الاستيلاء على عقارات الغير

الاستيلاء على عقارات الغير ومظاهره

محتويات المقال

ماهية الاستيلاء على عقارات الغير

الاستيلاء على عقارات الغير يضاف إلى خانات التجاوزات المعدودة والمحدودة، بحيث سعى المشرع من خلال ترسانته القانونية حماية الملكية العقارية وتحصينها وضمان سهولة تداولها عبر تعزيز ضمانات الاستقرار المعاملات العقارية والرفع من قيمتها الاقتصادية،

لكن في ظل تفشي ما يسمى الاستيلاء على عقارات الغير، أضحى تحقيق الأمن العقاري رهين بتجاوز والحد من هذه الظاهرة، لما تشكله من اعتداء على الملكية العقارية، حيث اتضح أن لوبيات العقار تلجأ في استيلائها على الأملاك العقارية إلى استغلال هشاشة القوانين والترسانة المنظمة للعقار، وكذا ضعف الحماية القانونية للعقار في حالات أخرى، بالإضافة إلى استعمال أساليب احتيالية كالتزوير والتدليس وغيرها.

المطلب الأول: مفهوم الاستيلاء على عقارات الغير

لم يتحمل المشرع عناء وضع تعريف دقيق للاستيلاء على عقارات الغير، بل اقتصر فقط على وضع نصوص قانونية متفرقة يمكن من خلال استقرائها إزالة الغموض عنه وعليه سنحاول تعريف الاستيلاء ومحاولة مقاربته من خلال الرسالة الملكية السامية مع تمييزه عن غيره من المفاهيم من قبل الحيازة التي نظم المشرع أحكامها في المواد من 239 إلى 263 من مدونة الحقوق العينية والاعتداء المادي في إطار تزع الملكية من أجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت والغصب (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: تعريف الإستيلاء على عقارات الغير وحكمه

إن أخطر ما يهدد الأمن العقاري اليوم ببلدنا هو تفشي ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير التي باتت تنخر في صلب المجتمع أكثر من أي وقت مضى، لذا سنحاول من خلال هذه الفقرة تعريف الاستيلاء على عقارات الغير وملامسته علی ضوء الرسالة الملكية (أولا) ثم بيان حكمه شرعا وقانونا (ثانيا)

أولا: تعريف الإستيلاء على عقارات الغير

الاستيلاء في اللغة استولى على يستولي، استول استيلاء فهو مسئول، والمفعول مستولي عليه، استولى على الأملاك أبي أخذها قهرا، واستولى على الشيء أي صار في يده والاستيلاء على الشيء بلوغ الغاية منها، ويقال استولى على الأمر واستومي عليه أي غلب عليه، والاستيلاء يمكن أن يكون عدائيا غير ودي بمعنى الاستيلاء على مال بدون رغبة ورضا مالكه، أو يأتي في صورة استيلاء ودي أي برغبة المالك أو الإدارة، وجماع القول في الكلمة أنها تدور على معنى الاستحواذ والأخذ بدون حق

وفي الاصطلاح فالاستيلاء هو إثبات اليد على المحل حالا ومآلاء أو القهر والغلبة ولو حكما، أما الفعل المادي الذي يتحقق به الاستيلاء فإنه يختلف تبعا للأشياء والأشخاص، وهناك من الفقه من يعتبر أن الاستيلاء يتحقق بانتزاع المال خلسة أو عنوة بطريقة الحلية”.

مما تقدم يتبين لنا أن مصطلح الاستيلاء يراد به بلوغ الغاية من الأمر وصيرورة الشيء في يد الشخص قهرا وبون رضاه، بمعنى أن الاستيلاء على عقار الغير هو السطو والغصب بدون وجه حق باستعمال القوة والبطش

فالاستيلاء في نظر الفقه يخص ملكية الأشياء المنقولة التي لا مالك لها، وهو ما يعني أنه لا يمكن استساغته والاعتداد به في كسب ملكية العقارات، ودليله في ذلك أنه لا يمكن تصور وجود عقارات دون مالكها، بل حتى الأراضي الموات التي لا مالك لها تكون ملكا للدولة تماشيا مع ما نصت عليه المادة 222 من مدونة الحقوق العينية.

