مسطرة التطليق للشقاق

التطليق للشقاق بين فلسفة المشرع وتجليات الواقع العملي

مقدمة:

التطليق للشقاق : عمل المشرع المغربي في السنوات الأخيرة على إدخال العديد من الإصلاحات والتعديلات الجوهرية على المنظومة القانونية بهدف ملاءمتها مع المرجعية الدولية لحقوق الإنسان من جهة، وجعلها مواكبة للتحولات الهيكلية التي عرفها المجتمع المغربي من جهة أخرى، فالنهوض بحقوق الإنسان، واحترام الحقوق والحريات، ونشر ثقافة المساواة ، وتحسين الحياة الاجتماعية بوجه عام، واعادة الاعتبار الوضعية المرأة ورفع الحيف عنها على وجه الخصوص شکل انشغالا كبيرا للمملكة في الآونة الأخيرة.

ولقد تجسدت أهم هذه الإصلاحات في التغييرات التي عرفتها تشريعات الأسرة ، خاصة مدونة الأسرة التي شكلت بحق منعطفا مهما في الرقي بأوضاع الأسرة المغربية بالنظر لحجم الحماية التي أقرتها لكافة مكوناتها إن على مستوى الزواج، أو انحلال آثاره، وجعلت استمرار العلاقة الأسرية ضن أولوياتها، حيث اعتمدت ضمن فلسفتها العامة على إقامتها على أسس ومبادئ المساواة والتكافؤ والمعاشرة بناء على مبدأ التراضي وعلى مبدأي الاستقرار والدوام، وذلك من خلال جعل الطلاق والتطليق من الحالات التي لا ينبغي اللجوء إليها إلا استثناء وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين بعد تفعيل مساطر الصلح التي تعتبر إجبارية ومن النظام العام والتي تتم تحت مراقبة المحكمة

ورغبة من المشرع المغربي في الحفاظ على استقرار الأسرة من التفكك وخلق نوع من التوازن بين الزوجين في إنهاء العلاقة الزوجية أضاف لحالات التطليق الكلاسيكية لحالة التطليق بسبب الشقاق المنصوص عليها في المادة 94 إلى 97 من مدونة الأسرة والتي توخي من خلالها بالأساس إصلاح ذات البين بين الزوجين اللذين استحكم الخلاف بينهما بسبب الشقاق، مما يجعلنا نطرح التساؤل التالي:

هل استطاع المشرع المغربي من خلال تنصيصه على هذا المقتضى الحفاظ على استقرار الأسرة المغربية من الضياع والتفكك؟ وما هي النتائج العملية التي أسفر عنها تطبيق مقتضيات مسطرة الشقاق من خلال أقسام قضاء الأسرة المغربية؟

للإجابة على هذه الإشكالية ارتأيت تقسيم هذا البحث إلى مبحثين:

المبحث الأول: فلسفة التطليق للشقاق وآليات التفعيل

المبحث الثاني: المنحى التصاعدي لمعدلات للتطليق للشقاق وأسبابها

المبحث الأول: فلسفة التطليق للشقاق وآليات التفعيل

 إن مسطرة الشقاق وضعت في الأصل من أجل حل الخلافات ومنع استفحالها حفاظا على مصلحة الأسرة، فهي تهدف بالأساس إلى إصلاح ذات البين بين الطرفين وليس التطليق، ومن ثم فهي وضعت في الأصل من أجل تيسير الرجوع إلى الوفاق ومحاصرة أسباب النزاع من خلال عمل استباقي من المفروض أن يقوم به الحكمان أو مجلس العائلة ، وقد نبه الشيخ رشيد رضا إلى أن بعث الحكمين عند توقع الشقاق غايته الصلح قبل كل شيء آخر، لأن آية الشقاق بحسبه تشعر بأنه يجب على الحكمين إلا يدخرا وسعا في الإصلاح بين المتنازعين وألا يعمد إلى التطليق إلا إذا تعذر السداد والتوفيق بين المتنازعين ويصبح الفراق هو آخر الدواء، لذلك اقتضى البحث تقسيم الدراسة إلى مطالبين نتناول فيها, غاية المشرع من إقرار مسطرة التطليق للشقاق (الطلب الأول)، والآليات المعتمدة لحل الخلافات الناشئة عن ذلك (المطلب الثاني).

