البيئة وأثرها في الظاهرة الإجرامية

البيئة وأثرها في الظاهرة الإجرامية

محتويات المقال

البيئة وأثرها في الظاهرة الإجرامية

تلعب البيئة دورا كبيرا في إنتاج السلوكات بوجه عام، وتتشكل من مختلف الأوضاع الظروف المحيطة بالفرد، إذ لكل فرد بيئة خاصة تميزه عن غيره من الأفراد تبعا لتغيير الشروط المعيشية والمكونات الطبيعية للبيئة المحيطة به.

فالإنسان ومنذ ولادته إلى غاية وفاته يمر من مراحل متعددة ويعيش في بيئات مختلفة بدءا من محيط الأسرة مرورا بالتأثيرات الاجتماعية والتعليمية انتهاءا بأثر النظام السياسي الذي يتعايش معه والذي يفرض عليه توجها معينا، وهو في كل ذلك يتفاعل ويتعايش مع أشخاص آخرين فيتأثر بأخلاقهم وعاداتهم وسلوكهم.

فالبيئة في نهاية المطاف هي منظومة متكاملة من القيم والعادات والسلوكات والممارسات تطبع مسار سلوك الإنسان وتصرفاته، فخلال السنوات الأولى من حياة الفرد يتأثر بمحيطه العائلي وعند التحاقه بالمدرسة يتاثر ببيئته التعليمية وعندما يشتد عضده ينتقل إلى بيئة العمل وما يستتبع ذلك من ممارسات تبصم على شخصيته وتظل عالقة بذهنه يوفرها النسيج الاجتماعي الذي يتفاعل معه دون نسيان المؤثرات البيئية والمجالية والمناخية التي تلعب دورها كذلك في توجيه السلوكات الإنسانية بشكل عام.

 المطلب الأول : المحيط الخاص وأثره في إنتاج السلوكات المنحرفة

نعني بالمحيط الخاص البيئة القريبة من الفرد والتي تصوغ شخصيته في بداياته الأولى والتي يكون لها بالغ الأثر على شخصيته المستقبلية، تمثلها الأسرة الحاضنة مرورا بما توفره من جو تعليمي لكي يتدرج الفرد ويصقل خبرته في الحياة حتى يستطيع أن يصبح فردا نافعا منتجا ويساهم في تحمل أعبائه ومسؤوليته في المجتمع، فمتی استقامت وتناغمت آليات تأهيله وتنشئته اكتسب معها شخصية ايجابية تتفاعل بشكل ايجابي مع المجتمع ومتي شابت هذه المسيرة بعض الأعطاب أثرت سلبا على شخصية الفرد وجعلته فريسة السلوكات المنحرفة

الفقرة الأولى: الوسط العائلي

تعتبر العائلة في الفضاء الأول الذي يتلمس فيه الفرد الطريق ويفهم معنى الحياة وهي الخلية الأساسية الأولى في كيان المجتمع

فالمولود يرتبط في بداياته الأولى بمحيط عائلته المتمثلة في الام والأب والإخوة، فالعائلة هي مشتل أو منبث الجماعة وفي ذات الآن مهد الانسانية لأنها مهد الشخصية الإنسانية لأنها تتلقى جميع عناصر تكوينها في هذه المرحلة

أولا: مقومات الوسط العائلي:

 لا شك أن العائلة وما تقوم به من أدوار في سبيل تربية أبنائها تعتبر أول وسيط اجتماعي بين الأبن والمجتمع وصلة وصل بما تكرسه من سلوكيات في الفرد تضع بدورها الأولى لتطبع شخصه في التعامل مع غيره من أفراد المجتمع، وهي بهذا المعنى القالب الذي تصاغ فيه شخصية الفرد و تبني مواقفه تجاه المجتمع فيكون سويا إذا كانت الأسرة سوية ووفرت له شروط التنشئة السوية وقد يحيد عن هذا المبتغى إذا كانت الأسرة غير سوية.

فالعائلة بهذا المعنى تشكل وحدة اجتماعية واقتصادية متكاملة غير أنها شهدت تغييرات كثيرة في بنيتها التقليدية بسبب تأثيرات خارجية، تتمثل في تأثرها بالنظم والأفكار الجديدة وتراخي الضبط العائلي الناشئ على ضعف السلطتين الزوجية والابوية، مما يفرض التجاوب الإيجابي مع المستجدات والحرص على بقائها المدرسة الأولى لتزويد الطفل بالثقافة والتنشئة الاجتماعية السليمة التي تؤهله للنضج الاجتماعي، وذلك لا يتأتى إلا بالتوفر على قدرة التوفيق بين الحاجيات الفردية والالتزامات الاجتماعية ومواجهة الحياة بمرونة لازمة قصد منح الطفل المناعة اللازمة حتى لا يصطدم مع القواعد السائدة في المجتمع وبالتالي يتحاشى الإخلال بأحكام القانون وبسلامة العلاقات الإنسانية السوية.

إن اكتساب أساليب التصرف وأنماط السلوك تبتدئ في بيئته الأول التي ترعرع واكتسب تجربته الأولى حيث يحتفظ الطفل بذكرياته الأول فمتى كانت غير سليمة فإنه يصعب أحيانا التخلي عن تنفيذ رغباته الضارة التي تشبع بها منذ نعومة أظافره.

ثانيا: مؤشرات اختلالات الأسرة

قد تحيد الأسرة عن دورها المنوط بها في التربية والتنشئة السليمتين وتسقط في انحرافات تؤدي إلى نشوء سلوك إجرامي لدى الطفل، ويمكن تحديد هذه الانحرافات بوجه عام في غياب الوالدين وعدم تحمل مسؤوليتهما في الإشراف والتوجيه والتهذيب وسوء سلوك العائلة والنزعات العائلية والتربية الأسرية الخاطئة.

