التطليق للضرر

التطليق للضرر : من واجب كل زوج تجاه الآخر أن يحسن عشرته ويحترمه حتى تكون بينهما السعادة والهناء، غير أنه في بعض الأحيان قد يتضرر أحدهما من الطرف الآخر وبالتالي يصبح دوام العشرة بينهما جحيما، وأسباب الضرر كثيرة ومتنوعة ترجع أحيانا إلى ارتكاب أحد الزوجين مع الآخر قولا أو فعلا لا يليق بأمثاله، مما يدفع الزوج المتضرر (و غالبا الزوجة) إلى رفع الأمر إلى المحكمة طالبا التفريق بينه وبين الزوج الذي أساء معاملته.

يتضح من خلال الأسباب المبررة للتطليق والمضمنة في المادة 98 من مدونة الأسرة أن التطليق للإخلال بشرط من شروط الزواج هو سبب التطليق مستقل عن التطليق للضرر، غير أن المشرع يعتبرهما من باب المترادفين كما يبدو ذلك من عنوان الفرع الموالي الخاص بعرض تلك الأسباب وكذلك من خلال مقتضيات المادة 99 من نفس المدونة التي تقضي بأنه: يعتبر كل إخلال بشرط في عقد الزواج ضررا مبررا لطلب التطليق.

تعريف الضرر المبرر لطلب التطليق :

يعتبر ضررا مبررا لطلب التطليق، كل تصرف من الزوج أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية. ولقد سبق للاجتهاد القضائي، سواء على مستوى محاكم الموضوع أو على صعيد محكمة النقض، أن تعرض أكثر من مرة القضايا الضرر الذي يمكن أن يتدرج في إطار المادة 99 المذكورة أعلاه كما هو الشان بالنسبة للسب والشتم والضرب والجرح، أو لانعدام الكفاءة لكون الزوجة متينة والزوج فاسد الأخلاق، أو اتهام الزوج لزوجته بالزنا، أو بقاء الزوجة بكرا عذراء منذ تزويجها وهي في بيت الزوجية مع زوجها في فراش واحدة، أو حصول العقم بفعل الزوج وإرادته قصد الإضرار بالزوجة الثانية حتى لا تنجب منه يعتبر إضرارا يبرر التطليق،

فكل الأسباب المذكورة أعلاه تعد سلوكا مشينا مخلا بالأخلاق والكرامة يلحق بالزوجة ضررا ماديا ومعنويا يجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية وبالتالي يبرر تطليقها للضرر.

وهذا ما كرسه أيضا الإجتهاد القضائي في ظل مدونة الأسرة حيث اعتبرت العديد من المحاكم على سبيل المثال- أن الوقائع المؤسس عليها طلب التطليق والمتمثلة في اغتصاب المدعى عليه لإبنته القاصرة ثابتة في حقه (بموجب قرار جنحي) فعل مشين ألحق بالزوجة إساءة مادية ومعنوية، أو اعتداء الزوج علی زوجته بالضرب المبرح، أو إتيان الزوج أفعال الفساد والسكر العلني والاتجار في المخدرات، أو عدم الدخول بالزوجة واتمام الزواج معها”، وادعاء الزوج بأن البنت… ليست من صلبه دون إدلائه بحجج أو سلوك مسطرة اللعان”، أو إدانة الزوج من أجل محاولة قتل زوجته,… تشكل (أي هذه الوقائع) سلوكا مشينا ألحق إساءة بالزوجة جعلها غير قادرة على الإستمرار في العلاقة الزوجية، مما يبرر التطليق للضرر.

فالقضاء في أحكامه وقراراته اعتمد على الضرر، سواء كان ماديا أو معنويا، للنطق بالتطليق وكذالك سواء وقع هذا الضرر قبل الدخول أو بعده لأنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 99 من مدونة الأسرة يتضح أنها تعرف الضرر المبيح التطليق دون أن تميز بين الزوجة المدخول بها وغير المدخول بها، كما أنها لم تقيد الضرر اللاحق من الزوج بالزوجة، لا ببيت الزوجية ولا أثناء المعاشرة.

القضاء و دوره في مسطرة التطليق بسبب الضرر

اعتمد القضاء على ما تتضمنه الأحكام الأجنبية من وقائع تثبت الضرر المبرر للتطليق، لأن مضمون الحكم الأجنبي يشكل وقائع مادية يعتمد عليها في إثبات الضرر للتطليق، أو بناء على الشهادة الصادرة عن القاضي المكلف بالتوثيق بإحدى القنصليات المغربية التي تثبت معاشرة الزوج خليلته بصفة غير شرعية لأنها تعتبر وثيقة رسمية.