المطلب الأول: غاية المشرع من إقرار مسطرة التطليق للشقاق:

لقد سعى المشرع من خلال إقرار مسطرة التطليق بسبب الشقاق إلى حل النزاعات التي يمكن أن تعكر صفو الرابطة الزوجية، وذلك عندما نص على إمكانية مراجعة القضاء كل ما بدا للزوجين أو أحدها ظهور نزاع يخاف منه أن يؤدي إلى شقاق مستحكم لا سبيل إلى حله سوى باللجوء إلى ساحة المحكمة

وقد تناول المشرع هذا المقتضي من خلال القسم الرابع من الكتاب الثاني الخاص بالتطليق من المادة 94 إلى المادة 97 من مدونة الأسرة، مما يوحي في بداية الأمر أن مسطرة التطليق بسبب الشقاق ما هي إلا آلية من آليات الطلاق أضافها المشرع بغرض حصول أحد الزوجين على التطليق وفق إجراءات معينة وفي آجال محددة

في الحقيقة إن المقتضيات المتعلقة بمسطرة الشقاق هي مقتضیات جديدة جاءت بها المدونة توسيعا لدائرة الإرادة واقامة نوع من التوازن والمساواة بين الزوجين في إنهاء العلاقة الزوجية، ورفع الحرج عن العديد من النساء اللواتي لا يستطعن إثبات الضرر, ذلك أنه من الملاحظات التي أثيرت بصدد مناقشة مدونة الأسرة أمام مجلس البرلمان بخصوص هاته النقطة أن الزوج في غنى عن هذه المسطرة مادام متمتعا بحقه في الطلاق الذي يتم الإشهاد به أمام العدلين، وطرح سؤال عن جدوى إضافته للزوجة إلى جانب الحالات الأخرى المقررة لفائدتها؟

فكان جواب السيد وزير العدل آنذاك: “أن مسطرة الشقاق مقررة للزوجين معا، فبالنسبة للزوج فاختياره لهذه المسطرة بدلا من الإجراءات العادية المنصوص عليها في مادة 79 وبعدها من مدونة الأسرة فيه فائدة بالنسبة إليه بحيث توفر له هذه المسطرة فرصة المطالبة بالتعويض عن الضرر في مواجية الزوجة إذا كان له محل، أما بالنسبة للزوجة فإن المدونة أتت بهذه المسطرة الجديدة للتطليق بغاية رفع الحرج عن عدد من النساء اللواتي لا يستطعن إثبات الضرر من أجل التطليق طبق للمادة 100 من مدونة الأسرة…”.

إلا أن مثل هذا الكلام لا يمكن الأخذ به على إطلاقه، ذلك أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 94 من مدونة الأسرة يتبين بأن المشرع لم يكن هدفه من خلال التنصيص على مسطرة الشقاق إضافة سبب آخر للتطليق وانما كان الهدف هو حماية الأسرة وحل الخلافات والمشاكل التي تهدد استقرارها وتنذر بتفككها، حيث نصت المادة 94 المذكورة على أنه: “إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل النزاع بينها يخاف منه الشقاق وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 أعلاه”

فموضوع المسطرة إذن هو حل نزاع يخاف منه الشقاق، ذلك أن المشرع يتحدث هنا عن مجرد نزاع يخاف منه إن استمر من دون إيجاد حل له أن يفضي إلى الشقاق المؤدي إلى استحالة العشرة وبالتالي إلى إنهاء العلاقة الزوجية بالتطليق.

