البيروقراطية

البيروقراطية

البيروقراطية

البيروقراطية تنطوي على مضامين سلبية مثل عدم الكفاءة والتأخير الذي يواجهه المواطنون عند تعاملهم مع الحكومة، ويشار إلى أن عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر – الذي درس البيروقراطية – يكرهها ولكن لا يرى سبيلا لتفاديها،

 والبيروقراطية هي أي منظمة ضخمة من المسئولين المعينين والذين يطبقون القوانين والسياسات أو من الناحية المثالية، تعمل تحت قواعد وإجراءات مع وجود سلسلة من القادة أو ترتیب هرمي للسلطة، وهي تعطى الحكومة الفرصة لأن تعمل بنوع من الرشد والتناسق والتنبؤ والاشراف، فإذا لم توجد بيروقراطية لا توجد حكومة

ثمة تعريف آخر للبيروقراطية ، أو الخدمة المدنية – هو أنها الحكومة الدائمة، وكثير مما درسناه فد يطلق عليه “الحكومة المؤقتة” المؤلفة من مسئولين منتخبين يأتون ويذهبون، أما الموظفون المدنيون غالبا ما يقضون حياتهم العملية في إدارة واحدة، فهم يتلقون الأوامر من المسئولين المنتخبين ولكنهم أيضا يتبعون القانون

وعادة ما يعرفون أكثر – عن مجالات تخصصهم من رئيسهم السياسي المعين حديثا والذي يريد إعادة هيكلة النظام بأفكار جريئة وجديدة، أما البيروقراطيون الذين رأوا أن الأفكار الجريئة والجديدة تأتي وتذهب – يتحركون بحرص، فالبيروقراطية في حال وجودها تعتبر في حد ذاتها محافظة ومحاولة تغييرها هي من أصعب مهام السياسي،

تصاحب البيروقراطية تلقائية أية مؤسسة ضخمة سواء كانت عامة أو خاصة، ففي العصور الوسطى ، عندما كانت الدول الأوروبية عبارة عن توازنات ضعيفة من القوى الإقطاعية، كان للكنيسة الكاثوليكية الرومانية نظام إداري معقد وفاعل، فمن خلال نظام هرمي من أناس مدربين قضوا حياتهم في الكنيسة كانت السلطة تتدرج من البابا إلى كاهن الإبراشية،

 وكان الملوك يعتمدون على الكهنة حتى جاء الوقت الذي طوروا فيه نظمهم الإدارية في عصر النهضة هؤلاء الكهنة كانوا من القليلين الذين يجيدون القراءة والكتابة، وتجدر الإشارة إلى أن الجيوش أيضا لها تركيبها البيروقراطية التي تقوم على السلطة العسكرية من الأوامر وأعداد كبيرة من القوانين

مقارنة بين البيروقراطيات

الولايات المتحدة

يمثل الموظفون الفيدراليون أقل من 15% من موظفي الولايات المتحدة حيث يعين حوالي 15 مليون في الحكومات المحلية و4 مليون في حكومات الولايات وأقل من 3 ملايين في الحكومة الفيدرالية، يذكر أن معظم الخدمات الحكومية مثل المدارس والشرطة والمطافئ توفرها الحكومات المحلية.

تستخدم الوزارات الأمريكية الخمسة عشر ما بين 85 % إلى 90 % من إجمالي الموظفين الفيدراليين، وتتماثل تلك الوزارات في تركيبها وتمول من مخصصات يقرها الكونجرس ويرأس كل واحدة منها وزير يعينه رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الشيوخ، ويعتبر وكلاء الوزارات ومساعدو الوزير مسئولين سياسيين وبالتالي لا يعتبرون بيروقراطيين، يختلف هذا النظام عن معظم الأنظمة الأخرى التي يكون فيها المسئولون موظفين دائمين.

قد تكون البيروقراطيات أكثر أهمية في ابتكار القوانين من الشعب أو الكونجرس، وأبرز مثال على ذلك كان الجدل حول وضع التحذيرات الصحية على علب السجائر واللوحات الإعلانية، حيث لم يستطع الكونجرس التحرك من تلقاء نفسه لأن صناعة السجائر تنفق بسخاء على المرشحين، ولكن جاء التغيير من قبل فرع من البيروقراطية – ويشار إلى أنه في عام 1965 قدمت اللجنة الاستشارية للتدخين والصحة بالاشتراك مع كبير مفتشي الصحة العامة بيانات دامغة على أن تدخين السجائر يزيد من نسبة الإصابة بسرطان الرئة

وشكل التقرير ضغطة شعبية على الكونجرس الذي أجبر صناع السجائر في عام 1966 على طباعة تحذيرات على كل علب السجائر وفي عام 1969 منعت الحكومة إعلانات السجائر في الراديو والتليفزيون

