حتى لا يسمح لمرشح أن يخوض المعركة الانتخابية بعيدا عن الحزب، بالإضافة إلى طريقة التوزيع الإقليمي لمقاعد مجلس العموم البريطاني

ثالثة – المرونة

من أهم المشاكل التي تواجه الأحزاب الأمريكية وكانت محل انتقاد الكثير من الفقه، هي افتقارها لقاعدة أيديولوجية تقوم عليها ونعمل من أجلها، وبرامج محددة واضحة تساعد الناخبين على تحديد انتمائهم الحزبي. وهذا ما يجعلها تضم عناصر مختلفة ومتعددة ذات اتجاهات تصل في بعض الأحيان حد التنافر والمواجهة، والتي لا يجمعها إلا سعيها وراء احتلال المراكز السياسية والإدارية في الدولة

وقد عبر أحد الفقهاء الأمريكان عن ذلك بقوله: “أن الحزب في أمريكا لا يمكن أن يشبه بالجيش أو الكنيسة، وهو ليس أسلوبا في الحياة، فالحزب لا يطلب من أعضائه سوى بطاقاتهم الانتخابية وبعض الدولارات، وإذا أرادوا بعض الساعات من وقتهم لملء مكاتب الحزب ولصق الخطابات.”

والأحزاب الأمريكية وهي تتصف بهذا الوصف، تظهر مقدرة فريدة على الاحتفاظ بالنظام الحزبي الثنائي بالرغم من تحديات الاتجاهات المختلفة داخلها

ويعلل البروفسور ماکیفر قدرة هذه الأحزاب على الاحتفاظ بطبيعتها، بالوظيفة المزدوجة التي يؤديها هذا النظام على المستويين الفدرالي والمحلي. فيقرر على المستوى الفدرالي مصير النظام السياسي العام للولايات المتحدة الأمريكية انا عمله المحلي والإقليمي فيقتصر على الولايات بما تحويه من اختلافات اجتماعية وثقافية ويتطلب هذا بطبيعة الحال نفقات مالية واسعة ومتنوعة الأمر الذي يوجه الصراع الحزبي المحلي نحو وضع اليد على هذه النفقات أكثر مما يتناول المباديء

اما الاتفاق بين الحزب المحلي والقومي فلا يكون إلا عرضية أو تقليدية. ولهذا فاكثر ما يوصف به الحزب الأمريكي أنه ليس أكثر من رابطة ضعيفة لا يجمعها إلا سعيها وراء السلطة

وبقدر ما تتصف به الأحزاب وبرامجها من غموض وعدم وضوح، نجدها في المقابل تمتاز بالمرونة الكافية لإعطاء أعضاء الحزب من ممثلي الشعب فرصة التصويت ضد مشروع قرار أو قانون يتقدم به الحزب في بعض الأحيان.

اما في بريطانيا فالوضع يكاد يختلف تماما عما هو في الولايات المتحدة الأمريكية . حيث الطابع الأيديولوجي المميز لحزب العمال مما يجعل برامجه واضحة في مقابل حزب المحافظين الذي يتبنى موقفا عكسية تجاه الأفكار الاشتراكية التي تسيطر على برامج حزب العمال. وبالتالي تكون المحصلة، وضوح برامج كل منهما وسعيهما إلى تحقيقها من خلال فرض نظام قد يتصف بالصرامة والدقة على أعضاء الحزب، ومن ثم اعضاء الحزب، وبالتالي ابعادهما عن المرونة التي تتصف بها الأحزاب الأمريكية

كل ذلك ينعكس على انتقال المواطن الأمريكي من حزب إلى حزب ويجعله يسيرا أو امرا طبيعيا، بعكس المواطن البريطاني المتشبث باتجاه المخلص لحزبه، لهذا يقال بانه ليس من عادة الانجليزي الانتقال من حزبه إلى حزب أخر بالسهولة التي يغير بها المرء ثوبه، بل يلجأ إلى ذلك في الضرورة القصوى مع اعتقادهم بانهم يعملون للمصلحة الوطنية

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!