فمن خلال قراءة مقتضيات المادة 222 من مدونة الحقوق العينية بدورها نجدها تتضمن الشيء ونقيضه، فباستقرائنا بداية المادة نجد أن المشرع قرر واقعا قانونيا قوامه أنه انطلاقا من سن هذه المادة لم يعد هناك ملك أو أرض موات بدون مالك، لأنها أصبحت ملكا خاصا للدولة، ثم بعد ذلك جاء وأكد أنه لا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن من السلطة المختصة، وبالتالي فالأراضي الموات أصبحت معلومة المالك مما يصعب معه تنزيله على أرض الواقع حيث لا مجال لاكتساب أي حق عليها باستغلالها إلا بترخيص من إدارة الملك الخاص للدولة،

ثانيا: حكم الاستيلاء على عقارات الغير

وفي القانون المغربي نجد الفصل 35 من دستور ينص على أنه ” يضمن القانون حق الملكية.”

ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون”

كما تدخل المشرع في مجال تنظيم الملكية العقارية بعدة نصوص قانونية تجرم كل أفعال الاعتداء والسطو على ملكية من تلك ما جاء في المادة 23 في القانون 08. 39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية والتي جاء فيها “لا يحرم أحد من ملكه إلا في الأحوال التي يقررها القانون

لا تنزع ملكية أحد إلا لأجل المنفعة العامة ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون و مقابل تعويض مناسب”

ولما كانت الحماية المدنية للملكية العقارية قد لا تكفي لدرء أفعال الإعتداء والاستيلاء أقر المشرع الجزائي حماية أخرى ألا وهي الحماية الجنائية في مواجهة التعديات على عقارات الأخبار، وذلك بتقرير النصوص العقابية والجزائية الخاصة بجرائم الاعتداء والسطو على الأملاك العقارية.

الفقرة الثانية: تمييز الاستيلاء على غيره من المفاهيم المشابهة

ان أفعال الاستيلاء على عقارات الغير غالبا ما يشوبها شيء من الخلط بينها وبين الاعتداء المادي الذي تقوم به الإدارة وأحيانا أخرى مع الحيازة والغصب.

لذلك سنميز بشكل مختصر بين الاستيلاء على عقارات الغير والاعتداء المادي في إطار نزع الملكية من أجل المنفعة العامة (أولا)، ثم تمييزه عن الحيازة كسبب من أسباب كسب الملكية (ثانيا)۔

أولا: تمييز الاستيلاء على عقارات الغير عن الاعتداء المادي

يرتبط الاعتداء المادي بنظام تزع الملكية لأجل المنفعة العامة نظرا لكونه يمثل المظهر غير المشروع له.

ويعد نظام نزع الملكية إجراء قانوني تلجأ إليه الدولة والمؤسسات العمومية لإلزام الخواص على التخلي على ممتلكاتهم العقارية من أجل المنفعة العامة مقابل تعویض عادلة

أن الدولة في إطار القيام بمسؤولياتها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والإداري، تحتاج لبعض العقارات في سبيل تحقيق المصلحة العامة فتلجأ الدولة في هذا الإطار لمسطرة الاقتناء بالتراضي شأنها في ذلك شأن الخواص، إلا أنه في حالة تعذر ذلك فإنها تلجأ إلى مسطرة نزع الملكية التي تعتبر أحد أنواع الاستيلاء على عقارات الغير سواء مغاربة أو أجانب.

فغالبا ما تلجأ الإدارة إلى وضع يدها على عقار مملوك للغير من أجل تشييد مرفق عمومي دون أن تسلك في تلك مسطرة نزع الملكية، تحت غطاء الاستعجال بغية تحقيق المصلحة العامة، وهو ما يشكل اعتداها صارخا على حق الملكية المضمون بمقتضی الدستور

ان الاعتداء المادي هو كل عمل لا صلة له مطلقا بنص قانوني أو تنطيمي، أو حتى الصلاحيات المستندة للإدارة، فهو العمل الذي لا يمكن اعتباره ذا طبيعة إدارية يمكن إدراجه ضمن ممارسة السلطة الإدارية

وإلى جانب الفقه نجد أن الاجتهاد القضائي قد صار على نفس التوجه عندما عرفه المحكمة الإدارية بالدار البيضاء على أنه “الاعتداء المادي هو كل همل منعدم الصلة بتطبيق أي نص قانوني أو تنظيمي أو حتى بإحدى السلطات المخولة للإدارة يستعصي إدخاله ضمن ممارسات السلطة العامة ..”

