الإيديولوجيات السياسية

اعتقد الكثيرون أن الإيديولوجيا السياسة قد انتهت في الولايات المتحدة الأمريكية ولكن أظهر عام 2012 انقسامات أيديولوجية حادة، حيث تعتبر انتخابات نوفمبر الأكثر أيديولوجية في الذاكرة الحية، فقد هاجم الجمهوريون إصلاحات الديمقراطيين المالية والصحية ونعتوها بالليبرالية أو حتى “الاشتراكية”. ومن جانبهم هاجم الديمقراطيون الجمهوريين واصفين إياهم بالبدائيين الذين يقودهم مسيحيون متعصبون وتمولهم جماعات رأسمالية مشبوهة.

پری معظم الأمريكيين أنفسهم على أنهم براجماتيون ولكنهم قادرون على أن يتحولوا إلى أيديولوجيين من الدرجة الرفيعة، فكلا الحزبين الرئيسيين لهما جذور أيديولوجية، وربما يعرف القليل من الجمهوريين ذلك إلا أنهم يؤمنون بالليبرالية الكلاسيكية التي تعود جذورها إلى دعوة آدم سميث في عام 1776 لإبعاد الحكومة عن الاقتصاد، وعلى الجانب الآخر، يركز الديمقراطيون منذ أمد بعيد على الحلول التي تقدمها الحكومة للتعثر المالي والفقر والرعاية الصحية والتعليم، وهم بذلك “ليبراليون جدد”، مختلفون تماما عن النوع الكلاسيكي، الإيديولوجيا حية وقوية في أمریکا

– ما الإيدولوجيا؟

تبدأ الإيديولوجيا بالاعتقاد بأن الأمور قد تصبح أفضل، فهي خطة لتحسين المجتمع، وكما يقول عالم الاقتصاد أنتوني داونز في عام 1957م إن الإيديولوجيا هي “صورة لفظية للمجتمع الجيد وللوسائل الرئيسية لبناء هذا المجتمع”

الإيديولوجيا السياسية ليست هي العلوم السياسية، فهي ليست مجالات هادئة رشيدة لفهم النظم السياسية إنما هي التزام بتغيير النظم السياسية (الاستثناء هو الاتجاه المحافظ الكلاسيكي التي تهدف إلى حماية الأشياء من التغيير المبالغ فيه )

فاتباع الإيديولوجيا لا يخرج منهم علماء أقوياء في السياسة لأنهم يخلطون بين مثالیات الإيديولوجيا وواقع العلوم السياسة،

الإيديولوجيا ترتكز في الغالب على نظريات سياسية واقتصادية إلا أنها تبسط من أجل ترويجها بين الجماهير وإنشاء الحركات السياسية والفوز بالانتخابات، و إذن يمكن القول بأن الأيدلوجيات عبارة عن نظریات رخيصة

في عالم السياسة تعمل الإيديولوجيا على توثيق الصلة بين الحركات والأحزاب والجماعات الثورية، ولكي يقاتل الناس ويتحملوا التضحيات فإنهم بحاجة إلى دافع أيديولوجي، إلى شيء يؤمنون به وأحيانا لا يدرك الأمريكيون هذه النقطة حيث يفشلون في فهم الأثر الفعال للأيديولوجيا في عالم اليوم وذلك بتركيزهم على التحديث والبرجماتية

نحن نميل لأن ننسى أن الأمريكيين منذ ما يزيد عن قرنين مضيا كانوا أيديولوجيين – ملؤهم الشوق للحرية والحكم الذاتي من خلال كتابات جون لوك وتوماس بين – واستطاعوا أن يهزموا جيشا أكبر من جيوشهم وأفضل عدة وعتادة من الإنجليز والمرتزقة الألمان الذين لم يكن لديهم دافع للقتال،

ولقد اندلعت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة على أسس أيديولوجية تتعلق بتعريف الحرية البشرية والسلطة الممنوحة للولايات في أن تتخذ مسارا مستقلا، ولا تسير الإيديولوجيا بدقة في المسار الذي يريدها لها دعائها،

فبعضها يعتبر بمثابة فشل ذريع وجميع الإيديولوجيات تنطوي على افكار وهمية سرعان ما تنهار في مواجهة الحقيقة أو الواقع، ويدعي أهل الإيديولوجيا أن بإمكانهم السيطرة على العالم وفي نفس الوقت نرى أن الحقيقة غير كاملة

ولقد أسهمت الليبرالية الكلاسيكية لدى آدم سميث في إحداث النمو الاقتصادي في القرن التاسع عشر إلا أنها أدت أيضا إلى فروق هائلة في الثورة وما جاء من ألوان الكساد، وتم تعديلها إلى الليبرالية الحديثة،

وأدت الشيوعية إلى طغيان وحشي وفشل اقتصادي وانهيار، كما أقدمت الصين بهدوء على التخلي عن افکار ما ولصالح النمو الاقتصادي السريع، الإيديولوجيا تعج بالعيوب وما علينا إلا أن نقبلها على مضض وذلك عندما تقاس مقابل أدائها الفعلي.

– الليبرالية

أطلق فريدريك وانکيفز على عام 1776، السنة الأولى من عمر الأيديولوجيات وليس فقط من عمر الثورة الأمريكية، ففي ذات العام نشر عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث كتابه “ثروة الأمم” الذي وضع فيه اسس الفكر الاقتصادي

ويبين سميث أن الثروة الحقيقية للأمم لا تقاس بکمية الذهب والفضة التي تكنزها ولكن بحجم البضائع والخدمات التي ينتجها الناس،

 وكان سمیت يعارض فكرة أطلق عليها الميرکنیتلية (الروح التجارية) والتي تفيد بأن حجم الذهب الموجود في خزانة الأمة يحدد ثروتها،

 وتجدر الإشارة أن أسبانيا قد نهبت ذهب العام الجديد وفضته ولكنها لم تزد إلا فقرآ كذلك الفرنسيون الذين انتهجوا السياسة الميركنتيلية منذ عهد لويس الرابع عشر على الأقل من خلال إشراف الحكومة على الاقتصاد عن طريق الخطط ومنح الاحتكار والدعم، والتعريفة، وقيود تجارية أخري.