1 – غياب الوالدين أو احدهما عن العائلة

تتعدد أسباب الغياب عن العائلة بسبب إنهاء العلاقة الزوجية أو الوفاة مما يفقدها توازنها في الرعاية فيصبح الأبناء ضحية سهلة للجنوح والانحراف، فتتعطل آلة التوجيه ويغيب دفئ العائلة ويتمرد الأطفال على سلطة الأسرة وقد يجدون أنفسهم ضحايا براثن الجريمة مما يؤدي إلى تفاقم أوضاعهم النفسية إلى جانب ما قد يلقونه من احتقار الآخرين

2 – فساد سلوك العائلة

يذهب علماء التربية إلى أن الطفل في بداياته الأولى يحاكي سلوك والديه حيث يلعب ذلك دورا كبيرا في تشكيل شخصيته، فإذا ما كانا أو أحدهما منحرفا فإن الابن ينزلق غالبا في أوحال الإجرام والانحلال الخلقي

مقتديا بوالديه أو بأحدهم دون أن يساوره شعور بالإثم ويزداد الوضع تفاقما عندما يقوم الوالدان أو أحدهما بتوجيه الطفل إلى ارتكاب أفعال غير مشروعة أو استغلالهة المجتمع من قبيل التسول بالأطفال أو دفعهم إلى السرقة بعلة الفقر أو نقل المخدرات وما شابه ذلك فيتلقن الطفل هذه السلوكات المنحرفة لأنه لا يميز الصالح من الطالح وأن نموذجه العائلي هو مقياس اكتساب شخصيته الاجتماعية

3- النزاعات العائلية :

تنشأ بعض النزاعات بين الزوجين لأسباب مختلفة تتحول إلى مشاحنات ومشاجرات يتخللها السب والقذف وقد يتطور ذلك إلى ارتكاب العنف بالإيذاء حيث يؤثر هذا الجو على الأطفال ويثير فيهم الفزع الرهبة ويفتقدون إلى رعاية وحنان الوالدين بل إن استمرار النزاع والشقاق يجعل الأبناء يعيشون في حيرة وقلق دائمين ويحسون بالضياع والتشرد ولو داخل الأسرة مما يؤدي بهم إلى التمرد، وبالتالي الوقوع في الانحراف والجنوح.

ثالثا : سبل علاج الانحرافات العائلية:

 تختلف سبل علاج العائلة ووقايتها من الوقوع في الممارسات المنحرفة التي تؤدي إلى تقويض عراها وضياع الأبناء بين توفير آليات تشريعية ناجعة وبين اختیارات تعود إلى توجهات الأبوين.

1 – الوقاية التشريعية :

نظرا للدور الهام الذي تقوم به الأسرة ليس فقط في صقل شخصية الطفل بل أيضا في بناء صرح المجتمع وأمجاده، يكون من الواجب على المشرع حماية هذه الخلية من كل ما من شأنه أن يمس بتماسكها ويؤثر سلبا على أدوارها بإيجاد النصوص القانونية الكفيلة التي تروم حماية العائلة من الأفعال التي قد تضربها من جهة وإيجاد حلول ناجعة للعنف الأسري وفق مساطر خاصة تهدف  حماية استقرار الأسرة بدل سياسة اللامبالاة والاستمرار في تكريس التشتت العائلي.

وفي ظل التطور الذي شهدته بنية العائلة تبعا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والنمو الديمغرافي المضطرد فإن الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في طبيعة تركيبة هذه الوحدة المهمة والقطع مع الممارسات التقليدية كما هو الشأن في التساهل في تعدد الزوجات وتشتيت الأسر وما قد يحس به الأبناء من ضياع وتشرد وإهمال ناهيك عن افتراض النضج في إنشاء العلاقة الزوجية بإعادة النظر في زواج القاصر باعتماد آليات أشد صرامة حتى لا تغتصب براءة المرأة القاصر وتضيع معها أمومتها وتتبخر آمالها في إيجاد شروط تربية وتنشئة سليمة لأبنائها.

2 – آليات تعود لإرادة الزوجين

غالبا ما تغيب عن الأشخاص المقبلين على الزواج ثقافة إنشاء أسرة مستقرة وتحمل الأعباء الزوجية وتبني نظرة تشاركية في تكوين الاسرة.

فلسفة الاختيار لشريك الحياة تلعب دورها في بناء أسرة مستقرة ويسودها جو من الانسجام والتفاهم وتحمل المسؤوليات والواجبات الزوجية وتربيتهم على القيم النبيلة بكل حزم ولعل أبرزها إيجاد المناخ السليم للأبناء ورعاية مصالحهم

الفقرة الثانية : الوسط التعليمي

إذا كانت الأسرة هي البيئة الداخلية الأولى التي يتلمس فيها الطفل ويشق طريقه في الحياة حيث يكتسب مقومات شخصيته داخل وسطه العائلي فإن المدرسة هي البيئة الخارجية الأولى التي تقوم بصقل شخصيته وتهذيبها لتندرج في الرقي نحو السمو، سيما وأن المدرسة ليست فضاءا تعليميا فحسب بل مجالا تواصليا للتلاميذ الذين نشأوا في بيئات متباينة ومختلفة منهم من يعيش الهدوء والاستقرار العاطفي، وفيهم من يعوزه فقدان أحد أفراد عائلته أو لسوء معاملته في بيئته الداخلية الأولى إضافة إلى التفاوت في المستويات الإجتماعية و الإقتصادية و الميولات و الاتجاهات و القدرات النفسية و العقلية.

فيجب على المدرسة أن تعي جيدا أدوارها بأنها ليست وجهة للتلقين و التعليم  فقط بل أيضا مؤسسة أسياسية في التوجيه والتقويم وتهذيب سلوكات التلاميذ.