يتضح مما سبق أن الاعتداء المادي على الملكية العقارية يقتضي وجود جهة إدارية في صاحبة المصلحة في نزع ملكية العقار المعتدى عليه، لكن حيادها عن سلوك المسطرة المنصوص عليها في الفصول 50 إلى 58 من قانون نزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، هو الذي يوقعها في دائرة المحضور وينزع عن تصرفاتها ثوب المنفعة العامة

ثانيا: تمييز الإستيلاء على الأملاك العقارية عن الحيازة

ان المشرع لم يعرف المقصود بالحيازة والتي عمل على بيان ذلك بطريقة غير مباشرة عندما تعرض لعناصرها في الفقرة الأولى من المادة 239 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على أنه “تقوم الحيازة الاستحقاقية على السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه”

ونظرا لأهمية الحيازة باعتبارها سببا من أسباب كسب الملكية، فقد عمل المشروع على تنظيم أحكامها في العديد من القوانين منها: قانون الالتزامات والعقود، وقانون المسطرة المدنية، والقانون الجنائية، وغيرها من القوانين إلى أن جاءت مدونة الحقوق العينية التي نظمتها بنصوص خاصة وأكثر دقة في المواد من 239 إلى 263.

وعليه فباستقرائنا لمقتضيات المادة 239 من مدونة الحقوق العينية نجد أن المشرع استلزم اللاعتداد بالحيازة كسب من أسباب كسب الملكية ، وضع اليد على الملك والتصرف فيه بنية التملك، وهو ما نصت عليه المادة 3 من مدونة الحقوق العينية يترتب على الحيازة المستوفية الشروط القانونية اكتساب الحائز ملكية العقار غير المحفظ أو أي حق عيني آخر يرد عليه إلى أن يثبت العكس”

وبالرجوع إلى الفقه نجد البعض قد عرف الحيازة، بأنها السلطة الواقعية أو الفعلية على شيء منقول أو عقار أو على حق عيني مرتب على شيء شريطة أن لا تكون الأعمال التي يأتيها شخص على أنها مجرد رخصة من المباحات أو التي يتحملها الغير على سبيل التسامح.

وللاعتداد بالحيازة كسبب من أسباب كسب الملكية استوجب المشرع في المادة 240 توفر مجموعة من الشروط حيث جاء فيها يشترط لصحة حيازة الحائر :

1. أن يكون واضعا يده على الملك

2. أن يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه

3. أن ينسب الملك لنفسه والناس ينسبونه إليه كذلك؟

4. ألا ينازعه في تلك منازع

5. أن تستمر الحيازة طول المدة المقررة في القانون،

6. وفي حالة وفاة الحائز يشترط بالإضافة إلى ذلك عدم العلم بالتفویت۔

وعليه فالحد الفاصل بين الحيازة والاستيلاء في الحق، فإذا كان الحائز بوضعه يده على العقار يريد حقه المكسب فهنا نتكلم عن الحيازة المشروعة المثبتة للملك، وإذا كان السطو والترامي بدون وجه حق فذلك استيلاء على ملك الغير.

كما أن الحيازة تنصب على العقارات غير المحفظة وهذا ما أكدته المادة 261 من مدونة الحقوق العينية التي تنص على أنه “لا تكتسب بالحيازة:

– أملاك الدولة العامة والخاصة؛

– الأملاك المحبسة

– أملاك الجماعات السلالية

– أملاك الجماعات المحلية

– العقارات المحفظة

– الأملاك الأخرى المنصوص عليها صراحة في القانون”

الطلب الثاني: أسباب الاستيلاء على عقارات الغير

تحتل الملكية العقارية مكانة متميزة على رأس الأنظمة القانونية الأكثر تطورا بمختلف تيارات التقدم، وتشكل القوانين الوسيلة الكفيلة لحماية وتقوية مناعتها ولكن في كثير من الحالات قد يحدث ما يجعل الترسانة القانونية غير قادرة على توفير الحماية الكافية للعقار بفعل بعض الممارسات غير المشروعة التي تقل ضعف وهشاشته، وكذا بعض الثغرات القانونية من ذلك الاستيلاء الذي يشكل أهم صور الترامي والتعدي على الملكية العقارية،