وفي هذا الشأن، ذهبت محكمة النقض في أحد قراراتها إلى أن الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية أو الأجنبية يمكنها حتی قبل صيرورتها واجبة التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها، وأن استبعاد المحكمة لها لإثبات الضرر المبرر للتطليق بعلة أن الضرر بفرنسا ليس هو الضرر بالمغرب لاختلاف الدين والعادات، في حين أن أطراف النزاع مسلمين مغربيين وأن مفهوم الضرر واحد بالنسبة إليهما لا يمكن تجزئته على النحو المذكور مما يكون معه القرار المطعون فيه قد خالف مقتضيات الفصل 418 من قانون الإلتزامات والعقود

ومهما يكن من أمر، يبقى الضرر واقعة مادية تثبت بكل وسائل الإثبات، كالقرائن وشهادة الشهود الذين تستمع إليهم المحكمة في غرفة المشورة وذلك حفاظا على أسرار الأسرة وإمكانية الإصلاح بين الطرفين، كما يمكن أن يثبت الضرر بكل وسائل التحقيق التي تراها المحكمة مفيدة، كإجراء البحث والمعاينة والخبرة، غير أنه يبقى دائما للمحكمة سلطة تقديرية في تقييم الأدلة والحجج المعروضة عليه،

فمن أجل التطليق للضرر على الزوجة أن تثبت الضرر الذي يتعذر معه استمرار العلاقة الزوجية لأن المسألة موضوعية تندرج في إطار السلطة التقديرية للمحكمة غير الخاضعة لرقابة محكمة النقض إلا من حيث التعليل. فإذا اقتنعت المحكمة بوجود ضرر مبرر للتطليق عند إثبات الزوجة لما تدعيه، حكمت مباشرة وفق طلبها، أي تطليقها للضرر من زوجها، ولا يشترط في الضرر أن يتكرر، بل يكفي إثبات وقوعه ولو لمرة واحدة لدرجة يتعذر معه استمرار العشرة.

 ويكون التطليق للضرر بائنا طبقا مقتضيات المادة 122 من مدونة الأسرة، أي تطليق الزوجة المدعية من عصمة زوجها المدعى عليه طلقة واحدة بائنة تملك بها أمر نفسها. فالحكم به يتضمن ما تحفه الزوجة والأطفال بالكيفية المحددة في المادتين 84 و 85 من مدونة الأسرة، ما يمكن للمحكمة أن تحدد في نفس الحكم مبلغ التعويض المستحق عن الضرر أو لاحقا إذا أغفلت المحكمة تحديد التعويض المستحق عن الضرر خلال مسطرة التطليق للضرر،

فالمحكمة تحدد مبلغ التعويض المستحق للزوجة طبقا للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الإلتزامات والعقود لأن هذا التعويض لايدخل ضمن المستحقات الأخرى (مستحقات الزوجة نتيجة الطلاق والتطليق) التي يمكن الحكم بها نتيجة التطليق،

 كما أن المحكمة لا تحكم به تلقائيا بل يتعين على المتضرر المطالبة به إما بمقال مكتوب أو بواسطة تصريح أمام المحكمة، ويكون للمحكمة السلطة التقديرية في الحكم بتعويض يناسب جسامة الضرر وآثاره، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار ما تم مراعاته عند تحديد المحكمة للمتعة التي تستحقها الزوجة والتي يراعى في تقديرها، بالإضافة إلى مدة قيام الزوجية والوضعية المادية للزوج، أسباب التطليق ومدى تعسف الزوج، الذي يشمل بالضرورة تلك الضرر الذي ألحقه بالزوجة ودفعها لطلب التطليق، غير أنه يتعين على المحكمة أن توضح العناصر التي اعتمدتها لتحديد أي مبلغ ستحكم به للزوجة.

أما إذا لم تستطع الزوجة إثبات الضرر المبرر للتطليق، أو أن الوسائل الإثباتية المدلى بها غير كافية، وأصرت على طلب التطليق في هذه الحالة، فإنها تملك الحل القانوني الذي يمكن أن يوصلها إلى التطليق وذلك باتباع مسطرة الشقاق التي تحكمها المواد من 4 إلى 97 من مدونة الأسرة دون حاجة إلى فتح ملف جديد في الموضوع.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!