كان في رأي سميث أن هذا العمل لا يمكن أن يكون طريقا إلي الرخاء، فإذا ما أعطيت شركة ما حق احتکار تصنيع شيء ما فهنا تلغي المنافسة وكذلك الجهود لإنتاج منتجات جديدة وتقضي على دوافع إنتاج منتجات أفضل وأرخص، ولكن بإبعاد الحكومة عن التدخل في الاقتصاد وترك الاقتصاد يعمل بنفسه فإننا نزيد الرخاء

ولكن إلا تؤدي المنافسة الحرة التي لا تخضع لإشراف الحكومة إلى الفوضى؟ لا، كما يقول سميث، فالسوق نفسه ينظم الاقتصاد، وسوف يزدهر المنتجون الأكفاء ويتواري غير الأكفاء، كذلك فإن العرض والطلب يحددان السعر بشكل أفضل من أي مستوي حكومي،

 ففي السوق الحر تتولي “اليد الخفية” تنظيم الاقتصاد وتصحيحه، فإذا أراد الناس المزيد من شيء ما يقوم المنتجون بزيادة إنتاجهم كما يدخل منتجون جدد إلى الميدان أو أن يقوم المنتجون الأجانب بعرض منتجاتهم .

إن “اليد الخفية” ، وهي في الواقع الحسابات الرشيدة لآلاف الأفراد والشركات الذين يبحثون عن مصالحهم – تعمل على ضبط السوق بدون مساعدة من الحكومة

لقد حملت هذه الإيديولوجيا مسمى الليبرالية المأخوذة من الكلمة اللاتينية Liber معنی حر، حيث يجب أن يكون المجتمع متحرر قدر الإمكان من تدخل الحكومة، وكما يقول توماس جيفرسون “إن أفضل الحكومات هي التي تحكم بالدرجة الأقل”

فقد عشق الأمريكيون الليبرالية عشق البطة للماء، لأن الليبرالية تلائم حاجات شعب کبیر محب للحرية، يضاف إلى ذلك أن الحرية غير الاقتصادية تروق جدا للأمريكيين إذ إنهم يؤمنون بعدم تدخل الحكومة في الدين والصحافة وحرية التعبير

ولكنك قد تقول إن ما تطلق عليه ليبرالية هنا هو بالفعل ما يطلق عليه الأمريكيون الآن الاتجاه المحافظ، هذا حقيقي، ففي القرن التاسع عشر تغيرت الليبرالية وانقسمت إلى ليبرالية جديدة وما نطلق عليه الآن الاتجاه المحافظ التي سوف نناقشها لاحقا. ولكي نضبط مصطلحائنا فإننا نطلق على الأفكار الأصلية لآدم سميث “الليبرالية الكلاسيكية” لكي نميزها عن “الليبرالية الحديثة”

 الليبرالية الحديثة:

بحلول القرن التاسع عشر، أصبح من الواضح أن السوق الحر لا ينظم نفسه بصورة كاملة فالمنافسة كانت منقوصة حيث تلاعب أصحاب المصانع بالسوق – وهي نقطة كان قد حذر منها سميث نفسه، حيث كان هناك اتجاه نحو الزيادة والنقصان في المعروض أو بمعنى آخر للاحتكار،

 وقد أفرز النظام طبقة دنيا عريضة من الفقراء المعدمين (الذين برع تشارلز دیکنز في وصفهم)، كما كانت الوظائف تورث على نطاق واسع وكان أطفال الأسر الموسرة يتلقون التعليم ولديهم الصلات التي تجعلهم دائما في القمة،

ولقد أدت نوبات الاستثمار بالمضاربة إلى انتكاسات اقتصادية متكررة – أحدث مثال لها تلك الأزمة التي بدأت في عام 2008 – تلك الانتكاسان نصيب الفقراء والطبقة العاملة على وجه الخصوص، وباختصار عمل الاقتصاد الحر على خلق بعض المشكلات

أعاد المفكر الإنجليزي توماس هيل جين (1836-1882) النظر في الليبرالية، فقد كان يرى أن الليبرالية هي مجتمع حر، ولكن ماذا يحدث عندما تجور التطورات الاقتصادية على الحرية؟

لقد وضع الليبراليون الكلاسيكيون قيمة كبرى للعقود (وهي الاتفاقيات بين الأطراف تحت إشراف حكومي بسيط)، إذا لم تعجبك الصفقة لا تأخذها، ولكن ما العمل إذا كانت قوة التفاوض بين الطرفين غير متكافئة كالتي تحدث بين صاحب عمل غني وشخص فقير في حاجة ماسة للوظيفة؟ هل يملك الأخر حقا الاختيار الحر في قبول أو رفض الوظيفة ذات الأجر المتدنية هنا بقول الليبراليون الكلاسيكيون ولیکن، حيث إن الأمور سوف تصل إلى مستواها، ولكن ما العمل إذا كان الأجر تحت مستوى الجوع؟ هنا يقول جرين يأتي دور الحكومة للتدخل، في هذه الحالة لا يكن القول بأن الحكومة تتدخل في الحريات ولكن القول بأن الحكومة تحمي الحريات، وبدلا من أن تكون هناك “حرية سلبية من” يجب أن يكون هناك قدر معين من “الحرية الإيجابية نحو”، وقد أطلق جرين على ذلك “الحرية الإيجابية”. إذن على الحكومة أن تتدخل لضمان حرية العيش بمستوى مقبول

لقد طردت الليبرالية الكلاسيكية الحكومة من السوق أما الليبرالية الحديثة فقد أعادتها ولكن لحماية الناس من النظام الاقتصادي غير العادل.

وقد نادي الليبيراليون الجدد بوضع قوانين للأجور وساعات العمل، والحق في تشكيل الاتحادات والتأمين الصحي والتأمين ضد البطالة، والفرص التعليمية المحسنة، ولعمل هذا، فرضوا ضرائب على الأغنياء أكبر من المفروضة على الطبقة العاملة كما نظموا الأمور البنكية والمالية وذلك للقضاء على الفجوة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع،

هذه هي ليبرالية الولايات المتحدة طيلة القرن الماضي، وهي ليبرالية وودرو ويلسون، وفرانكلين روزفلت، وباراك أوباما، وتجدر الإشارة إلى أن ثمة مبدأ كان موجودا في الليبرالية القديمة وظل باقية في الليبرالية الحديثة إلا وهو التشديد على حرية التعبير وحرية الصحافة.

– التيار المحافظ

يمكننا القول بأن أفكار إدموند بيرك (1729-1797) تعتبر “الاتجاه المحافظ الكلاسيكي” لأن اتجاهه المحافظ يختلف من نواحي عديدة عن اتجاه المحافظ الجديد، وقد عرف بيرك آدم سميث ووافق على أن السوق الحر هو أفضل نظام اقتصادي، وقد عارض بيربك أيضا سحق المستعمرين الأمريكان الثوريين حيث كان يرى أنهم يحاولون استعادة الحريات القديمة للإنجليز، إلى هنا يبدو بيرك وكانه ليبرالي.