فالمناهج التعليمية يجب أن لا تنصب فقط على تقديم عناصر المعرفة لا يجب تغليف هذه المعرفة وإشباعها بالقيم والمثل والمعتقدات السليمة التي تحقق أهداف الجماعة عن طريق تأهيل الفرد لخدمة المجتمع تعزيزه، وبذلك يتمم التعليم ما بدأته العائلة في تكوين شخصية التلميذ عن طريق التنشئة الاجتماعية وكذلك تسعى المدرسة بأن تكون فضاءا في تهيئة مجالات النشاط الاجتماعي والرياضي لترويح التلاميذ وتصعيد طاقاتهم الغريزية للحيلولة دون كبتها واحتباسها لما ينجم عنه من علل و عقد نفسية تؤدي إلى انحرافات سلوكية قد تسبب الجنوح.

إذن، فمقومات المحيط الدراسي لابد أن تتجاذبه ثلاثة أقطاب أساسية : التلميذ والمدرس والقائمين بتسيير الإدارة في تناغم مع العائلة ومد جسور التواصل بهدف الحيلولة دون تراكم سلوكات منحرفة والقضاء عليها في مهدها، غير أن هذه الأهداف قد تتبخر إذا ما كانت المدرسة نفسها تعاني عللا واختلالات مما يؤدي إلى تأزيم وضع التلاميذ ويضحون فريسة سهلة للسلوكات المنحرفة

أولا: مظاهر اختلال المدرسة

قد تحيد المدرسة عن وظائفها المنوطة بها في التعليم والتنشئة الاجتماعية السليمة إذا ما توفرت بعض الأسباب السلبية التي يمكن إجمالها في أربعة اسباب :

1 – القدوة السيئة :

على غرار تشبه الولد بوالديه فإنه كذلك يحاول تقليد مدرسيه، فإذا كانت شخصية المدرس سليمة انعكست إيجابا على شخصية التلميذ مما يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد جيل ناشئ صالح، في حين إذا كان المدرس يعانی اضطرابات نفسية وسلوكات منحرفة فإنها تترك أثرها على التلاميذ بحكم محاكاتهم لمدرسهم الذي يفترض فيه الاستقامة وقد يؤدي بهم ذلك إلى الجنوح عن غير قصد.

فسلوك المدرسين يجب أن ينأى عن كل ما من شأنه التأثير سلبا على شخصية التلاميذ خصوصا وأنهم لا زالوا في طور اكتساب المهارات والتشبع بالقيم والأخلاق.

2 – الرفقة السيئة :

إن عالم المدرسة يعج بتلاميذ ينحدرون من عائلات مختلفة بعضهم يتمتع بسمات حسنة والبعض الآخر قد يعاني النقص والحرمان وتشوبه اختلالات التربية والتنشئة.

فالطفل الذي يكتشف عالم المدرسة يدخل في علاقات متعددة مع أقرانه يؤثر فيهم ويتأثر بهم، فكلما كانت بيئة التلاميذ سليمة كان ذلك مصدر قوة وكلما شابها أو اعتراها انحراف معين كلما أثر سلبا على شخصية ونفسية الطفل مما قد تتولد عنه بعض السلوكيات المنحرفة من قبيل الغيابات المتكررة والتعاطي المخدرات مثلا

3 – القصور الإداري :

تضطلع الإدارة في المدرسة بوظيفتين أساسيتين :

الأولى في تسيير الأطر التربوية وتدبير محيط المؤسسة والثانية في رقابة التلاميذ وضمان استمرارية حضورهم ودوامهم على التعلم واكتسابهم الأخلاق الحسنة، وبالتالي الوقوف على بعض السلوكيات المنحرفة وتقويمها في إبانها حتى لا تديع و تشیع بين صفوف التلاميذ وتضحى سلوكا عاديا تترتب عليه أثارا سلبية في المستقبل مما تكون معه بيئة المدرسة قاصرة في احتواء أبنائها وتوجيههم الوجهة الصحيحة بسبب تهاون المشرفين على الإدارة وما ينجم عن ذلك من تفريخ حالات الانحراف.

ثانيا: آليات الوقاية والعلاج من الانحرافات المدرسية :

لا أحد يشك في الأدوار الجسيمة التي تقوم بها المدرسة سيما أنها تعد أجيال الغد وتزرع فيهم مبادئ الثقة والمستقبل وتحضرهم لتحمل أعباء أوطانهم، فكان لزاما على هذه المؤسسة المهمة أن يشغلها أطر تربوية تعي جيدا دورها الاجتماعي والتربوي و التعليمي وأن تكون مؤهلة في تحمل رسالتها المقدسة

فلکي تنهض المدرسة بهذا الدور يجب أن تتوفر على جودة في تلقين المعارف وتحميل التلاميذ بالمعلومات مع تكريس مبدأ تكافؤ فرص أبناء الشعب في الاستفادة من تعليم موحد المناهج والطرق البيداغوجية وتقريبه منهم تكريسا لمبدأ المساواة في الاستفادة من الخدمات التي تقدمها الدولة.

أما التباين في التلقين والتعلم بين المدارس وعدم تكافؤ فرص أبناء الشعب الواحد من الاستفادة منها وقصور الدولة في إيجاد مدرسة تتوخی الحرفية والجودة ونشر ثقافة التمايز بين التعليم الخصوصي و العمومي وجعله مقاولة تجارية يولد عقدا تتفاوت نسبتها ليس فقط بين التلاميذ بل أيضا كذلك بين آبائهم والذين لا يستطيعون توفير تعليم خصوصي لأبنائهم الارتفاع تكاليفه المادية.