تنفذ الوزارات السياسات التشريعية والتنفيذية التي قد تكون تفاصيلها غير واضحة، إذ إن معظم القوانين عامة تترك للوزارات وضع سياسة محددة للعمل وبالتالي يمكن للخبراء أن يوجهوا السياسة حسب رؤيتهم، فلدى البيروقراطيين معرفة هائلة  ومن المعروف أن المعرفة هي القوة

وتجدر الإشارة إلى أن إدارة ريجان قد أعلنت أنها بصدد إلغاء وزارة الطاقة، وفي ذلك الحين سال أحد مؤلفي هذا الكتاب صديقا له وهو مسئول في الوزارة – لماذا لا يساوره قلق، فرد قائلا بطريقة تنم عن أنه على قدر كبير من المعرفة، “لن يلغونا نحن”، و”لا يستطيعون إلغاءنا”، فوزارة الطاقة هي التي تصنع القنابل النووية وتستخدم الإدارة ميزانية وزارة الطاقة كغطاء تخفي تحته حجم ميزانية القنابل النووية،

وفعلا لم تقدم إدارة ريجان على إلغاء وزارة الطاقة، ويشار إلى أن البيروقراطية الأمريكية صغيرة وخفيفة نسبيا بالمقارنة ببلاد أخرى كثيرة حيث إن أوروبا وأمريكا اللاتينية بحكم تقاليدها القوية بها بيروقراطية وقوانين أكثر من تلك الموجودة بالولايات المتحدة

 الدول الشيوعية

كان الإتحاد السوفييتي واحدة من أكثر الدول بيروقراطية وكان هذا أحد أسباب تعثره، وكان الموظف السوفييتي – بحكم ارتباطه بالحزب الشيوعي – فاسدة وغير كفء وغير قابل للإصلاح، وطبقا للنظرية الماركسية لم تكن دكتاتورية البروليتاريا بحاجة إلى بيروقراطية على النسق الغربي ولكن بعد ثورة 1917 مباشرة أقام السوفييت إدارة بيروقراطية صارمة وزاد عليها ستالين خططه الخمسية في حقبة الثلاثينيات.

كان كبار البيروقراطيين السوفييت من النخبة المميزة وكانوا في أغلبهم فاعلين ونشطين، وكان لديهم شقق فاخرة ومحلات خاصة وبيوت ريفية، وعلى رأس كل وزارة يوجد وزیر وهو عضو في مجلس الوزراء، أعلى سلطة تنفيذية مكونة من كبار أعضاء الحزب، الذين كان بعضهم أعضاء في المكتب السياسي للحزب، أما أعضاء الحزب الموثوق بهم فكانوا يوضعون في مناصب أقل درجة من الوزراء وذلك لتنفيذ سياسة الحزب، وقد جعل هذا البيروقراطية السوفيتية محافظة ومثابة عقبة لم يستطع أي رئيس سوفييتي التغلب عليها

في الصين أيضا كل المسئولين، الذين يطلق عليهم كوادر، أعضاء في الحزب ويمثلون العمود الفقري للنظام الشيوعي، ومن المفترض أن يحارب الحزب الفساد ولكن إدارة الصين ليست مرکزية حتى مستويات الولايات والمحليات مما يعطي المسئولين الحرية في تلقي الرشاوي وفرض ضرائب غير قانونية وتحويل الأراضي من الفلاحين إلى ذوي النفوذ،

 ونتيجة لذلك تندلع المظاهرات الحاشدة كل عام في الصين بسبب هذا الفساد، وفي عام 2012 هز الفساد المستشري بين كبار المسئولين في النظام ويشار إلى أن اللجنة المركزية لمراقبة النظام التابعة للحزب يمتلك سلطات واسعة لطرد أعضاء الحزب أو تخفيض درجاتهم وإحالة القضايا إلى المحاكم الجنائية حيث يحكم على البعض بالإعدام، وعموما، الفساد مستمر في الصين لأن الكوادر هم الناس الذين يعتمد عليهم النظام في إدارة الدولة.