لقد عارض بيرك بشدة الطريقة التي كانت تطبق بها الأفكار الليبرالية في فرنسا من قبل الثوريين، حيث تحولت الليبرالية هناك إلى رادیکالية، متأثرة بالفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ومناصر الثورة الأمريكية توماس بين، وكالمعتاد في أغلب الأحيان تصبح الإيديولوجيا المتبعة في مكان ما مشوهة عندما تطبق في ظروف مختلفة،

فالليبرالية في أمريكا كانت سهلة ولكن عندما تبناها الانجليز وأتباع حزب المحافظين فشلت بدون مقاومة، ولكن في فرنسا خسرت الطبقة الأرستقراطية والكنيسة الرومانية الكاثوليكية المدعومة من قبل الدولة خسرانا مبنيا وهنا حاول الثوريون حل المشكلة ومكنوا من إزالة كل المؤسسات القائمة

لقد كان هذا خطأ جسيما في رأي بيرك، فالليبراليون يضعون ثقة مفرطة في العقل البشري ولكن الناس راشدون جزئيا إلا أن لهم عواطف غير رشيدة.

 ولاحتوائهم طور المجتمع عبر القرون تقاليد ومؤسسات ومعايير أخلاقية مثل الملكية والكنيسة القوية، فإذا ما أزلنا كل ذلك – كما يحذر بيرك أن تنفجر العواطف غير الرشيدة داخل الإنسان مما يؤدي إلى الفوضى والتي بدورها تقضي إلى الطغيان وهو أسوأ بكثير من النظام القديم ولقد تنبأ بيرك في كتابه “تأملات في الثورة في فرنسا عام 1392 بأن فرنسا سوف تقع تحت الدكتاتورية العسكرية وفي عام 1799، استولى نابليون على السلطة

ولقد أخذ أصحاب التيار المحافظ الجديد عن بيرك تركيزه على الدين والتقاليد والأخلاق، کما أن شكوكه في تطبيق العقل لحل المشكلات الاجتماعية صادفت هوى عالم السياسة جين كيركباتريك – سفيرة الولايات المحتدة في الأمم المتحدة (1926- 2006) التي وجدت أن اليساريين دائما ما يفترضون أن الأشياء يمكن أن تكون أفضل في حين أن الثورات العتيقة دائما ما تجعل الأمور أسوأ, وفي هذه الأيام نلاحظ أن التيار المحافظ في قمة ازدهاره

التيار المحافظ الحدیث

ماذا حدث للفرع الآخر من الليبرالية, وهم الناس الذين ظلوا على ولائهم لمبدأ سميث الأصلي المتعلق بالحد الأدنى من الحكم؟ لا يزالون مهمين جدا، ونطلق عليهم “المحافظون” (وفي أوروبا لا يزالون يطلقون عليهم الليبراليون أو الليبراليون الجدد مما يحدث كثيرة من اللغط بين الأمريكيين)

وقد تلقى المحافظون الأمريكيون تشجيع كبيرة من ميلتون فريدمان (1912 – 2006) وهو عالم اقتصاد حائز على جائزة نوبل، حيث يری فرید مان أن السوق الحرة لا زالت هي الأفضل وأن آدم سميث كل على حق وأنه عندما تتدخل الحكومة فإنها تفسد الأحوال، ويشار إلى أن مارجريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريجان في الولايات المتحدة قد طبقا عملية الإحياء الليبرالية الكلاسيكية في ثمانينيات القرن العشرين وجاءت النتائج إيجابية.

إن المحافظين الجدد يعشقون السوق الحر أكثر مما كان يعشقه آدم سميث، فآدم سميث اعترف بأن السوق قد يكون غير عادل ولكن محافظي اليوم يؤمنون بأن كل الأسواق أمينة وتصحح نفسها بنفسها أكثر بكثير مما تفعله القوانين الحكومية،

ولقد تجاهل آلان جرينسيان الرئيس القوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي من 1987 حتى 2006 – التحذيرات بأن سوق العقارات الأمريكي عبارة عن فقاعة سرعان ما تنفجر، لأن البنوك الضخمة ليست بالجشع أو الحماقة لكي تدع هذا يحدث، ويفترض الجمهوريون وحزب الشاي أن الأسواق أكثر كفاءة من برامج الحكومة ويرون ضرورة خصخصة وظائف عديدة مثل إدارة الرعاية الصحية فقط من خلال خبراء تأمين خاصين

يستعير التيار المحافظ الحديث من إدموند بيرك اهتمامه بالتقاليد وخصوصا الدين، حيث پرون إقامة الصلوات في المدارس الحكومية ومنع كل من الإجهاض وزواج المثليين ودعم المدارس الخاصة وكذلك المدارس التابعة للكنيسة، كما يعارضون أيضا تحديد حقوق خاصة بالمرأة والأقليات ويرون أن الجميع يجب أن يتمتعوا بنفس الحقوق،

وعلى أية حال يعتبر التيار المحافظ الحدیث خليط من الأفكار الاقتصادية لدى آدم سميث والأفكار التقليدية الذي أدموند بيرك.

 – الإيديولوجيا الاشتراكية

سادت الليبرالية (النوع الكلاسيكي) في القرن التاسع عشر بيد أن النقاد أخذوا عليها الفجوة المتنامية بين الأغبياء والفقراء، وبخلاف جرين لم يكن البعض مؤمن بان القليل من الإصلاحات قد يكون كافيا، حيث كانوا يريدون التخلص من النظام الرأسمالي،

هؤلاء كانوا الاشتراكيين بزعامة كارل مارکس الذي كان تأثيره كعالم أقل من تأثيره كمفجر للثورة، لقد كان مارکس يكره “البورجوازية” قبل أن يطور نظرياته الشهيرة بوقت طويل، ولقد ظهر مؤشر على أفكاره في كثيب نشر عام 1848 بعنوان “ألمانيفيستو الشرعي” الذي ينتهي بتلك الكلمات الرنانة “ليس لدى البروليتاريا شيء يخسرونه إلا القيود المفروضة عليهم، حيث أمامهم عالم يكسبونه، ” يا عمال العالم اتحدوا”، وقد شارك ماركس في تأسيس الأحزاب الاشتراكية الأولى في أوروبا