الفقرة الثالثة : بيئة العمل

تعتبر بيئة العمل البيئة الخارجية الثانية بعد البيئة المدرسية التي ينتقل إليها الشخص بعد إنهائه مرحلته الدراسية، فالعمل هو محور الحياة لأنه يضمن الاستمرارية في السيطرة على الموارد الطبيعية وتسخيرها لسد الحاجات المتنامية من خلال بدل جهد فكري أو إداري أو تقني أو جسمانی والعمال بشكل عام ينقسمون إلى قسمين، فئة تنتمي إلى القطاع العام وأخرى إلى القطاع الخاص.

فالعمل بهذا المعنى هو مجموعة من العلاقات يطبعها عامل الإنتاج والمردودية وتخضع لقوانين تشريعية منظمة وأثناء العمل يدخل الفرد في علاقات متعددة ومتنوعة مع غيره من الأفراد يختلفون في مجموعة من القيم أو التوجهات.

ومن منطلق أن الإنسان اجتماعي بطبعه فإنه يدخل في علاقات مع الأفراد من بني جنسه يكون لها أثر في تكيفه مع المجتمع وإنتاج بعض القيم المدرسة لم تكن متاحة أثناء تعايشه مع الأسرة أو خلال تنشئته وتدرجه في سلك المدرسة.

ولعل الانزلاقات الإدارية والوظيفية التي تطبع العمل من قبيل السرقة والاختلاس والرشوة وما يصطلح عليه بالفساد الإداري تكون نتيجة طبيعية الانحراف سلوك بعض العاملين ممن يفتقرون لحصانة أخلاقية بل قد تتسرب إلى الشخص عدوى بعض السلوكات الأخرى تصيبه من خلال محاكاته ودخوله في علاقات مع رفقة سيئة لذلك،

لذلك, إذا كان العمل لحظة أساسية في حياة الإنسان بغض النظر عن طبيعته فإنه يحرك عجلة الازدهار والنمو لأن الممارسة الواعية والهادفة هي التي توفر لصاحبها المناعة اللازمة من الوقوع في مثالب الانزلاقات والانحرافات، وذلك لا يتأتى إلا من خلال تلقي تربية سليمة على أرض هندسية صلبة غدتها البيئة الداخلية الأولى (الأسرة) وصقلتها بالقيم الإنسانية الرفيعة لترعاها المدرسة وتتولى تنميتها وتقاوم كل اعوجاج سوف يكون له أثرا وخیما يجعل الفرد يصاب بعلل نفسية ونزوات تسقطه في فخ المحظور ويرتكب أفعالا غير مباحة تسقطه في براثن الجريمة.

فالتأهيل الاجتماعي للفرد داخل مجموعته هو سلسلة متتالية من الحلقات كلما اختلت أحداها كلما أثرت سلبا على الحلقة التي تليها، فكذلك شخصية الإنسان الذي يجب أن تهيئ له التربية الصالحة من خلال البيئة الأسرية السليمة وفرص التعليم الجيد ومساهمته في تنمية بلده بحصوله على عمل في إطار مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص، وكلها وظائف تتحملها الدولة من خلال تهييء الظروف المواتية ودعم مواطنيها وتأهيلهم سواء بالإرشاد و التوجيه و ايجاد المؤسسات الكفيلة بذلك أو في فرض رقابتها على مؤسساتها التي تضطلع بالتنشئة والتربية والتعليم حتی تطيع تأهيلهما للقيام بمهامها المنوط بها.

الفقرة الرابعة: البيئة الترويحية :

 البيئة الترويحية سميت كذلك لأن الإنسان في ظل تدافعه وكده من أجل إثبات ذاته بممارسته العديد من الأنشطة غالبا من يحتاج في أوقات فراغه إلى وسائل ترويحية تدخل عليه البهجة والانتعاش للترويح عن نفسه وتجديد طاقاته

وتبعا لمكونات شخصية الإنسان التي تأسست من خلال جملة من التراكمات على نحو ما راينا فإن الميولات في اختيار وسائل الترويح قد تختلف باللجوء إلى وسائل مفيدة من قبيل المطالعة وتنمية المدارك والمعارف والمساهمة في الندوات واللقاءات الثقافية والاجتماعية وممارسة الألعاب والتمارين الرياضية والاستمتاع بالفنون الجميلة، إلى وسائل ضارة قد تؤدي به إلى انحراف سلوكه انحرافا إجراميا حيث يلجا إلى بيئة ترويحية فاسدة من قبيل تعاطي المخدرات بأنواعها أو اللجوء إلى أوكار القمار أو التردد على أوكار الفساد فيسقطون – من خلال معاودة وتكرار هذه السلوكات الشاذة – في براثن الجريمة من حيث لا يشعرون وقد يصبحون مرضي مدمنين على ذلك فيتطلب الأمر تقديم علاج فوري.

ومن أجل محاربة هذه الظاهرة ومكافحة الإدمان على المسكرات نرى أنه يجب تنظيم حملات إعلامية واسعة ومستمرة عن طريق أجهزة المختلفة من أجل تبصير الجمهور بأضرارها وتوفير المساعدة الممكنة في العلاج وتشجيع المدمنين على التقدم إلى المصحات والعيادات لمعالجتهم مجانا مع مراعاة سرية البيانات المتعلقة بهم بدل تشديد العقوبات المقررة لجريمة السكر لأن الطابع الردعي وحده غير كفيل لمعالجة الظاهرة.

المطلب الثاني : المحيط العام واختلالاته

اذا كان المحيط الخاص أشد لصوقا بشخصية الفرد لأنه يؤثر بشكل مباشر في تكوين شخصيته، فإن المحيط العام لا يقل أهمية من حيث التأتير بل إنه يشكل مرتعا خصبا في توجيه الأفراد والتأثير عليهم إيجابا أو سلبا من خلال تمثلات الأوضاع والظروف المحيطة بالفرد والجماعة التي ينتمي إليها.