 فرنسا

في القرنين السابع عشر والثامن عشر قدمت فرنسا نموذجا لمعظم دول أوروبا بحالته الموغلة في البيروقراطية، بعد أن حطمت الثورة الفرنسية الملكية، استعاد نابليون السيطرة باستخدام البيروقراطية وجعلها أكثر رشدأ وفاعلية، وقد كون نابليون مجموعات من الخبراء التنفيذ سياسة الحكومة في كل وزارة، والآن كبار الموظفين الفرنسيين هم خريجو إحدى المدارس العظيمة مثل مدرسة الهندسة والمدرسة الوطنية للإدارة التي أنشئت لتدريب مسئولي الحكومة

ولقد عمل عدم الاستقرار في الجمهورية الثالثة (1871 – 1940) والجمهورية الرابعة (1947 – 1958) على زيادة سلطة البيروقراطية لأنها كانت مضطرة لإدارة فرنسا بقليل من التوجيه التشريعي أو التنفيذي، ولا تزال فرنسا دولة بيروقراطية إلى درجة كبيرة كما أن المركزية فيها شديدة.

ألمانيا

وضعت بروسیا وطبقتها الحاكمة بصمتها على الإدارة الألمانية، وكانت الطبقة الحاكمة من النبلاء ويتسمون بالطاعة والكفاءة والعمل الجاد كما كانوا يعتمدون على برلين ويسيطرون على كل المناصب المدنية العليا، وكان لدى فريدريك الأكبر الذي حكم بروسيا في الفترة من 1740 حتی 1786 ميل كبير نحو الإدارة الفعالة حيث أنشأ جامعات التدريب رجال الإدارة،

ولقد توحدت ألمانيا في عام 1871 تحت قيادة بروسيا التي نقلت الثقافة البروسية وبالتحديد الولاء للأمة والإمبراطور إلى معظم ربوع المانيا وكان من أسباب فشل جمهورية ويمر (1919 – 1933) هو احتقار طبقة الموظفين للديمقراطية، ومع مجيء الرايخ الثالث هرولوا إلى هتلر.

تتمتع الحكومة الألمانية الحالية ببناء فيدرالي قوي يضع معظم الإدارة على مستوى “الأرض” فالموظفون الألمان ملتزمون بالديمقراطية، حيث إن جزءا من وزارة الداخلية – على سبيل المثال – بالتعاون مع الأجهزة الأخرى يقدم برامج تعليمية لمكافحة التطرف السياسي، ولأن البيروقراطيين الألمان يتلقون تدريبا قانونية وهذا ما يحدث في كل أوروبا، فإنهم يميلون لأن يحضروا معهم عقلية القانون الروماني أي القانون المقسم إلى أكواد ثابتة على عكس القانون الأمريكي والبريطاني المدنين.

بريطانيا

على العكس من فرنسا توجد لدى بريطانيا تقاليد قوية في الحكم الذاتي المحلى وتوزيع السلطة، ويعتبر هذا النمط ثمرة التركيز الأنجلو أمريكي على الحكومة الممثلة التي تشجع السيطرة التشريعية على السلطات الإدارية،

 وفي القرن التاسع عشر شجع نمو الحكومة البريطانية على المستوى المحلي على توزيع السلطة الإدارية ولم تتدخل الحكومة المركزية في الشئون الداخلية إلا بحلول القرن العشرين،

وتجدر الإشارة إلى أن البيروقراطية كانت غارقة في الفساد والمحسوبية حتى إصلاحات عام 1854، فقد كانت المناصب تباع وتشترى في العلن، وبحلول عام 1870 تم إقرار الوظيفة المدنية المميزة التي تعتمد على امتحانات تنافسية.

الوزراء البريطانيون مسئولون أمام البرلمان، ولكن تقع السلطة البيروقراطية الحقيقية في أيدي ” السكرتير الدائم ” ووكلاء الوزارة ومساعدي الوزراء الذين يشغلون مناصب أقل في الدرجة من الوزراء،

وهكذا، على الرغم من أن البيروقراطيات البريطانية والأمريكية يشتركان في نفس التقاليد المتعلقة بالسلطة الغير المركزية، إلا أن السيطرة على البيروقراطية أكبر في بريطانيا منها في أمریکا فالبيروقراطيون البريطانيون يتباهون بأنهم غير سياسيين ولذلك فإنهم ينفذون سياسات الوزارة بأمانة بغض النظر عن الحكومة التي تتولى السلطة.

البيروقراطية في اليابان

مثل اليابان مثالا صارخا لحكم البيروقراطيين، فقد كانت وزارات طوكيو دائما قوية بحكم أنها تسير على النهج الفرنسي في الخدمة المدنية والذي تبناه مجددو ميجي في سبعينيات القرن التاسع عشر، وتحملت نفس البيروقراطيات المسئولية قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية حيث عملت على دفع النمو الاقتصادي من خلال الرأسمالية الموجهة وليس السوق الحرة. وعادة ما ينظر بيروقراطيو اليابان إلى المسئولين المنتخبين على أنهم مهرجون يجب تجاهلهم