كان کتاب مارکس “رأس المال” بمثابة تحليل موسع لكيفية التخلص من الرأسمالية على يد البروليتاريا، ومن ثم تأتي الاشتراكية وهي مجتمع عدلى منتج بدون فوارق طبقية، وأخيرا وفي مرحلة معينة عندما يصبح الإنتاج الصناعي مرتفعا جدآ، يتحول هذا المجتمع الاشتراكي إلى الشيوعية وهي مجتمع محکم بدون شرطة أو أموال أو حتى حكومة،

 وسوف تتوفر البضائع بالدرجة التي يحصل فيها الناس على كل ما يحتاجونه، ولن تكون هناك ملكية خاصة وبالتالي لن تكون هناك حاجة للشرطة ولأن الحكومة هي ببساطة أداة التفرقة الطبقية لن تكون هناك حاجة للدولة وذلك بعد إلغاء الفوارق الطبقية التي ستختفي بشكل طبيعي، إذن كانت الشيوعية هي المدينة الفاضلة التي يتوقعها ماركس بعد الاشتراكية

لقد ركز مارکس على عيوب الرأسمالية ولم يحدد الشكل الذي سوف تكون عليه الاشتراكية، وكل ما هنالك هو أنها أفضل من الرأسمالية، مما جعل أهدافها وإجراءاتها غامضة كذلك شجع قطاع عريضا من المفكرين الاشتراكيين على تقديم رؤاهم عن الاشتراكية ويقولون إن هذا هو ما كان يقصده مارکس حقيقة.

ولقد تدرج هذا من الرفاهية البسيطة لدى الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إلى الاتحادات التي تتحكم في كل شيء، إلى الطغيان المطلق عند ستالين ولينين إلى أفكار تروتسكي لذاتية الفرد إلى ثورة ما والدائمة التي تدمر نفسها إلى نظام تيتو غير المركزي ويشار إلى أن جميعهم ومعهم آخرون أيضأ يدعون أنهم يطبقون الاشتراكية “الحقيقة”، وتجدر الملاحظة أن هذه التفسيرات أدت إلى انهيار الحركة الاشتراكية ومن بعدها الشيوعية.

الإيديولوجيا الديمقراطية الاجتماعية :

مع بداية القرن العشرين، أصبح الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني (SPD) – الذي يعتنق الفلسفة الماركسية – أكبر الأحزاب الألمانية، وكان مارکس يحط من قدر الأحزاب التقليدية والاتحادات العمالية حيث تحرص الحكومات البورجوازية على القضاء عليها، وبالتالي عليها أن توفر فرصة للتدريب على العمل الثوري الجد،

ولكن الحزب الديمقراطي الألماني بدأ أولى خطواته على طريق النجاح حيث فاز في انتخابات الرايخستاج والمناصب المحلية وحصلت اتحاداته على أجور أعلى وفرص أفضل للعمل، لدرجة أن البعض بدأ يرى أن الطبقة العاملة يمكن أن تحقق أهدافها بدون ثورة، إذن لماذا الرصاص في وجود الانتخابات؟

عمل إدوار بپرنشتاين على تطوير هذه الرؤية، حيث أوضح في كتابه “الاشتراكية الثورية” (1961) المكاسب الحقيقية التي حققتها الطبقة العاملة وانتهى إلى أن مارکس كان على خطأ عندما تنبأ بانهيار الرأسمالية ومن ثم الثورة، فالإصلاحات التي حققت مكاسب ملموسة للطبقة العاملة يمكن أن تؤدي أيضا إلى الاشتراكية،

ومن خلال تفنيده للماركسية استحق برنشتاین لقب “المجدد” الذي أسبغه عليه الماركسيون، وفي عصر جمهورية في ألمانيا (1919 – 1933) خفض الحزب الديمقراطي الاجتماعي من لهجته العسكرية وعمل سويا مع الحزب الليبرالي والحزب الكاثوليكي في محاولة لإنقاد الديمقراطية،

ولما تعافي الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد الحرب العالمية الثانية تمكن من التخلي تماما عن الماركسية كما فعلت كل الأحزاب الديمقراطية، ولم قامت كل الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في بلدان كثيرة بتعديل موقفها زادت حظوظها في الفوز بالانتخابات أكثر وأكثر، هذا بالإضافة إلى أنها حولت نفسها إلى أحزاب يسار وسط بدون أي ذكر للثورة

ولكن تتبقى نقطة غير جيدة إلا وهي أن دول الرفاهية تعيش في غلاء هائل حيث ترتفع الضرائب من أجل الإنفاق على تدابير الرفاهية، ففي الدنمارك والسويد تستهلك الضرائب نصف دخل الفرد، وهذا هو ذات الأمر الذي حذر منه ميلتون فرید مان،

وفي ظل وجود هذا النوع من الضرائب سرعان ما تجد نفسك مسلوب الحرية في اختيار طريقة معيشتك، ويشار إلى أن الليبرالية الأمريكية قد تأثرت بأفكار الديمقراطية الاجتماعية حول الرفاهية فالجناح اليساري من الحزب الديمقراطي يتشابه أيديولوجية مع الأجنحة المعتدلة للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية.

 – الإيديولوجيا الشيوعية

في الوقت الذي تطورت فيه الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية لكي تصبح أحزاب إصلاح وأحزاب رفاهية ظل جناح صغير من الاشتراكيين الأصليين ماركسيا وأصبح “شيوعيا”، ويعتبر المفكر الروسي فلاديمير لينين (1870 – 1924) رائد هذا التحول حيث أجرى العديد من التغييرات في الماركسية أدت إلى ظهور الماركسية – الليثينية، وهي اسم آخر للشيوعية.

الإيديولوجيا الإمبريالية:

 كان كثير من المفكرين الروس في أواخر القرن التاسع عشر يكرهون النظام القيصري واعتنقوا الماركسية باعتبارها سبيلا للتخلص من حكم القيصر، ولكن مارکس کان يهدف إلى تطبيق نظريته في البلدان الرأسمالية الأكثر تقدما وليس في روسيا المتخلفة حيث كانت الرأسمالية بالكاد في بدايتها.