ويظهر جليا أن المحيط العام تحكمه ثلاثة محددات أساسية تتمثل، في المحيط الاجتماعي، المحيط الاقتصادي، والنظام السياسي.

الفقرة الأولى: المحيط الاجتماعي

يمكن تشبيه المحيط الاجتماعي بذلك الوعاء الذي تتجاذبه مجموعة من المقومات تمثل أوضاعا وظروفا اجتماعية تحيط بالفرد والجماعة التي ينتمي إليها وترسم الملامح الأساسية لتنظيمه الاجتماعي وهذه المقومات هي : الدين، التقاليد والعادات، التعلم، و التقنيات الحديثة

أولا: الدين

على مر العصور والأزمنة لعب الدين دورا كبيرا في صياغة الأفكار وتنظيم الأفراد والمجتمعات ووضع معايير جماعية تضفي مهابة القدسية والاحترام.

وفي إطار علم الإجرام يبرز الدين كعامل أساسي يؤثر على ظاهر الجريمة ويتجه إلى الإقلال من نسبة ارتكابها فيكون بهذا المعنى جزءا أساسيا في المقاومة النفسية التي تعترض الدوافع الإجرامية وهو بهذا الوصف يقلل من تأثير تلك الدوافع أو يقضي عليها لأن أفعال وسلوكات بني البشر تخضع بقوة لسلطان عقيدتهم.

وتماشيا مع الفلسفة العامة للدين الإسلامي التي تنشر مبادئ الأخوة والمساواة وتنبذ العنف وانتهاك الحقوق والحريات، فإن تنمية الروح الدينية في المجتمع من وظائف الدولة عن طريق إعداد وتنفيذ برامج التوعية الدينية بغرس الوازع الديني في نفوس الأفراد في جميع مراحل الدراسية ومن خلال جميع وسائل الإعلام، و قد ذكر فقهاء المسلمين أن الجمهور ليس متطوعا ولا متبرعا فيما يقوم به من صيانة المجتمع ووقايته من الانحراف والجريمة، بل هي مسؤوليته التي لابد منها للحفاظ على أمن المجتمع وسلامتها.

فالدين له تأثير خاص على الأفراد والجماعات لاختزاله مجموعة من الفضائل والقيم الاجتماعية السامية مما يؤثر إيجابا في شخصية الفرد ويدفعه إلى التأثر والتعاون في رفض الجريمة وحماية مجتمعه منها سيما وأن هذه الأخيرة لم يعد مكافحتها هما تضطلع به الدولة وحدها بل إن توفير أسباب الأمن القضائي تتطلب تكاثف الجهود في محاربة الجريمة التي باتت تعرف تصاعدا مضطردا وأن المجتمع بكل مكوناته مطالب بالدفاع عن الحقوق والحريات حتى ينعم الجميع بالأمن والاستقرار.

ثانيا : التقاليد والعادات

التقاليد والعادات هي أنماط سلوكية موروثة ذات طابع اجتماعي, وتخص بعناية واحترام إلى حد القداسة وتلعب دورا في تكوين قناعة الفرد والجماعة وتوجيهها.

ما يميز هذه التقاليد والعادات السلوكية أنها تتميز بالخصوصية بحسب المناطق، حيث تولد نوعا من الوعي الاجتماعي يظهر في شكل ترسيخ وإحياء بعض الظواهر ذات طبيعة موسمية غير أنها تؤثر في القناعات سية للفرد وتساهم في توجهه.

إذا كانت بعض التقاليد تحمل حمولة إيجابية في تنظيم العلاقات ونشر ثقافة الإيخاء والمسامحة ونبذ العنف والخلاف، فإن بعض العادات السيئة تؤدي إلى انزلاقات خطيرة عن وعي أو عن غير وعي كانتشار ما يسمى بالسحر والشعوذة و الذي أضحى ظاهرة  سلبية تغدي المجال الاجتماعي وتشبعه بأفكار تؤثر على ممارسة الأشخاص وقناعاتهم وتساهم في الوقوع في المحظور وارتكاب بعض الجرائم

لذلك يجب على الدولة والمشرع ليس فقط المعاقبة على أفعال السحر و الشعوذة بل التدخل الوقائي والإستباقي من أجل الحيلولة دون تفشي هذه الظاهرة ومحاربتها والوقوف ضد إشاعتها وديوعها سيما وأن آثارها سلبية تعرف انتشارا داخل الأوساط الفقيرة والهامشية وبدأت تغزو كذلك الحواضر والمدن

ثالثا : التعليم

سبق أن أشرنا إلى أن التعليم يلعب دورا أساسيا في التنشئة الاجتماعية، فهو لا يقتصر على تزويد الناشئة بالمعارف وتلقينهم العلوم بل يساهم كذلك في تهذيب السلوك وتقويمه وتثبيت القيم الاجتماعية السليمة في نفوس الأفراد.

وإذا كانت المدرسة هي البيئة الخارجية الأولى التي تتفاعل مع الأسرة باعتبارها البيئة الداخلية فإن المسألة التعليمية هم مشترك بين هاتين الخليتين، حيث يجب أن تكمل إحداهما الأخرى حتى تتحقق الأهداف والغايات المرجوة في صقل شخصية الطفل واستكمال جوانبها لتكون سوية تملك المناعة الكافية من الوقوع في الإنزلاقات التي تتحول إلى انحرافات ضارة توقع في الجرائم فيكون بذلك التواصل بين الأسرة والمدرسة واجب أساسي لأنهما يشتغلان سويا في إعداد أجيال الغد.

وقد أظهرت دراسات جرت في فرنسا وألمانيا وايطاليا أن نسبة الأميين من المجرمين تزيد على نسبة المتعلمين منهم.