فمسطرة الشقاق في الأصل مسطرة وقائية إصلاحية بدليل أن المادة 94 من المدونة صريحة في تحديد موضوع طلب الزوجين وأحدهما في حل النزاع الذي نشب بينهما قبل أن يصير شقاقا يؤدي إلى انحلال الرابطة الزوجية، وبدليل أيضا أن هذا الطلب يقدمه أحد الزوجين أو كلاهما يلتمسان فيه من المحكمة إصلاح ذات البين ومساعدتها على إيجاد حل لخلافات نشأت بينها يعتقدان أن استمرارها سيعصف الاستقرار الأسرة، فالدور الأساسي المطلوب من المحكمة أن تضطلع به ليس هو حسم النزاع بين الزوجين بالتفريق وانما بذل الجهد واستقراغ الوسع من أجل التوفيق بين الزوجين في دور وقاني استباقي.

والمشرع من خلال مدونة الأسرة لم يحدد طبيعة النزاعات المخوفة من الشقاق عندما أشار إلى هذه المسطرة في المادة 94 من المدونة، لكن حيث إنه بالرجوع إلى المادة 52 من المدونة نجدها تنص على أنه: “عند إصرار أحد الزوجين على إخلال بالواجبات المشار إليها المادة السابقة (أي المادة 51) يمكن للطرف الآخر المطالبة بتنفيذ ما هو ملزم به أو اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 بعده”،

ومن ثم يمكن حمل النزاعات المخوفة من الشقاق على الإخلال بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، سيما وأن هاته الأخيرة تعتبر ذات أهمية بالغة في السير العادي للحياة الزوجية، فتخلف واجب المساكنة الشرعية بما تستوجب حسنة وعدل وتسوية عند التعدد واحسان كل من الزوجين وإخلاصه للأخ محصول شقاق بينها، علما بأن الإخلال بمثل هذه الواجبات يعتبر من أهم الأسباب المفضية إلى التطليق بسبب الشقاق على مستوى الواقع العملي.

كما أن مسطرة الشقاق تثار أيضا كمسطرة تابعة في حالة التطليق للضرر عندما تعجز الزوجة عن إثبات الضرر وتصر على التطليق ، وكذا في حالة الطلاق الخلعى عند رفض الزوج الاستجابة لطلب السبب من الأسباب اختلافه مع الزوجة على مبدئه أو على المقابل، وتطبق كذلك في حالة الطلاق الرجعي التي يقوم فيه الزوج بارجاع زوجته فتمتنع عن ذلك بعد إشعارها بالرجعة من طرف القاضي، كما تطبق كلما تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها ولم تطلب التطليق.

نخلص من كل ما سبق أن مسطرة الشقاق هي مسطرة وقائية هدفها الأساس والرئيس هو حل النزاعات الزوجية التي تهدد استقرار الأسرة، وتعصف بالغاية المتوخاة من الزواج الذي يعتبر میثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة تحت رعاية الزوجين.

فما هي الآليات التي منحها المشرع من خلال مدونة الأسرة لتحقيق هذه الغاية ؟

المطلب الثاني: آليات حل الخلافات القائمة بين الزوجين بسبب الشقاق

يحتل الصلح مكانة بارزة في الشريعة الإسلامية لأنه يقطع المنازعة، ويضع حدا للخصومة، ويؤدي إلى نشر المودة والوئام، ويحل الوفاق محل الشقاق، ولذلك حظي باجماع مصادر الشريعة الإسلامية من کتاب وسنة والجماع،

وفي التراث القضائي المغربي ظل الصلح قاصرا في العمل القضائي عبر جميع العصور رغم تنوع الأعراف والتقاليد فالقاضي في كل نازلة يقضي غالبا بأحد أمرين إما الصلح وإما إنزال شر العقاب بالظالم