ولقد عمل لينين خلال منفاه الذي دام 17 عاما في سويسرا – على تعديل الماركسية كي تناسب الوضع الروسي، فقد قدم نظرية الامبريالية الاقتصادية وهي مستوحاة من فكر الثائرة الألمانية روزا لوكسمبوج والاقتصادي الانجليزي ج… هوبسون اللذين كانا يعربان عن دهشتهما من عدم اندلاع ثورات البروليتاريا التي تنبأ بها ماركس في البلاد المتقدمة صناعية وتوصلا إلى أن السوق المحلية ليس بوسعها استيعاب البضائع التي ينتجها النظام الرأسمالي ولذلك وجدت طريقها إلى الأسواق الخارجية،

وهكذا اكتسبت الرأسمالية رخصة جديدة مؤقتة للحياة وذلك بالتوجه إلى الإمبريالية، ومن خلال ما تجنيه من الأرباح التي تأتي إليها من مستعمراتها يمکن للبلد الامبريالي الأصلي أن تدفع للطبقة العاملة لكي تبقي عليها إصلاحية وليست ثورية

وكان يرى لينين أن الإمبريالية تتوسع ولكن بشكل غير منتظم، فبعض البلدان مثل بريطانيا وألمانيا كانت متقدمة جدا ولكن الرأسمالية التي كانت لا تزال في بدايتها في بلدان مثل أسبانيا وروسيا تعتبر ضعيفة،

كما أن الدول الصناعية الجديدة تعرضت للاستغلال التام من قبل النظام الرأسمالي الدولي ففيها كانت الروح الثورية متقدمة وكانت تعتبر رباط الإمبريالية الأضعف، ونتيجة لذلك، يمكن أن تندلع ثورة في بلد فقير – كما كان يرى لينين ، ومن ثم تنتشر في الدول المتقدمة لقد كانت الدول الإمبريالية تعتمد بشكل كبير على إمبراطورياتها، وعندما تتوقف عن استغلالها سوف تنهار الرأسمالية،

وقد كتب لينين أن الحرب العالمية الأولى كانت بمثابة تصادم بين الإمبرياليين الذين يحاولون السيطرة على الكرة الأرضية.

لقد نقل لينين ماركس من الوضع داخل الدول الرأسمالية إلى الوضع الدولي، حيث ينتقل التركيز من ثورة البروليتاريا ضد البورجوازية إلى ثورة الدول المستغلة ضد القوى الإمبريالية.

الإيديولوجيا القومية

الفائز الحقيقي من بين الأيديولوجيات ، والتي مازالت مهيمنة : هي القومية وهي الاعتقاد الراسخ بعظمة ووحدة بلد الفرد فالقومية غالبا ما تتولد کرد على الاحتلال والقمع الذي مارسه الأجانب، حيث دائما ما نسمع صيحات القوميين الفلسطينيين، والكويتيين والعراقيين والصينيين وغيرهم التي تردد “لن يتحكم فينا الأجانب بعد اليوم”،

لقد انتصرت القومية على كل الأيديولوجيات وأثرت عليها وبالتالي نرى أن التيار المحافظ في الولايات المتحدة مرتبط بالقومية الأمريكية كما كانت القومية في الصين أكثر أهمية من الشيوعية.

ظهرت البذور الأولى للقومية مع ملوك عصر النهضة الذين كانوا يعلنون عن قوتهم المطلقة وعن وحدة وعظمة ممالكهم، ولقد ولدت الجنسية من رحم السيادة وعموما ظهرت القومية مع الثورة الفرنسية التي كانت تعتمد على “الشعب” وكانت تعلي من قدر شعور الفرنسيين بأنفسهم كشعب متفرد ورائد قدره هو تحرير بقية أوروبا،

وعندما غزا الجيش الروسي فرنسا في عام 1792 أوقفهم جموع الناس المسلحين أي أن المتطوعين المتحمسين هزموا الجنود المحترفين، وفي ذلك العام ظهر السلام الوطني الفرنسي.

في الفترة التالية كانت كتائب نابليون تنشر الليبرالية الراديكالية للثورة الفرنسية ظاهرية ولكنهم كانوا في الواقع ينشرون القومية، فالبلاد المهزومة في أوروبا ازدادت كراهيتها بسرعة للمحتلين الفرنسيين المغرورين وأصبح الأسبان والألمان والروس قوميين أثناء كفاحهم لطرد الفرنسيين،

فالأمر الأساسي للقومية هو كراهية الهيمنة الأجنبية سواء كانت جنودا انجليز أو كتائب فرنسية أو مستعمرين أوروبيين، لقد عمت القومية أوروبا بأكملها في القرن التاسع عشر وما لبثت أن انتشرت في المستعمرات الأوروبية في جميع أرجاء العالم في القرن العشرين، ويشار إلى أن القومية في البلاد النامية في أيامنا الحالية في أقوى حالاتها.

في منتصف القرن التاسع عشر عرف المفكرون في أوروبا وخصوصا في ألمانيا وإيطاليا – عرفوا الأمة بأنها القيمة الإنسانية النهائية وهي مصدر كل شيء طيب حيث نادى الكاتب الإيطالي جوسب مازيني بالحرية ليس للأفراد – وهي جوهر الليبرالية – بل للأمة جمعاء فالفرد يحقق الحرية الحقيقية بتنازله من أجل أمته، وعلى التربية – على سبيل المثال – أن تزرع في الفرد الإحساس بالقومية التي تزيل الفردية كما يقول مازيني

غالبا ما كان العدو في القرن العشرين هو القوى الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا أو هولندا الذين وقفت في وجوههم بالترتيب شعوب الهند والجزائر واندونيسيا سعيا إلى الاستقلال، ويشار إلى أن القومية تغرس في المواطنين أنه من الخطأ الجسيم أن يتولى حكمك الأخرون، وهكذا، لم يوافق حرب البوسنة على أن يحكمهم المسلمون أو الفلسطينيون على أن يحكم الإسرائيليون أو الليتوانيون على أن يحكمهم الروس،

كما أن بعض الصينيين والإيرانيين الذين يشعرون بأنه قد أصابهم نوع من السيطرة من قبل قوى خارجية يلوحون بالقوة العسكرية والسياسات الدبلوماسية القومية، حتى الكنديون – الذين يخشون الهيمنة الاقتصادية والثقافية الأمريكية أصبحوا قوميين

يمكن أن تؤدي القومية إلى الحروب وإلى العزلة الاقتصادية حيث يردد القوميون دائما “لن ندع الأجانب يستولون على اقتصادنا” ولكن النمو الاقتصادي السريع يحتاج استثمار وتجارة دولية فالقومية تعتمد على الجانب العاطفي أكثر من أي من الأيديولوجيات السابقة حيث إن الشعور بالانتماء إلى الوطن يسري في أعماق نفسيتنا.