ومن جهة أخرى يبدوا أن للتعلم تأثيرا نوعيا على الظاهرة الإجرامية إذ تبين العديد من الدراسات التي جرت لهذه الظاهرة أن أغلب جرائم الأميين تتميز بطابع القسوة والعنف كالقتل العمد والضرب والجرح والاغتصاب والسرقة، بينما معظم جرائم المتعلمين تخلوا من القسوة والعنف كالنصب والاحتيال والاختلاس والتزوير والتزييف.

رابعا : التقنيات الحديثة

مع تطور المدنية الحديثة ظهرت ثورة تكنولوجية همت الجانب الإلكتروني، ناهيك عن مجموعة من التقنيات الحديثة التي تثير فضول الأطراف وتشبع حاجياتهم وترفع من مستوى معيشتهم إضافة إلى تسهيلها العمليات التواصل والإتصال على نحو سريع ومريح و يحقق الرفاهية الاجتماعية.

غير هذه التقنيات الحديثة التي انتشر استخدامها على نحو واسع ظهرت معها جرائم جديدة لم تكن للبشرية عهدا بها وهي جرائم بالغة الخطورة كجرائم الاعتداء على الأموال من خلال التعامل المصرفي الالكتروني، وجرائم التجسس من خلال المعلومات المتعلقة بالأمن القومي في غياب تشريعات تضع قوانین خاصة لهذا النوع من الجرائم بالرغم من الحاجة الماسة إليها مما تكون معه الحاجة ملحة إلى وضع تشريعات خاصة بهذا النوع من الجرائم تتماشى وخطورتها وإقرار تدابير وقائية من أجل حماية المراكز المالية والقانونية للأفراد والجماعات

خامسا : موقف المجتمع من المجرم

تحقيقا لغاية المشرع الجنائي في ردع المجرم يقوم بمعاقبته بعقوبة تتناسب مع الجريمة التي ارتكبها عسى أن يصاب المجرم بأزمة ضمير ويقتلع عن معاودة اقترافه الجرائم، غير أنه قد يكون ضحية حكم آخر يصدره عليه المجتمع يتسم بالاستنكار والدونية والاحتقار والازدراء   للمجرم مما يجعله دون احتضان المجرم وانتشاله من عالم الجريمة وإرجاعه وضعه الطبيعي.

فيترتب عن ذلك رد فعل قوي مشبع بالتمرد والكراهية ضد المجتمع حث ينغرس المجرم في أفعاله الإجرامية من جديد بدل مساندته في التأهيل كانته الاجتماعية بعد تنفيذ عقوبته، ولأن تعرضه للكره والنبذ ضيق مجالات عيشه واختياراته مما يضطر معه إلى البحث عن خيارات أخرى ولو كانت خارج القانون.

فاذا كان قمع الجريمة ومحاربتها هما مجتمعيا يجب أن ينخرط فيه الجميع, فإنه يجب كذلك الانخراط وبقوة في تكريس ثقافة العفو والتسامح و الصفح وإعادة إدماج المجرم في بيئته الاجتماعية بعد أن ينال عقابه حتى يسهل امتصاص أي رد فعل يؤدي به إلى الوقوع في الجريمة أكبر وأخطر.

الفقرة الثانية: المحيط الاقتصادي

على غرار البيئة الاجتماعية تتشكل البيئة الاقتصادية من مجموعة من الأوضاع والظروف الاقتصادية التي تحيط بالفرد والجماعة التي ينتمي إليها وتتسم بطابع معيشي، فإذا كان الباحثون يجمعون على تأثير البيئة الاقتصادية في وقوع الجرائم فإنهم يختلفون في مدى نسبة تأثيرها حيث يغالي بعضهم في جعلها المحدد والمشرط في ارتكاب الجرائم وهم أنصار الماركسية الذين يكادون ينسبون إلى العوامل الاقتصادية وحدها بسبب الإجرام والتزاما مع منهجهم المؤسس على التفسير المادي للظواهر الاجتماعية والقائم على رد هذه الظواهر كلها إلى عوامل اقتصادية، في حين قلل باحثون آخرون من أهمية العوامل الاقتصادية في نشوء السلوك الإجرامي وهم المتأثرون بنظرية الامبروزو” التي تعتبر كل صور الإجرام نتاج اختلالات بيولوجية ونفسية

وعموما تتمثل اختلالات البيئة الاقتصادية في قلة الموارد المالية، و سوء توزيع الثروات والتطورات الطارئة على الأنشطة الاقتصادية

أولا: قلة الموارد المالية:

في منطق الاقتصاديين كلما قلت الموارد المالية في الدولة أو انخفضت أثر ذلك سلبا على مواطنيها وحصول العجز عن إشباع الرغبات والحاجيات الأساسية وينتشر الفقر والعوز والبطالة، فكلما تفشت الفاقة وتسريح العمال كلما ارتفعت معدلات الجريمة وكثرت وتعددت مظاهر باللجوء إلى الوسائل غير المشروعة في العيش كالسرقة والاختلاس والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة والرشوة، كما تنتشر الجرائم الأخلاق للحصول على المال لسد حاجيات العيش الأساسية بل إنه قد يصاحب ذلك توثرا وضغطا نفسيا يؤدي إلى السقوط في عالم المخدرات وما ينتج عن ذلك من ارتكاب جرائم القتل والإيداء لأتفه الأسباب.