وجاءت مدونة الأسرة لتكرس هذا المبدأ بنصوص آمرة صريحة عندما جعلت الصلح إلزاميا ومن النظام العام في جميع قضايا الطلاق والتطليق، لا يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفته وذلك من خلال المواد 81-82 – 83 منها، بل إنه في حالة وجود أطفال يلزم على المحكمة إجراء محاولتين للصلح بين الطرفين تفصل بينها على الأقل لاتقل عن 30 يوما

وايمانا من المشرع بما تلعبه محاولة الصلح من دور هام، ورغبة منه في الوصول الغاية التي شرع من أجلها، وتجنبا للآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عن فك الزوجية ترك المجال واسعا أمام القاضي لاختيار الوسيلة الأنجع لتحقيق الصلح دون تقييد سلطته التقديرية بوسيلة أو بأخرى، فعند حضور الطرفين بعد استيفاء شكليات المسطرة يتم الاستماع إليها بغرفة المشورة، وبجلسة الصلح تقوم المحكمة (أو القاضي المقرر) حسب الأحوال بجميع المحاولات الرامية إلى تقريب وجهة نظرها ومحاولة إنهاء النزاع القائم بينها،

 وإذا بدا لها من خلال المناقشة أن المصلحة تقتضي تأخير القضية الجلسة أخرى إما تلقائيا أو بناء على طلب الزوجين أو أحدهما فإنه يجوز لها ذلك، مع إشعار الطرفين بتاريخ الجلسة الموالية ، كما يمكن لها أن تأجل القضية لاستدعاء من تری فائدة في الاستماع إليه، وينبغي للمحكمة عند القيام بذلك تعميق البحث وطرح الأسئلة الهادفة للوصول إلى حقيقة النزاع بكل تفاصيله لتمر محاولة الإصلاح والسداد في أحسن الظروف وتتحقق الغاية المرجوة من سنها

وقد عملت المدونة على تفعيل مؤسسة الحكمين لتقصي الحقائق وتجديد محاولة الصلح أملا في إنهاء الشقاق، كما منحت للمحكمة صلاحية الاستعانة بمجلس العائلة وكل من تراه مؤهلا للقيام بمحاولات الصلح ما فيها الاستعانة بالمساعدة الاجتماعية ومؤسسات المجالس العلمية، ولم لا تنصيب محامين أجانب عن النزاع القائم بين الطرفين القيام بمحاولة الإصلاح مكاتبهم الخاصة، لما يمكن أن يلعبه المحامي من دور مهم في هذه المسطرة الذي يعي هو الآخر خطورة الآثار الناتجة عنها في حالة انتهائها بالتطليق

ومن الناحية العملية نجد أن أغلب المحاكم تسير في اتجاه تفعيل مسطرة الصلح التي تقوم بها المحكمة وتستعين بمؤسسة الحكمين وفي بعض الأحيان بالمساعدة الاجتماعية ورؤساء المجالس العلمية، إلا أن مؤسسة الحكمين هي التي تحظى بحصة الأسد في هذا المجال.

وبالرجوع إلى المقتضيات التشريعية نجد أن المشرع المغربي لم يعر هذه المؤسسة الشرعية أي اهتمام سواء من حيث تعريفها أو شروط ممارستها أو تحديد مهام ممارسيها مما يتعين معه الرجوع إلى قواعد الفقه الإسلامي خاصة المذهب المالكي طبقا لأحكام المادة 400 من مدونة الأسرة

وخلاصة القول فإن مسطرة الشقاق عند اللجوء إليها ينبغي أن ينتصب الطلب فيها على حل نزاع يخاف منه الشقاق حتى يتم تدارك الأمر قبل استفحاله بكل مساعي الصلح الذي سنها المشرع في هذا الصدد، لكن التساؤل المطروح هو: إلى أي حد ثم تجسيد هاته الفلسفة على مستوى الواقع من خلال الممارسة العملية المسطرة التطليق بسبب الشقاق؟