– القومية الإقليمية :

لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة صعودا لنوع آخر من القومية إلا وهي القومية الإقليمية التي تهدف إلى تفتيت الأمم القائمة إلى ما يطلق عليه دعاتها الأمم الحقيقية حيث إن مسلحي کويبيك يريدون الانفصال عن كندا والباسك عن اسبانيا والطالبان عن الصين والأسكتلنديين عن بريطانيا، وتقوم القومية الإقليمية على كراهية أن يحكم الإنسان من قبل غرباء عن وطنه.

الإيديولوجيا الفاشية :

تطورت القومية في إيطاليا وألمانيا إلى الفاشية، إحدى الكوارث الهائلة في القرن العشرين ويلاحظ أن إحدى علامات الحركة الفاشية هي أن أعضاءها يلبسون زيا موحدا فهم يحبون النظام العسكري، فقبل الحرب العالمية الأولى كان الصحفي الإيطالي بنيتو موسوليني اشتراكيا ثائرا إلا أن الخدمة العسكرية جعلت منه قوميا متشددا،

وكانت إيطاليا تعج بالساخطين بعد الحرب العالمية الأولى، وفي هذه الأوقات الفوضوية قام موسوليني بتجميع طائفة غريبة من الناس يرتدون زيا أسود وكانوا يريدون القضاء على الديمقراطية والأحزاب السياسية وفرض سلطة ونظام مركزيين صارعين، وكان هؤلاء الفاشيون يكرهون الفوضى ويريدون قيادة قوية لإنهائها.

وسط الفوضى المتزايدة في عام 1922، قام ملك إيطاليا بتسليم السلطة لموسوليني الذي ما البث في عام 1924 أن قام بتحويل إيطاليا إلى دولة ذات حزب واحد تحت رئاسته، كان الفاشيون يديرون الاقتصاد من خلال زرع رجالهم في كل الوظائف الرئيسية، كانت إيطاليا تبدو جميلة حيث نسبة الجريمة ضئيلة، والكثير من العمارة الأثرية، والأسعار مستقرة وكل شيء يسير على ما يرام، أما خلف الستار فقد كانت الفاشية في وضع مزري حيث بطالة مستترة وأداء اقتصادي ضعيف وفساد.

مع انهيار الاقتصاد العالمي في عام 1929 اعتقد البعض أن الفاشية هي أمل المستقبل، فقام أدولف هتلر في ألمانيا بنقل فاشية موسوليني إلى ألمانيا إلا أنه جعل أتباعه يرتدون قمصان بنية وأضاف إليها العنصرية، وبالنسبة لهتلر لم يكن الألمان مجرد أمة تكافح للتخلص من معاهدة فرساي القاسية والظالمة بل وكذلك فوضى جمهورية،

والجدير بالذكر أن هتلر لم يخترع العنصرية الألمانية التي كانت تعود إلى قرون مضت إلا أنه عمل على تغذيتها،

فقد كان القطاع العنصري يرى أن ثمة فرع من الجنس الأبيض وهو الجنس الآري هو حامل شعلة الحضارة بأكملها، كما أن فرعا من هذا الجنس وهو الفرع الشمالي الذي يضم ألمانيا كان هو الأفضل (للحقيقة ينتمي الألمان إلى خليط من الأجناس)،

 وكان النازيون يرون أن الشماليين “الأعلون” يتعرضون للمهانة والقهر على يد القوى اليسارية من الصهيونية والشيوعية والرأسمالية العالمية وحتى الكاثوليكية الرومانية، تلك العقيدة كانت أساس معسكرات الموت

تمت تسمية هتلر مستشارا في عام 1933 في وضع كان يتسم بالاضطراب وخلال سنتين- مثل موسيليني – ثبت أركان نظام دكتاتوري، ربما كانت الأغلبية من الألمان يؤيدون هتلر ومع تنظيم النازيين للاقتصاد ، حيث انتهت البطالة وشعر كثير من العمال أنهم يحصلون على الكثير من الوظائف والإجازات والرفاهية التي يوفرها النظام،

 ويشار إلى أن الاسم الكامل للنازيين هو حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني، ولكن الاشتراكية كانت كذبة كبرى، حيث كان هدف هتلر الحقيقي هو الحرب لأن الحرب هي التي تخلق الأبطال وفي سنوات قليلة سيطر هتلر على أوروبا الشرقية وحولها إلى مستعمرات للألمان، كما أن معسكرات الموت التازية قتلت حوالي 6 ملايين من اليهود وعددا مماثلا من المسيحيين الذين كانوا في طريقه

هل كان هتلر مجنونا؟ لقد كان الألمان يعتنقون كثيرا من آرائه كما كان لديهم ملايين من المؤيدين، وبغض النظر عن الجنون أظهر النازيون خطر القومية، ولقد بالغ الناس في استخدام لفظ “الفاشية” كما اساءوا فهمها حيث يطلقه البعض على كل شيء يكرهونه،

فالدكتاتور الأسباني فرانسیسکو فرانگو – على سبيل المثال – كان يعتبر فاشية في حين أنه كان في الواقع “سلطوية تقليدية” لأنه حاول التقليل من احتواء الحركة السياسية للجماهير بدلا من العمل على زيادة جذوتها كما كان يعمل موسيليني وهتلر،

وأخيرا فإن بعض المعلقين الأمريكان من الجناح اليميني يهاجمون “الفاشية الإسلامية”، ويطلق البعض أحيانا على كوكلوکس کلان في الولايات المتحدة لقب الفاشية كما أن أعضاءها يرتدون أزياء موحدة.

فالعنصرية الشعبية عند هذه الجماعة تشبه عنصرية النازيين ولكن كلان تعارض بشدة سلطة الحكومة الوطنية في حين أن النازيين والفاشيين يعبدونها، والآن توصف بعض الأحزاب الأوروبية المناهضة للمهاجرين والمناهضة الأوروبا بالفاشية، فمثلا حزب جوبيك في المجر – الذي يكره المهاجرين واليهود – پنظم مسيرات بزي موحد.