لذلك يجب على السلطات العامة أن تأخذ إجراءات احترازية في مثل هذه الحالات لإيجاد حلول لرفع مواردها المالية حتى لا تصاب بعجز يؤثر سلبا على حياة الناس، و ذلك لا يتأتى إلا بتبني سياسة عمومية تروم رفع مستوى الإنتاج الزراعي والحيواني واستثمار الثروات المدنية اسثتمارا جيدا وتنمية المجال الصناعي وتنظيم الممارسات التجارية وتنشيط السياحة والحيلولة دون الممارسات التي تستغل الثروات بشكل فاحش في غياب المراقبة القانونية لأن هذه الثروات هي مال مشترك يجب أن تستفيد منه الدولة وبالتبعية جميع مواطنيها وتتحقق به أسباب الازدهار والرفاهية وضمان الحقوق الأساسية والدستورية المثملثة في عمل شريف وتعليم جيد ورعاية صحية واجتماعية

ثانيا : التقلبات الاقتصادية :

ترتبط التقلبات الاقتصادية غالبا بالتغيرات التي تشهدها السوق العالمية فإذا ما كان الاقتصاد الداخلي تابعا وغير مؤسس على أسس مثينة فإنه سرعان ما ينهار ويؤثر سلبا على المستوى المعيشي للأفراد والجماعات كما وقع في الأزمة الاقتصادية التي عرفها العالم أخيرا.

وتظهر العلاقة وطيدة بين تقلبات مناخ الأعمال والاقتصاد وظهور جرائم خطيرة تمس المراكز الاعتبارية للتجار والتي تتجاوز تأثيراتها لتصل إلى العمال والمستخدمين، وتكثر جرائم الاحتجاجات والنصب والاحتيال وعدم سداد قيمة الديون وعدم الوفاء بقيمة الكمبيالات والشيكات وإغلاق أبواب الشركات والمقاولات وتسريح العمال.

ولعل العلاقة وطيدة بين التقلبات الاقتصادية وتدني المستوى الاجتماعي حيث تضعف القوة الشرائية للأفراد الذين يظهر عجزهم عن سد بعض احتياجاتهم ويشتد هذا العجز كلما صعد مؤشر الأزمة حيث إذا ما وصل إلى معدلات كبيرة فإن الأفراد يصبحون غير قادرين على سد احتياجاتهم الضرورية مما يدفع بهم إلى ارتكاب جرائم ضد الأموال وتزداد نسبة هذه الجرائم.

الفقرة الثالثة: البيئة السياسية

 تتمثل البيئة في مجموعة من الأوضاع التي ترسمها سياسة الدولة و التي يجب أن ينخرط فيها الفرد ويعمل بتوجهاتها وهو ما يتعلق بسيادة الدولة، و يتولى القانون رسم الخطوط العريضة لهذه السياسة، بين الفرد و الدولة التي يعيش في كنفها التي تتولى أجهزتها المختلفة بفرض الاحترام الواجب وسيادة القانون ليعيش الجميع في أمن واستقرار دائمين.

أولا : نظام الحكم

يعتبر نظام الحكم هو الضامن الأساسي لاستقرار البلاد وعنصرا حاسما في انتظام الجميع لسلطة القانون وبالتالي هبوط نسبة الإجرام

فإذا أصيب هذا النظام بالضعف والوهن أضحى مرتعا للجرائم بمختلف أنواعها واختل توازنه وضاعت قيم الأمن والسلام وارتفعت مؤشرات الجريمة

وترتكز مختلف الأنظمة السياسية على جانبين أساسيين:

تتميز الأنظمة السياسية بطغيان احد النمطين، النمط الديمقراطي حيث يكون الشعب هو مصدر السلطة والسيادة، والنمط الديكتاتوري الذي يصادر الحقوق والحريات.

فالنظام الديمقراطي الذي يفسح المجال لإبداء الرأي ويقبل الاختلاف، ويصون الحقوق والحريات الفردية والجماعية ويضمن ممارستها ويسمح بتعدد الأحزاب السياسية ويحفظ حرية الصحافة، تتعمق وتتواصل عراه بالشعب مما يوفر جو الاهتمام بالمصلحة العامة دون تمييز أو محاباة، ويتعزز تعاون كل أفراد الشعب مع أجهزة الدولة في التنمية والأعمار والإصلاح وفي مكافحة الانحرافات والمنحرفين وكشف الجرائم وضبط المجرمين

فإذا ما تم إقصاء وتهميش الأفراد داخل المجتمع وعدم قيام نظام سیاسی بما يحول دون تفييئ مواطنيه، يشعر هؤلاء الاخرون ويتولد له الإحساس بعدم الاكتراث بهم وعدم رعاية مصالحهم فيتحولون من مواطنين صالحين مجتهدين لخدمة وطنهم إلى مواطنين فاقدي الثقة في النظام السياسي ومؤسساته ولا يتورعون في ارتكاب الجرائم والتمرد على تشريعاته وأنظمته القانونية

ثانيا : دور القاعدة القانونية

لكي يضبط النظام السياسي العلاقات بين الأفراد فيما بينهم وبين مختلف مؤسساته يقوم بسن القوانين في شكل اوامر و نواهي إلى جميع أفراد المجتمع خدمة لبقائه واستمراريته وتطوره ناهيك على أن القانون يحدد كذلك القواعد المقررة لتنظيم الدولة وعلاقتها مع الدول الأخرى

بناء على ذلك تشكل عدالة وسيادة القانون ضمانة أساسية لاحترامه والالتزام بأحكامه مما يحقق أهدافه في تنظيم حياة المجتمع واستمرارها وتطورها، فالمشرع يحاول في وضع قواعده القانونية الاعتداد بشعور الجماعة والرأي العام ويستجيب لحاجات المجتمع ومقتضيات المصلحة العامة بتوازن مع القيم السائدة

فالقانون بهذا المعنى يجب أن يستجيب لمشاعر الأفراد والجماعات بحيث يجدون ذواتهم فيه وإلا عاشوا انفصاما تتولد عنه خيبة أمل تتحول إلى سخط ونقمة مما يكرس الإخلال بأحكامه ونواهيه وتتزايد نسبة الإجرام.