 لكون هذه الظاهرة قد ساهمت في ظهورها مجموعة من العوامل والأسباب سواء على مستوى تعدد الأنظمة العقارية والمتدخلين في المجال العقاري (الفقرة الأولى)، أو على المستوى القانوني والقضائي (الفترة الثانية)

الفقرة الأولى: ازدواجية وتعدد الأنظمة العقارية والجهات المتدخلة في المجال العقاري

من المسلم به أن العقار يعد أرضية مناسبة لمختلف المشاريع الاقتصادية والاجتماعية على الصعيد الوطني، غير أن التطور التاريخ التي مر منه النظام العقاري أفرز لنا بنية عقارية مركبة ومعقدة، مما نتج عنه ازدواجية الأنظمة القانونية المؤطرة للعقار

بالإضافة إلى هذه الازدواجية فإن تعدد الأنظمة العقارية والجهات المتدخلة في المجال العقاري كان له الأثر البين في استفحال ظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير .

أولا: ازدواجية وتعدد الأنظمة العقارية

تعرف البلاد بنية عقارية مركبة ومعقدة ناتجة عن تدخل مجموعة من العوامل التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وقد نتج عن هذه الوضعية تنوع الأنظمة القانونية المؤطرة للعقار، مما أفرز بدوره مجموعة من لاكراهات والاختلالات والقيود التي تعيق تداول العقار ، وتزيد من حالات الترامي والاستيلاء عليه

تنقسم العقارات إلى عقارات محفظة عقارات في طور التحفيظ وعقارات غير محفظة، فبالنسبة للعقار المحفظ فهو يخضع في تنظيمه لظهير 9 رمضان 1331 الموافق ل 12 غشت 1913 كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 07. 14 ، ومدونة الحقوق العينية،

 وفي المقابل لم يكن هناك أي تسريع خاص بالعقار غير المحفظ، حيث كان يخضع في تنظيمه لمصادر متنوعة منها ما هو مستمد من الفقه الإسلامي وخصوصا الفقه المالكي ومنها ما هو مستمد من القانون الوضعي

 وبصدور مدونة الحقوق العينية بمقتضى الظهر 1.11.178 الصادر بتاريخ 2011 / 11 / 12 بتنفيذ القانون رقم 08 . 39 تم الحسم في الخلاف الذي كان سائدا حول القانون الواجب التطبيق، هل ظهير الالتزامات والعقود أم الفقه المالكي، حيت نصت المادة الأولى منها على أنه تسري أحكام هذا القانون على الملكية العقارية والحقوق العينية مالم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار”

تطبق مقتضيات الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود فيما لم يرد به نص في هذا القانون، فإن لم يوجد نص يرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى العمل منه الفقه المالكي

كما نتج عن هذه الازدواجية في أنواع العقار، ازدواجية أيضا في مسألة التوثيق والإثبات باعتبار أن العلاقة بين العقار والتوثيق هي علاقة مترابطة، فنجد أن الممارسة السائدة والطاغية في تناول التوثيق العدلي للعقار غير المحفظ في حين يتناول التوثيق العصري العقارات المحفظة بشكل عام، رغم أنه لا يوجد نص قانوني يقيده بذلك.

ثانيا : تعدد الجهات المتدخلة والنصوص القانونية المنظمة للعقار

من الطبيعي أن تعدد وتنوع البنية العقارية كان له أثر على عملية ضبط المجال العقاري وتعليمه على المستوى المؤسساتي، فمن حيث الجهات المتدخلة في تدبير وضبط المجال نجد وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الداخلية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والوزارة المكلفة بالتجهيز والمندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر وغيرها من المؤسسات، ويترتب على هذه الوضعية جملة من الأكراهات،

 ذلك أن تعدد الجهات المتدخلة في تدبير الملك العقاري يطرح إشكالية التنسيق بين هذه الجهات، وعدم توحيد الرؤية، بخصوص كيفية ضبط هذه الأملاك, مما يترتب عنه مجموعة من الاختلالات:

– صعوبة ضبط الوضعية المادية للعقار من شأنها طرح إشكالية الإثبات، مما يسهل الترامي عليه من طرف الغير وابرام التصرفات القانونية بشأنه

 – استمرار حالات الاعتداء المادي للإدارة على أملاك الخواص مما يشكل مساسا بحق الملكية المضمونة دستوريا؛

 – تعدد المنازعات بين الناظمة العقارية نتيجة تعقد المنظومة القانونية والمساطر، مما ينتج عنه تعذر تصفية الوضعية القانونية للوعاء العقاري

– سوء تدبير النزاعات العقارية وغياب قضاء متخصص في النزاعات العقارية، الأمر الذي يؤدي إلى طول أمد البث في القضايا العقارية

إن ما يميز المنظومة القانونية المنظمة للعقار بالمغرب هو تنوعها وتعقدها، مما أثر أحيانا كثيرة على تداول الملكية العقارية، وشجع في تنامی حالات الغصب والسطو على أملاك الغير، وهو ما دفع بالمشرع المغربي إلى التدخل قصد ملائمة النصوص القديمة من خلال مجموعة من التعديلات همت مجموعة من النصوص القانونية، غير أن هذا الأمر زاد من تعقيد الترسانة القانونية نظرا لكثرة النصوص القانونية وتشتتها، فالتضخم التشريعي من شأنه المساس بحق الملكية، فعندما تتم صياغة القوانين في كل حالة مستجدة، فإن ذلك يترتب عليه تضخم القوانين

وبالرجوع إلى النظام القانوني المغربي نجده من عدة قوانين خاصة تنكر منها:

– القانون 08. 39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية؛

– القانون 07 . 14 المغير والمتمم لظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري

– الظهير الشريف رقم 236. 09 .1 بتاريخ 23 فبراير 2010 المتعلق بمدونة الأوقاف

– القانون 09 . 32 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق

– القانون 03 . 16 المتعلق بخطة العدالة

– القانون 00 . 51 المتعلق بالإيجار المفضي إلى مالك العقار؛

– القانون 12 . 107 المتعلق ببيع العقار في طور الانجاز؛

– القانون 12 . 106 المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية؛

– ظهير 1914/ 09 / 01 المتعلق بالملك العام

– القانون 81 . 7 المتعلق بنزع الملكية الأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت؛

– القانون 12.90 المتعلق بالتعمير

إن هذه النصوص القانونية المنظمة للعقار وغيرها من شأن كثرتها التأثير على جودة القاعدة القانونية إذ يلاحظ تداخل بعض المقتضيات أو تعارضها أحيانا، وهو ما يستغله ضعاف النفوس في أعمالهم غير الشرعية التي بموجبها يتم السطو والاستيلاء على أجود الأراضي، ومن ثم ضياع حق صاحبها الشرعي بفعل تحفيظها وما يترتب على ذلك من نهائية الرسم العقاري، فتحفيظ العقار يترتب عنه تأسيس رسم عقاري نهائي غير قابل للطعن استنادا إلى قاعدة التطهير التي تشكل بدورها أحد منافذ السطو والاستيلاء على الملكية العقارية.

الفقرة الثانية : الأسباب القانونية و القضائية لظاهرة الإستيلاء على عقارات الغير

نظرا للوظائف المتعددة التي يضطلع بها العقار، فإن جل التشريعات الحديثة قامت بتحصين منظومتها العقارية، وذلك عبر ترسانة قانونية صلبة بهدف حماية حق الملكية العقارية من كل صور التعدي والترامي والاستيلاء وتأمين ضمانات التملك بما يحد من النزاعات ويحمي الحقوق ويضمن استقرار المعاملات وفي شروط كفيلة بضمان الأمن العقاري، وتنشيط التجارة العقارية وعماد البيئة الصالحة للاستثمار وسند كل تنمية مستدامة

أولا: الأسباب القانونية لظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير

ان الاستيلاء على عقارات الغير سواء الأجانب أو المغاربة المقيمين بالخارج يعتبر عملا غير مشروع يأتي في كثير من الأحيان عن جرم معاقب عليه قانونيا، لكن ما يساهم في إتيان الاستيلاء على عقارات الغير هو ضعف وهشاشة الترسانة القانونية وذلك من خلال سکوت النص عن تنظيم قاعدة قانونية واجبة التطبيق أو تنظيمها بشكل معيب

جاء في الفقرة الثانية ونص على “ان ما يقع على التقييدات من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المقيد عن حسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو استعماله شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إيطاله أو تغييره أو التشطيب عليه.”