الإيديولوجيا اليوم

انهيار الشيوعية

بحلول الثمانينيات أصبحت الشيوعية على مستوى العالم منتهية مع بقاء بعض الناس في الصين وشرق أوروبا وحتى الاتحاد السوفيتي على إيمانهم بها، ففي العالم غير الشيوعي هجرت أحزاب اليسار الشيوعية حيث اعتنقت كثير من أحزاب أوروبا الغربية “الشيوعية الأوروبية”، وهي أيديولوجيا معتدلة إلى درجة كبيرة تعارض الدكتاتورية وملكية والدولة للصناعة،

وكان يفترض أيضا انهيار الرأسمالية ولكن ازدهرت في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وشرق آسيا، واعترف الكثير من القادة الشيوعيين أن اقتصادياتهم كانت جامدة ومركزية وأن العلاج يكمن في الحد من سيطرة الدولة لصالح اقتصاد السوق،

التيار المحافظ الجديد

في السبعينيات، ظهرت أيديولوجيا جديدة في الولايات المتحدة أطلق عليها التيار المحافظ الجديد تتشكل غالبيتها من الليبراليين واليساريين، ويقول الكاتب إيرفنج کریستول المنتمي للتيار المحافظ الجديد “إن الشخص الذي ينتمي للتيار المحافظ الجديد هو ليبرالي متيم بالحقيقة”

ويوجه المحافظون الجدد اتهاماتهم بأن الحزب الديمقراطي قد اتجه إلى أقصى اليسار بأفكار غير واقعية بشأن الإصلاحات الداخلية والسياسة الخارجية التي تميل إلى التهدئة، ولقد عارض المحافظون الجدد البرامج الاجتماعية العظيمة التي قدمها ليندون جونسون في أواسط الستينيات للقضاء على الفقر والتمييز العنصري،

 حيث كان يعلن بعض الليبراليين أن المجتمع الكبير لم يعط الفرصة على الإطلاق لأن الأموال المخصصة له ابتلعتها حرب فيتنام إلا أن المحافظين الجدد قالوا إن كثيرا من البرامج لم تحقق شيئا،

فالمدن أصبحت في أسوأ حالاتها، والمعايير التعليمية تدهورت والرعاية الصحية أصبحت مكلفة جدا ووجه المحافظون الجدد سهامهم إلى النتائج السلبية غير المتوقعة للبرامج الليبرالية،

ولكن أكثر الأمور إزعاجا للمحافظين الجدد هي تلك الأعمال التي أعطت للأقليات العرقية معاملة تفضيلية في التوظيف أعلى من البيض الأكثر تأهيلا في بعض الأحيان، كان المحافظون الجدد في غاية الحماس للنسبية الجامعة التي ذاعت في الستينيات، فالأفكار المفرطة في التبسيط مثل “كل شيء يعتمد على وجهة النظر” قد جرت الكثير من الليبراليين إلى التيار المحافظ الجديد ومن دواعي السخرية أن بعض المحافظين الجدد کانوا أساتذة جامعيين يحاولون توسعة مدارك طلابهم بالتركيز على نسبية وجهات نظرهم وثقافتهم ولكن الطلاب ما لبثوا أن أصبحوا ذوي أدمغة فارغة،

ويشار إلى أنه في عهد إدارة جورج بوش الابن عمل المحافظون الجدد في المناصب العليا على تصعيد الحرب على العراق لحماية الولايات المتحدة ولجر العالم الإسلامي إلى الديمقراطية، وتبقى ملحوظة أخيرة هي أن كثيرا من المحافظين القدامی الذين يكرهون شن حروب خارج حدودهم يحتقرون المحافظين الجدد الذين ينادون اليوم بأن تكون أمريكا أكثر شدة مع إيران والصين

مذهب حرية الإرادة

ثمة أيديولوجيا آخذة في النمو ببطء منذ ستينيات القرن الماضي وهي من الليبرالية لدرجة أن الفرد إما أن يكون محافظا أو العكس حيث يعود إتباع تلك الإيديولوجيا إلى أفكار آدم سميث ولا پرون داعيا لتدخل الحكومة في كل شيء، ومنهم من يسلم بما يراه الجمهوريون فقط، كما أنهم يلاحظون أن الليبراليين الحاليين يريدون اقتصادآ موجها مع السماح بالحرية الشخصية

في حين يريد المحافظون الجدد اقتصاد حرآ مع وجود قيود على الحرية الشخصية وهم يرون كلا الرأيين، فهم يعارضون الدعم والبيروقراطية والضرائب والتدخل خارج حدود بلادهم،

وبهذه الرؤية عملوا على إحياء تقليد أمريكي قديم جدا ونالوا احترام المجتمع، وعلى الرغم من أن أيا من أتباع هذا المذهب لم يفز في الانتخابات إلا أن مرکز کاتو التابع لهم في واشنطن أصبح مركزا فكرية حيويا لا يمكن لأحد أن ينكر أفكاره

 الديمقراطية – الرأسمالية المتسلطة

يرى بعض المفكرين تحديا أيديولوجية جديدا وهو الرأسمالية المتسلطة التي تسمح باقتصاد السوق الجزئي تحت الإشراف الكامل للدولة وليس فيه نية لتبني الديمقراطية.

هذه الدولة يديرها حزب وحيد على قمته مجموعة قيادية صغيرة، وهي مجموعة تدعي اتخاذ القرارات الاقتصادية الحكيمة بعيدا عن تشتيت وصخب الديمقراطية

وأكبر مثال على ذلك هو الصين التي تخلصت من ربقة مارکس وماو وتهدف إلى بناء ثروة وقوة الصين، وتسير روسيا في نفس الخط ولكن بنجاح أقل، وتجدر الإشارة إلى أن بعض الناس ، خصوصا في الدول النامية – ينجذبون نحو النموذج الرأسمالي المتسلط،

تتركز سلطة الصين في لجنة مؤلفة من سبعة أشخاص على قمة الحزب الشيوعي، وهي تضع الخطوط الرئيسية للسياسة الاقتصادية كمقار وحجم الاستثمار وضمان النمو الاقتصادي ومنع التضخم ، وذلك من خلال بنوك الدولة الكبرى،

ولقد تمنعت الصين لعقود عدة بنسبة نمو سنوية تصل إلى 10% مما أدهش العالم، ويشار إلى أن الغرب في نظر الصين مشلول سياسيا و راکد اقتصاديا

فإذا نظرنا إلى الولايات المتحدة تجدها مدينة ومستقطبة لدرجة أنها لا تستطيع تمرير میزانیتها وإذا نظرنا إلى أوروبا تجدها أيضا مدينة ولا تستطيع السيطرة على عملتها اليورو، أما الصين فتلقي إدارة جيدة على يد قادة هادئين متميزين يضعون مصالح الشعب الصيني في قلوبهم.