المبحث الثاني: المنحى التصاعدي المعدلات التطليق للشقاق وأسبابها

 سبق وأن أوضحنا بأن مسطرة التطليق للشقاق آلية جديدة استحدثها المشرع لحل النزاعات الزوجية التي يخشى منها استمرار الخلاف بين الزوجين وهي مسطرة إصلاحية وقائية وليست مسطرة إنهائية، إلا أن الواقع العملي يبين خلاف ذلك إذا أصبح اللجوء إلى هاته المسطرة منفذا رئيسيا لوضع حد للعلاقة الزوجية وليس وسيلة لحل نزاع يخاف منه الشقاق ويتبين ذلك من خلال معدلات التطليق للشقاق المسجلة على مستوى أقسام قضاء الأسرة بالجهة الشرقية أو حتى على المستوى الوطني إذا حسم اللجوء إلى هذه المسطرة يحتل حصة الأسد ضمن باقي أنواع التطليق، مما يطرح التساؤل عن أسباب ارتفاع معدلات التطليق للشقاق؟ وعن السبل المقترحة لمواجتها؟

للإجابة عن هذين التساؤلين ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين تناول في الأول، المنحى التصاعدي لمعدلات التطليق للشقاق، في حين نتناول في الثاني: أسباب ارتفاع التطليق للشقاق وآليات المعالجة.

المطلب الأول: المنحى التصاعدي لمعدلات التطليق للشقاق

من أهم مميزات دعوى التطليق للشقاق أنها لا تقدم في الأصل كطلب من أجل التطليق، بل في شكل طلب غايته حل نزاع ووضع حد لشقاق مستحكم بين الزوجين،. إلا أنه ومن خلال استقراء الإحصائيات المسجلة واقعا على مستوى أقسام قضاء الأسرة مختلف محاكم المملكة يتضح جليا بأن نسبة التفريق بسبب الشقاق وبشكل عام عرفت ارتفاعا مهولا، مما يمكن معه القول بأن هاته المسطرة لم يتم إعمالها في الاتجاه الصحيح ولم تناغم مع روح وفلسفة المشرع، وأضحت السبيل لكل راغب في فك رابطة الزوجية بكل سرعة ويسر، مع ما يترتب عن ذلك من مآسي ومشاكل تعود بالضرر على الأطفال و المجتمع.

ويتضح ذلك بشكل جلي عند تحليل معدلات التطليق بسبب الشقاق ومقارنتها بباقي أنواع الطلاق والتطليق، وانخفاض معدلات الصلح على مستوى محاكم المملكة.

ان مسطرة التطليق للشقاق أصبحت سرطانا ينخر جسم الأسرة المغربية التي تعد الخلية الأساسية للمجتمع وتجعلني أضم صوتي لصوت الباحث ذ/عادل حامي الذي اعتبر أن: “ابتداع مسطرة الشقاق كان وبالا على المجتمع، وأن صياغتها باختصار وتلبيس زاد في تخبط اجتهاد المحاكم وسهل تقويض صرح الأسرة، ويعزى ذلك إلى وجود خلل تشريعي بين أعترى صياغة النصوص المنظمة للشقاق، فلم يكن هذا الإرسال الحل الأفضل، وكان حربا وضع ضوابط وقيود تمنع التعسف في استعمال هذه السبيل التي يكتنفها عوار ظاهر إن على مستوى الموضوع على مستوى الإجراءات،

فجمع المشرع بين الخطأ في التشريع والخطأ في الصياغة وتم النزوع بغرابة نحو الحل السهل المتمثل في التفريق بدل الاستماتة في الحفاظ على لحمة الأسرة، فحيد والحالة ما ذكر بمسطرة الشقاق عن غاياتها الوقائية وأهدافها الإصلاحية التي تمنع حدوث الملآلات، ووقع استعجال ترتيب الآثار والنتائج في موضوع لا يسوغ فيه مثل ذلك، فانتقل منها من آلية جوهرية للصلح والجمع وحل الخلافات، إلى سبيل ميسر ومرفه للتطليق والتفريق وإلى وبال على الأسرة والمجتمع”، كيف لا وقد جعله المشرع سبيلا احتياطيا لأنواع التطليق الأخرى بل وحتى للطلاق الرجعي والخلعي، وكان المشرع أحرص من الزوجين على إنهاء العلاقة الزوجية بموجب أو بدونه، بتذكيره بمناسبة أو بغير مناسبة بوجود هذه المسطرة، عوض التذكير بمسطرة الصلح، وتنويع مصادرها وتيسير سبلها.

