التنفيذ الجبري

التنفيذ الجبري للمقرر القضائي

التنفيذ الجبري

بعد صدور القرار الإستئنافي أو الحكم الإبتدائي المشمول بالنفاذ المعجل تبدأ مرحلة أخرى من مراحل النزاع، وتتمثل هذه المرحلة في تنفيذ منطوق المقرر القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به في مواجهة المحكوم عليه، ويتكلف بهذا التنفيذ عون لتنفيذ الذي يمكن أن يكون إما مفوضا قضائيا پمارس في إطار مهنة حرة أو کاتب ضبط موظف لدى المحكمة التي تشرف على التنفيذ، ولا يتم تنفيذ المقررات القضائية تلقائيا وإنها بناء على طلب من الطرف الذي صدر المقرر لصالحه.

وتتمثل المرحلة الأولى للتنفيذ في ضرورة تبليغ المقرر الحائز لقوة الشيء المقضي به للمنفذ عليه من طرف العون المكلف بالتنفيذ، وينذره هذا الأخير بتنفيذ الحكم داخل أجل يحدده القانون، وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين إحتمالين، الإحتمال الأول هو الذي يقبل فيه المنقذ عليه تنفيذ الحكم الصادر في مواجهته بشكل إرادي، الإحتمال الثاني هو الذي يرفض فيه التنفيذ أو يصرح بعدم قدرته على ذلك، وفي هذه الحالة الأخيرة فإن طالب التنفيذ بإمكانه اللجوء إلى إحدى طرق التنفيذ الجبري المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية في مواجهة المنفذ عليه.

 وتستوجب دراسة طرق التنفيذ الجبري للمقررات القضائية أن نقوم في البداية بتصنيفها، وعلى الرغم من تنوع التصنيفات التي تبناها الفقه فإن التصنيف الذي  يبدو أكثر وجاهة هو الذي يميز بين تلك الطرق على أساس طبيعة الإلتزام الذي حكم على المنفذ عليه بتنفيذه، وهو التصنيف نفسه الذي تم إعتماده على مستوى القانون المدني، وبعد أن تفرغ من ذلك سنقوم بدراسة كل طريقة من طرق التنفيذ بغية تحديد القواعد القانونية التي تخضع لها خلال مختلف المراحل التي تمر منها وكذا الحلول التي ينبغي سلوكها لتسوية كافة الصعوبات والعوارض التي تعترض التنفيذ.

تصنيف وسائل التنفيذ الجبري:

 بالرجوع لقانون المسطرة المدنية نجد أن المشرع المغربي ميز بين ثلاث وسائل لتنفيذ الأحكام تنفيذا جبريا، الوسيلة الأولى أقدمهم على الإطلاق وهي التي تقع على المنفذ عليه في شخصه ، الوسيلة الثانية هي التي تم تنفيذ التزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عنه، أما الوسيلة الثالثة فهي التي تقع على أموال المدين وتمكن طالب التنفيذ من إستيفاء دينه من الأموال التي يتم تحصيلها بعد البيع.

المبحث الأول: التنفيذ على شخص المدين:

يتعين أن يقع التنفيذ من حيث المبدأ على أموال المدين، غير أنه إذا إستحالة ذلك بفعل المدين نفسه فإنه يمكن توجيه التنفيذ في مواجهة شخص المدين قصد حثه على تنفيذ المقرر الصادر في مواجهته، وبالنظر لمساسها بالسلامة البدنية للأشخاص المنفذ عليهم فإن المشرع المغربي إسوة بغيره من المشرعين قام بالتقليص من مجال هذه الوسائل بشكل كبير تماشيا مع ما نصت عليه العديد من الإتفاقيات والمواثيق الدولية

المطلب الأول: الإكراه البدنية:

لسنا في حاجة للتذكير بأن الإكراه البدني كوسيلة من الوسائل التي يمكن إعتيادها قصد تنفيذ المقررات القضائية بعد الأقدم على الإطلاق، إذ پر جمع أعماله إلى ما يفوق آلاف السنين حينما كان المدين أيا كان السبب وراء عجزه عن تنفيذ المقرر الصادر في مواجهته، يتعرض لشتى وسائل التعذيب التي تمس سلامته البدنية، وبالنظر الطبيعته فإن الإكراه البدني لا يهم إلا المقررات التي تحكم على المدين بأداء مبلغ معين الفائدة طالب التنفيذ،

وتمكن هذه الوسيلة على الرغم من سلبياتها من ممارسة ضغط نفسي على المدين قصد حثه على التنفيذ، غير أنها لا يمكن أن تأتي أكلها إلا إذا كان المدين ميسرا، وتصبح غير ذات جدوى كلما كان هذا الأخير في حالة إعسار حقيقي، وبالنظر هذا المعطى فقد مكن المشرع المغربي المحكوم عليهم بأداء مبلغ مالي معين من تفادي الإكراه البدني في حالة ما إذا تمكنوا من إثبات عسرهم بأية وسيلة.

ولا يمكن تنفيذ الإكراه البدني إلا إذا لم تسفر محاولات التنفيذ الجبري عن أية نتيجة، ويتعين في هذه الحالة على العون المكلف بالتنفيذ أن يقوم بتحرير محضر الامتناع أو محضر عدم وجود ما يحجز ويسلمه لطالب التنفيذ، ويمكنه أن يقوم بناء على طلب طالب التنفيذ بتبليغ المحضر بنفسه للنيابة العامة لتأمر بتنفيذ الإكراه البدني إذا ما تم الحكم به في المقرر القضائي المراد تنفيذه، أما إذا لم يتم الحكم به لأن المدعي لم يطالب به في مقاله فإنه يتعين على هذا الأخير التقدم بطلب رامي إلى الحكم به أمام رئيس محكمة التنفيذ.