الوزارات الرئيسية في اليابان هي المالية والتجارة الدولية والصناعية، والزراعة والإسكان وتشرف على قطاعاتها الاقتصادية من خلال تنظيم قروض ودعم وعقود حكومية، ويشار إلى أن كبار البيروقراطيين اليابانيين هم في الغالب خريجو جامعة طوكيو وهي أعرق جامعة يابانية، كما أن العديد من الموظفين اليابانيين يتقاعدون في سن صغير وذلك للعمل في الصناعات التي كانوا يشرفون عليها

الوزارات اليابانية مستقلة ولا تتعاون مع بعضها البعض أو تنشد صالح الجميع، مما شجع البعض على القول “لا أحد مسئول في اليابان ” فالوزارة تشرف على قطاعها الاقتصادي الذي يدين بالطاعة في أغلب الأحيان للوزارة، كما أن الوزير هو شخصية سياسية معين من قبل الوزراء، وعادة ما يكون عضوا في مجلس الوزراء ولكن نائب الوزير – الذي يسير الأمور في العادة – هو موظف مدني مثل البريطاني ” السكرتير الدائم”.

 المشكلة مع البيروقراطية

لا يحب العالم البيروقراطية، فالكلمة نفسها تنطوي على انتقاص للقيمة، وفي فرنسا وإيطاليا تعتبر كراهية المسئول على الجانب الآخر من الطاولة جزء من الثقافة السياسية، كما يحب الأمريكيون أن يسمعوا من المرشحين كلمات الاستهجان ضد البيروقراطيين وخصوصا الوصوليين الذين يتقاضون أجورا عالية ولا يمكن إبعادهم من العمل

 ولكن لم يتمكن أحد من حل المشكلة التي تتطلب تدخلا تشريعيا، ودائما ما تتعهد الإدارات الأمريكية التي بصدد تولى السلطة وخصوصا الجمهوريون برفع كفاءة الإدارة العامة من خلال إعادة النظر في تشريعات قطاع الصناعات الخاصة وتقليص أعداد البيروقراطيين، وكانت النتيجة أنه لم يعارض أحد قروض واستثمارات وول ستريت المجحفة، فالكفاءة والربحية والإنتاجية كلها أمور يصعب تطبيقها في برامج الحكومة، حيث إن تقليص برامج مثل الأمن الاجتماعي أو الرعاية الصحية يعتبر أمرا مستحيلا.

تظهر البيروقراطية في أسوأ صورها علامات على “الايخمائية” نسبة إلى المسئول النازي الذي نظم قطارات الموت ليهود أوروبا والذي أخبر القضاة الإسرائيليين فيما بعد أنه كان ببساطة يؤدی وظيفة أوكلت إليه، لقد عاملت البيروقراطية الألمانية البشر على أنهم أشياء، وهي مشكلة ليست قاصرة على ألمانيا،

البيروقراطية والفساد متداخلان وأينما ينفذ المسئولون القواعد يميل بعضهم إلى مصلحة الأصدقاء والمحاسيب، فكلما زادت القوانين زاد البيروقراطيون وزاد الفساد، وهناك عدد قليل من الدول التي تفهمت طبيعة الخدمة العامة استطاعت الحفاظ على إدارة عامة غير فاسدة والمثال على ذلك فنلندا وسنغافورة،

أما معظم الدول فهي فاسدة، بعضها بدرجة منخفضة والبعض الآخر بدرجة مرتفعة جدا، ولقد أصبحت شيلي أقل دول أمريكا اللاتينية فسادا وذلك بتخفيض حجم الإدارة وعدد البيروقراطيين، وتحت مقولة ” المتخصصون فقط من قطاع الصناعة الخاص يمكنهم مراقبة تلك الصناعة “

 احتلت الشركات الأجهزة الإدارية أو استعمرتها، حيث تم وضع رجال المال على قمة لجنة الأمن والتبادل الأمريكية، فما كان منهم إلا أنهم دمروا دورها التنظيمي وقادوها إلى أزمة مالية طاحنة في عام 2008، ولكن يجب أن نشير إلى أن المعينين السياسيين وليس الموظفين المدنيين هم الذين اتخذوا هذه القرارات الخطيرة

افترض منظرو البيروقراطية أن البيروقراطيين المحترفين لا يصنعون السياسة العامة على الإطلاق ولكنهم فقط ينفذون القوانين، وفي الواقع، كانت الإدارة غير الحزبية الدافع الأصلي وراء الخدمات المدنية المتميزة، ولكن معظم الدول لديها رجال الإدارة الذين يصنعون السياسة ولكنهم ليسوا مسئولين أمام الشعب ويبدو هذا الأمر جليا في اليابان، إن جعل البيروقراطيات مرنة وخلاقة ومسئولة هي إحدى المهام العظيمة في هذا القرن.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!