فمن خلال استقرائنا لمقتضيات هذه المادة نجد أن المشرع خول للمقيد بالسجلات العقارية عن حسن النية حماية في مواجهة المالك الحقيقي، وذلك من خلال حمايته من كل إجراء من شأنه أن يؤثر على مركزه القانوني، وهو نفس المقتضى الذي نص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري والذي جاء فيه كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتقييده

وابتداء من يوم التقييد في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية لا يمكنه في أي حال التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير ذي النية الحسنة.

فإذا قام الشخص بتزوير عقد البيع على حساب المالك الحقيقي للعقار ، وقام بتفويت الحق إلى مشتري أول وثاني إلى أن استقر إلى مشتري حسن النية، ومرت الأربع سنوات دون المطالبة بالحق من طرف المالك الحقيقي، فإنه يكتسب العقار بمعنى حق المالك في المطالبة ببطلان ذلك العقد والتشطيب عليه من الرسم العقاري يسقط، وبالتالي يضيع العقار من المالك الشرعي بذريعة أن المشتري حسب المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية حسن النية”

هذا ورغم ثبوت التدليس والتزوير فإنه يجب على صاحب الحق أن يمارس دعواه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد وليس من تاريخ العلم، وهو ما يعتبر حيف في حق المالك الحقيقي، وبمرور هذا الأجل سيحصن بكل تأكيد العقد الذي طاله التدليس أو الزور ، ولا يمكن بأي حال إبطال العقد، خلافا للقاعدة القائلة بأن ما بني على باطل فهو باطل، لذلك فإن هذه المادة تشكل إحدى الثغرات التشريعية التي تمكن بعض الأشخاص من الاستيلاء على عقارات الغير بدون موجب قانوني

ثانيا: الأسباب القضائية لظاهرة الاستيلاء على عقارات الغير

تعد السلطة القضائية أحد أهم الجهات التي خولها دستور 2011 حماية حقوق الغير، إذ جاء في الفصل 117 منه أنه “يتولى القاضي حماية الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. غير أن ارتفاع عدد ضحايا الاستيلاء على عقارات الغير يدفع إلى التساؤل حول نجاعة القضاء في التعامل مع القضايا المعروضة عليه، ومسايرته وتبعه لها

وقد جاء في الرسالة الملكية السامية أن استمرار التشكي بشأن نفس الموضوع لهو دليل على تواصل استفحال هذه الظاهرة، ومؤشر على محدودية الجهود المبذولة لمكافحتها لحد الآن، أن على صعيد ما يلاحظ من فتور في معاليها القضائية، أو على مستوى ما بين من قصور في تدابیر مواجهها الوقائية.

نجد أن القضاء توجه نحو نفس اتجاه المشرع على اعتباره المصلحة العامة التي تتجلى في استقرار المعاملات العقارية أولى من المصلحة الخاصة للمالك الحقيقي للعقار، وهو ما يفسر أن القضاء لم يعمل علی توحيد قراراته، مما يجعلها متناقضة وغير منسجمة، وبالتالي لا تحقق الحماية القضائية المرجوة للملكية العقارية،

لذا فإن خصوصية طابع المنازعات المتعلقة بالعقار تفرض مراجعة الإطار المنظم لهيكلة التنظيم القضائي، وذلك بإحداث محاكم أبتدائية واستئنافية مختصة باليت في القضايا العقارية على شاكلة القضاء المتخصص في المنازعات التجارية والإدارية

كما أن الأمر يتطلب العمل على تكوين قضاة في المجال العقاري، كما نناشد المشرع بإعادة النظر في الآجال المتعلقة بالبث بخصوصها عن طريق التقصير من أمدها بما يضمن حماية المتقاضين أمام القضاء ويعيد ثقة المواطنين في هذه المؤسسة.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!