وتختلف مدة الحبس التي يمكن أن يحكم بها على المكره مدنيا حسب قيمة الدين العالق بذمته، وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 638 من قانون المسطرة الجنائية نجد أن المدة القصوى للإكراه البدني لا يمكن أن تتجاوز خمسة عشر شهرا.

المطلب الثاني: التنفيذ بالقوة:

 تمكن هذه الوسيلة من إستعمال القوة قصد تنفيذ المقرر القضائي الحائز القوة الأمر المقضي به في مواجهة المنفذ عليه، ولم يحدد المشرع المغربي الحالات التي يمكن فيها إستعمال هذه الوسيلة، وبالرغم من ذلك يمكن القول بأن اللجوء إليها غالبا ما يتم من أجل تنفيذ مقرر بهم الإلتزام بالقيام بعمل على غرار الحكم بالإفراغ.

المبحث الثاني: التنفيذ بالطبيعة والتنفيذ بالمقابل :

 يجب أن يكون التنفيذ من حيث المبدأ مباشرة، ويكون الهدف من الوسائل المعتمدة فيه هو إجبار المنفذ عليه على تنفيذ المقرر القضائي الصادر في مواجهته، إلا أنه إذا ما ثبت إمتناع المنفذ عليه عن تنفيذ الحكم فإن مقتضيات قانون الإلتزامات والعقود تسمح له باستعمال التنفيذ بمقابل، ولا يمكن إستعمال هذه الطريق من طرق التنفيذ إلا في الحالات التي يحددها القانون على سبيل الحصر، أما في غيرها فإن طالب التنفيذ لا يمكنه أن يأمل إلا إلى الحصول على تعويض عن الأضرار التي تكبدها.

المطلب الأول: التنفيذ بالطبيعة:

 التنفيذ بالطبيعة والذي يصطلح عليه أيضا بالتنفيذ المباشر، هو الذي يهدف إلى إجبار المدين على تنفيذ الإلتزام موضوع المقرر المراد تنفيذه، ويمكن إستعمال هذه الوسيلة في الحالة التي يكون فيها الإلتزام إما التزاما بالقيام بعمل أو بالإمتناع عنه.

 فإذا إمتنع المنفذ عليه عن تنفيذ الإلتزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عنه فإنه يتعين على العون المكلف بالتنفيذ أن يحرر محضرا يعاين فيه ذلك الإمتناع، ويمكن بأمر من رئيس محكمة التنفيذ الصادر الحكم في دائرتها استنادا على المحضر المذكور أن يحكم على المنفذ عليه بأداء غرامة تهديدية.

 کما تجدر الإشارة إلى أن رفض تنفيذ التزام بالقيام بعمل أو الإمتناع عن القيام بعمل يمكن أن يشكل أساسا لدعوى التعويض، ويمكن لطالب التنفيذ أن يرفع هذه الدعوى في إطار القواعد العامة أمام المحكمة التي أصدرت الحكم المطلوب تنفيذه.

المطلب الثاني: التنفيذ بمقابل:

تمكن هذه الطريقة من التنفيذ من بلوغ نفس النتيجة التي يؤدي إليها التنفيذ المباشر، غير أن مجالها يبقى جد ضيق بالمقارنة مع سابقتها، إذ لا يمكن اللجوء إليها إلا في إحدى الحالتين اللتين حددهما المشرع.

 الحالة الأولى هي التي تم التنصيص عليها في الفصل 261 من قانون الإلتزامات والعقود، وتتعلق هذه الحالة بتنفيذ إلتزام بتنفيذ عمل لا يرتبط بشخص المنفذ عليه، ويمكن لطالب التنفيذ في هذه الحالة الحصول على إذن من المحكمة المختصة قصد تنفيذ الالتزام بنفسه على نفقة المنفذ عليه.

الحالة الثانية هي التي تتعلق برفض تنفيذ التزام بالإمتناع عن القيام بعمل، وطبقا لمقتضيات الفصل 262 من نفس القانون فإن طالب التنفيذ بإمكانه المطالبة بإزالة آثار ما تم القيام به خرقا لهذا الإلتزام، ويتم تنفيذ ذلك على نفقة المنفذ عليه.

المبحث الثاني: التنفيذ على أموال المدين:

  تعتبر هذه الوسيلة من وسائل التنفيذ الأكثر فعالية على الإطلاق. ولا يمكن إستعمالها إلا إذا قضى المقرر القضائي المراد تنفيذه على المدين بأداء مبلغ معين من المال، ويؤدي إعمالها إلى الحجز على أموال المدين، ويمكن إيقاع الحجز على كل الأموال سواء أكانت منقولات أو عقارات، ويتم تخصيص المحجوزات لأداء كافة الديون المتخلدة في ذمة المدين و الثابتة من خلال سندات تنفيذية.

وبعد بيع أموال المدين في المزاد العلني وفق مسطرة خاصة فإن المبالغ المحصلة من ذلك يتم وضعها رهن إشارة مطالب التنفيذ، أما إذا تعرض دائنون آخرون أثناء إجراءات التنفيذ فإن المبالغ المحصلة يتم توزيعها بينهم طبقا لقواعد التوزيع المحددة قانونا.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!