 يشك المراقبون في أن تظل الرأسمالية المتسلطة كنموذج على المدى البعيد، حيث تزداد الصعوبات مثل الاستثمار المفرط، وعدم المساواة في الداخل، والفساد وتبعية الصادرات مما يمثل ضررا على النمو الاقتصادي،

ولعل أكبر المشكلات لدى الصين تكمن في أزمات انتقال السلطة بدون وجود آلية ثابتة للانتقال من قائد إلى آخر، وقد مرت كل من الصين وروسيا بهذه المشكلة في عام 2012م

عموما، يلاحظ أن الرأسمالية المتسلطة غالبا ما تلي ظهور أو انهيار الأنظمة الشمولية التي كانت تقدم الأمل للشعوب في الأوقات العصبية ولكنها أثبتت أنها بلا فائدة على المدى البعيد.

الحركة النسائية Feminism

أصبحت الحركة النسائية : وهي التي جاءت إلى حيز الوجود في الستينيات على يد حفنة من الكاتبات ، بحلول السبعينيات قوة سياسية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية،

وبين كاتب من أنصار الحركة النسائية أن النساء يتقاضين رواتب أقل من الرجال ولا تتم ترقيتهن كما يتعرضن للاعتداء النفسي والبدني من قبل الرجال ولا تقدم لهن قروض أو تأمينات بالإضافة إلى اعتبارهن مواطنات من الدرجة الثانية ويرى أنصار تلك الحركة أن أصل المشكلة نفسي، حيث أوكلت إلى الرجال والنساء ادوار لها علاقة ضعيفة بالبيولوجيا فترى الأولاد خشنين ومسيطرين ومشاكسين أما البنات ينشأن على أنهن خانعات مطيعات غير واثقات من انفسهن وأنهن “إناث”

إن الفروق بين الجنسين هي عبارة عن سلوك مكتسب تماما يعلمه الآباء والمدارس للأبناء، إلا أن هذا يمكن تغييره ففي ظل تربية وتعليم سليمين للطفل يمكن أن يصبح الذكور أكثر رقة وتصبح الإناث أكثر ثباتا وثقة بالنفس

انضم أنصار الحركة النسائية إلى جماعات “التربية الواعية” ووقفوا ضد شوفينية الذكور، وبدأ يظهر تأثير الحركة النسائية إذ قام كثير من أصحاب العمل بإعطاء النساء فرصا أكثر عدالة وتفضيلهن في بعض الأحيان على الرجال، وارتقت النساء إلى مناصب عليا في الإدارة، وأصبح من المألوف وجود الزوجات العاملات، وشارك الأزواج في أعمال المنزل وتربية الأطفال، وتزايد عدد النساء اللاتي يلتحقن بالجامعات وشهدت مهن كانت تحت هيمنة الرجال مثل الطب والقانون وإدارة الأعمال – تدفقة من قبل النساء يصوتن للحزب الديمقراطي أكثر من الرجال.

 تيار المحافظة على البيئة

بدا تيار المحافظة على البيئة خلال عقد ستينيات القرن الماضي في الانتشار بشكل متزايد في الدول الصناعية المتقدمة، فقد أولى النمو الاقتصادي اهتماما ضئيلا بالدمار الذي أحدثه بالبيئة فأي تقدم يجب أن يكون تقدما حميدا بمعنى “لا يتخلى عن الطبيعة”.

 ويشار إلى أن التعدين والمصانع وحتى المزارع سممت المجاري المائية، وأن الصناعات والسيارات لوثت الهواء، وأن العوادم الكيمائية جعلت من مناطق عديدة غير صالحة للسكن وأن الطاقة النووية سربت الإشعاع،

 وقد رد أنصار البيئة على أنصار التنمية بضرورة وجود ضوابط، حيث كانوا يرون أنه من الصعب السير على هذا المنهج دون إحداث كوارث بيئية ويؤكد كلامهم ما حدث في قناة لاف، وجزيرة ثري مايل وتشير نوبل وهواء بكين، إن إحراق الوقود والغابات يزيد من ثاني أكسيد الكربون الذي قد يؤدي إلى احتباس الحرارة داخل الغلاف الجوي للأرض ويغير المناخ

هل انتهى عصر الإيديولوجيا ؟

في ستينيات القرن الماضي، قال عالم الاجتماع بجامعة هارفارد دانييل بيل (1919-2011) إن النقاشات الإيديولوجيا على مدى القرن الماضي وصلت إلى نهايتها، حيث إن فشل الشيوعية الطاغية وظهور دولة الرفاهية أنتجا ما أطلق عليه بيل “نهاية الإيديولوجيا ” ولم يعد هناك الكثير للخلاف عليه،

ومن ثم سوف تركز النقاشات أو المداولات السياسية تقريبا على مسائل فنية تتعلق بكيفية إدارة دولة الرفاهية مثل المسائل التي يمكن أن يشملها برنامج التأمين الصحي للمواطن.

في عام 1989 دهب عالم السياسة فرانسیس فوکویاما أبعد من ذلك حيث قال لم تنته المداولات الإيديولوجيا الكبرى بانتصار الديمقراطية الرأسمالية فحسب ولكن قد ينتهي التاريخ نفسه، لم يقل فوکویاما – الذي لقي سوء فهم على نطاق واسع – إن الزمن سوف يتوقف ولكنه يقصد ما ردده هيجل – أناس أحرار في مجتمعات حرة، فنحن لم نهزم الشيوعية فقط بل لا توجد أيديولوجيات أخرى تتحدى أيديولوجیتنا، فمع نهاية الإيديولوجيا تكون نهاية التاريخ من منظور الصراع بين الأفكار الكبرى،

أخبار الأيام الحالية تجعل الفرد يشك في فرضیات بیل و فوکویاما، أولا، أن انهيار الشيوعية في أوروبا لم يقضي على أفكار مارکس الأصلية، على الرغم من أن الماركسيين يحاولون إبعاد أنفسهم عن النمط السوفيتي للاشتراكية (نحن نستخدم كلمة اشتراكية لكي نعني سيطرة الدولة على الصناعة وليس مبدأ الرفاهية الذي يعتبر شكلا من أشكال الديمقراطية الرأسمالية)،

ولقد ظهرت تحديات أيديولوجية جديدة وخطيرة بمجرد انهيار الشيوعية وخصوصا الأصولية الإسلامية والرأسمالية المتسلطة بالصين، هذا، وتوجد رؤى أيديولوجية عديدة داخل الديمقراطية الحرة، فهناك السوق الحرة مقابل التدخل الحكومي، المتزايد من الرفاهية مقابل رفاهية أقل، دولة علمانية مقابل دولة دينية، ونشر الديمقراطية في الخارج أم تحاشي التدخل في الخارج.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!