وقد لفت ذلك نظر المؤتمر السابع للدفاع الاجتماعي الذي أوصى بضرورة مراعاة الحذر من عملية التجريم القانوني، لما تؤدي إليه من تضخيم حجم الجرائم دون أن يمثل هذا التضخيم تغيرا اجتماعيا يتناسب مع تبلور الرأي العام تجاه الأفعال التي يشملها التجريم

وقد نصت المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن الناس جميعا سواء أمام القانون، هم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان

المطلب الثالث: محيط البيئة الطبيعية

علاوة على التداخل الذي اشرنا إليه سابقا بين مختلف البنيات التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على سلوك الإنسان فان البيئة الطبيعية هي الأخرى تمارس تأثيرها على ارتكاب الجرائم، وقد عرف بعض الفقه البيئة الطبيعية بأنها : العوامل الطبيعية المؤثرة في الظاهرة الإجرامية وهي المناخ وطبيعة التربة والطول النسبي للنهار والليل والفصول ومعدل درجات الحرارة والأوضاع الجوية.

فالعوامل الطبيعية التي ذكرها “فيري” هي ذاتها مكونات البيئة الطبيعية التي تنقسم إلى قسمين البيئة المناخية والبيئة الطبوغرافية المتمثلة في سطح الأرض وتربته وما يكتسيه من سهول وجبال ووديان وما عليه من مدن وأرياف.

الفقرة الأولى: البيئة الطبيعية وأثرها في تكوين سلوك الإنسان:

 يقول “مونتيسكيو” : “إذا كان من الصحيح أن سجية النفس وأهواء القلب تختلفان للغاية في مختلف الأقاليم، فان على القوانين أن تكون تابعة الاختلاف هذه الأهواء وهذه السجايا” وأوضح اختلاف الإنسان في مختلف  الأقاليم بقوله: “الهواء البارد يقبض أطراف نسائج بدننا الخارجية ويزيد هذا نابضها ويساعد على رجوع دم الاطراف نحو القلب وهو ينقص طول هذه النسائج، فيزيدها قوة وعلى العكس يطلق الهواء الحار أطراف النسا ويمدها فيقلل قوتها ونابضها إذن ففي الأقاليم الباردة يكون القلب أكثر قوة ولابد لهذه القوة البالغة أن تكون ذات نتائج كثيرة، ومن ذلك كثرة الثقة بالنفس أي كثير الشجاعة وكثير علم الإنسان بأفضليته أي قليل الرغبة في الانتقام”.

ويضيف قائلا : “لو في أقاليم الشمال شعوب ذات معاييب قليلة وفضائل كافية واقتربوا من الجنوب ترو هم يبتعدون حتى عن الأخلاق فالأهواء الحادة تكثر الجرائم وترون في البلاد المعتدلة شعوبا متقلبة في اوضاعها وفي رذائلها وفضائلها فليس للإقليم صفة معينة”

وقد وصف ابن خلدون في مقدمته أثر البيئة الطبيعية في التكوين البدني والنفسي للإنسان فتحدث عن السود والبيض وما بينهم من اختلاف في الهيئة والطباع تبعا لاختلاف بيئتهم الطبيعية ووصف سكان المناطق الحارة بالخفة والنزق

وتوصل علماء اروبيون منهم “SPENCER” أن الطبيعة تؤثر بشكل غير مباشر على سلوك الأفراد وتطور الجماعات 

نستنتج أن الطبيعة تمارس تأثيرا على التكوين العضوي والنفسي للإنسان الذي ينعكس على سلوكه، فالسلوك الإجرامي يخضع إلى مؤثرات البيئة الطبيعية التي قد توجهه سلبا في ارتكاب الجرائم

الفقرة الثانية : أثر المناخ في الظاهرة الإجرامية

يتكون المناخ من عناصر عديدة هي الحرارة والرطوبة والضغط الجوي والرياح التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وقد بينت الدراسات الجنائية هذه العوامل المناخية التي لها اتصال بظاهرة الإجرام، فقد ذكر “الومبروزو” أن جرائم العنف تزيد في فصل الصيف وتقل في الشتاء، و الجرائم الواقعة على الأموال تزيد في الشتاء وتقل في الصيف ، وأجری “فيري” دراسة في فرنسا سنة 1881 استنتج منها اثر ارتفاع درجة الحرارة في ازدياد الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص (جرائم الانفعال) واثر انخفاض في الحرارة في ازدياد الجرائم الواقعة على الأموال.

الفقرة الثالثة : البيئة المجالية وأثرها على الإجرام

يتكون المجال من جملة من العناصر بعضها ذو طبيعة مادية يتمثل سطح الأرض والتربة وما عليه من سهول وجبال ووديان ومدن و أرياف و قرى مشتركة في طبيعة إنسانية تختزل خصوصية المجال وسماته الأساسية كل ذلك يؤدي إلى إنتاج ثقافة وأسلوب معيشي يتغذى على القيم و التقاليد والعادات فيتضح أن المجال هو خليط من العناصر تختلف كما, نوعا ففي السهول المنبسطة ذات التربة والمياه الوافرة والحياة تزداد الخبرات وتتحسن الطباع وتقل معدلات الجريمة وتهبط نسبها حيث يتسم سكانها بالسلم والوداعة والرضى بالحياة

أما المناطق القاحلة القاسية فإنها تتسبب في حدة طباع الناس الذين يتسمون بالقسوة ويكونون أكثر استجابة لارتكاب الجرائم يزيد في ذلك طبيعة المجال المتسم بوعورة الطرق و المسالك حيث يصعب تعقب مرتكبي الجرائم

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!