فما هي الأسباب التي أدت إلى اتساع هذا النوع من التطليق؟ وما هي سبل الوقائية منه ومعالجته؟

المطلب الثاني: أسباب ارتفاع معدلات التطليق للشقاق

 ترجع أسباب ارتفاع معدلات التطليق للشقاق إلى أسباب إجرائية مسطرية وأخرى موضوعية، فبالنسبة للأسباب المسطرية ، عدم اشتراط المشرع توصل الطرفين بالاستدعاء بصفة شخصية على عكس الطلاق الذي اشترط فيه التوصل الشخصي الطرفين معا وهذا الشرط الأخير فيه ضمانة كبرى لكليها ذلك أن الزوج لن يعتبر متراجعا عن طلبة إلا إذا علم بطريقة شخصية بالجلسة التي سيدرج بها طلبه كما ان الزوجة ستكون على بينة من أن زوجها يسعى مسطريا إلى إيقاع الطلاق بها،

في حين أن المدعى عليه في مسطرة التطليق للشقاق لا يستدعي إلا مرة واحدة فمتى بلغ بالطريقة القانونية المنصوص عليها في الفصول: 37، 38، 39 من ق.م.م ولم يحضر يتم وضع حد الاجراءات المسطرية المتعلقة بالدعوى ويتم البت فيها، كما أن اعتبار الحكم القاضي التعليق للشقاق نهائيا وغير قابل للطعن في شقه القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية يساهم هو الأخر في تسريع مسطرة التطليق ويؤدي إلى وضع للرابطة الزوجية في أقرب الآجال.

أما الأسباب الموضوعية فيمكن إرجاعها إلى المفهوم الواسع للشقاق وعدم اشتراط المشرع إثبات الأسباب المؤدية إليه على عكس التطليق للضرر، وكذا احتواء هذا النوع من التطليق لباقي أنواع الطلاق والتطليق المنصوص عليها قانونا، ويبقى أهم سبب في ارتفاع معدلات التطليق بسبب الشقاق هو عدم وعي الكثير من طالبيه إلى المغزى منه وغايته المتمثلة في اللجوء إلى إشراك القضاء في حل النزاع الذي يخشى منه الشقاق وذلك بتطبيق إجراءات الصلح القضائية وغير القضائية التي وضعت أساسا للتوفيق بين الزوجين في أفق إيجاد حل للخلافات الأسرية، وليس وضع حد للعلاقة الزوجية في وقت يسير وبأقل التكاليف

الخاتمة :

يمكن القول بأن الفلسفة التي توخاها مشرع المدونة من إقرار مسطرة التطليق للشقاق أصبحت مجرد حكم أمام الحقيقية الصادمة التي كرستها على مستوى الواقع العملي، ومن ثم يمكن القول أن مسطرة التطليق للشقاق واقعا هي مسطرة إنهائية بالدرجة الأولى، وأن محاولات الصلح التي تجريها المحكمة أصبحت مجرد إجراءات شكلية تتطلبها طبيعة المسطرة قليلا ما تأتي ثمارها، بالنظر لكثرة الملفات المعروضة على المحاكم، خاصة في جلسات البحث والإصلاح، والتي قد تصل إلى 60 ملقا في جلسة واحدة لكل قاض مقرر، مما يجعل من هذه المسطرة خطرا على الأسرة المغربية.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!