الإجهاض في القانون الجنائي المغربي

الإجهاض في القانون الجنائي المغربي

الإجهاض في القانون الجنائي المغربي

لم يكن الإجهاض في القانون الجنائي المغربي إلى أن صدر ظهير 10 يونيو 1939 الذي عاقب على الدعاية والتحريض على التقليل من الإنجاب والتناسل بعدها صدرت أول وثيقة متكاملة تهم القانون الجنائي المغربي سنة 1963 والتي أشارت إلى الحالة الوحيدة التي يسمح فيها للأم بالإجهاض ولا يعاقب عليها القانون : وهي إنقاذ حياة الأم من الخطر متى قام به طبيب أو جراح علانية وبعد إخطار السلطة الإدارية

ليعدل هذا الفصل بعد ذلك سنة 1967 ليصبح: ” لا عقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزو . ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم…”،

ويمتد العمل به منذ ذلك الوقت إلى الآن. فالمشرع المغربي وبعدما كان سبب الإباحة مقتصرا على وجود حياة الأم في خطر، جعله بعد التعديل عاما شاملا لكل ما يشمل صحة الأم دون تفصيل أو إحالة على فصول أخرى أو نص تنظيمي لتوضيح المراد من “المحافظة على صحة الأم”،

 وفي نهاية هذا التقديم البسيط لابد من أن أشير إلى أن القانون الجنائي المغربي قد أدر جريمة الإجهاض في بابه الثامن المتعلق بالجنايات والجنح ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة، والتي تضم: إضافة إلى الإجهاض،

أ – ترك الأطفال أو العاجزين وتعريضهم للخطر،

ب – الجنايات والجنح التي تحول دون التعرف على هوية الطفل،

ت – خطف القاصرين وعدم تقديمهم،

ث‌-  – إهمال الأسرة،

ج‌-     انتهاك الآداب،

ح‌-     إفساد الشباب والبغاء.

ومن هنا نكتشف أن المشرع وبشكل ضمني لا يعتبر الإجهاض قتلا وإنما هو جريمة ضد الأسرة.

المطلب الأول : عناصر الجريمة

إن تجريم واقعة الإجهاض متفق عليه مبدئيا في أغلب القوانين الجنائية في العالم، وهذا ما أشار إليه الفصل 449 حين قال: ” من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك، برضاها أو بدونه سواء كان ذلك بواسطة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحايل أو عنف أو أية وسيلة أخرى”.

أي جميع الأشخاص الذين يقومون بإجهاض امرأة – بما فيهم المرأة نفسها – باستعمال أي وسيلة كانت فهم معاقبون. والفصل 453 يحدد كما سبقت الإشارة إلى ذلك الحالة الخاصة التي استثناها المشرع من العقاب. من خلال الفصلين السابقين نكتشف عناصر الجريمة التي سندرجها في الفقرات التالية:  1 – الركن المادي، 2- القصد الجنائي، 3 – انتفاء الخطر على الأم بغياب ضرورة المحافظة على صحتها.

وقبل الحديث عن العنصر المادي لا بد من الإشارة إلى ضرورة وجود الحمل أولا سواء كان ناتجا عن علاقة شرعية أو غير شرعية، سواء حصل برضى الضحية أو غصبا عنها. ويقصد بالحمل تلك البويضة الملقحة التي توجد من تاريخ التلقيح إلى تمام الولادة الطبيعية، فلا يشترط في القانون الجنائي المغربي أن يكون الجنين قد تشكل أو دبت فيه الحركة، ولكن يشترط أن يكون حيا وقت ارتكاب الجريمة إذ المسؤولية الجنائية تنتفي إذا كان الجنين ميتا في بطن أمه

أولا : الركن المادي

يتكون الركن المادي لجريمة الإجهاض من عناصر ثلاثة : فعل الإسقاط، قيام العلاقة السببية، ثم تحقق النتيجة. ففعل الإسقاط هو كل فعل يأتيه الفاعل قصد إجهاض المرأة الحامل، بأي وسيلة كانت، فالمشرع المغربي حدد في الفصل 499 وسائل الإجهاض للتمثيل لا الحصر ودليل ذلك أنه قال: ” أو أية وسيلة أخرى”،

وبالتالي فيمكن أن يكون بتناول مواد كيماوية أو نباتية أو حتى بواسطة التأثير النفسي، ويمكن أن يكون بممارسة الألعاب الرياضة بعنف أو عمليات معينة كالتدليك…. المهم أن يكون بقصد إسقاط الجنين”

ويجب أن يترتب عن استعمال هذه الوسيلة إنهاء للحمل قبل أوانه، وذلك بخرو الجنين من الرحم قبل الوقت الطبيعي للولادة، سواء كان حيا قابلا للحياة أو ميتا بعد خروجه. ولا يشترط أن يكون الفعل الإجرامي المفضي إلى الإجهاض صادرا من غير المرأة الحامل،

 فقد يكون صادرا منها أيضا إذا أرادت إجهاض نفسها، ولو حتى أرادت أن يجهضها الغير، فإن هذا الرضى لا عبرة له في قيام الجريمة، وإن كان المشرع قد خفف العقوبة على المرأة الحامل إذا هي أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما أرشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض فمجرد إتيان الفعل المادي تقوم الجريمة التامة إذ هي تحققت النتيجة، أما إذا لم تتحقق فإننا نكون أمام محاولة معاقب عليها بصريح القانون – الفصل  449

ثانيا : الركن المعنوي (القصد الجنائي)

تندر جريمة الإجهاض ضمن الجرائم العمدية، لذا استوجبت التشريعات الجنائية لتحققها توفر القصد الجنائي فيها، بمعنى أن يعلم الفاعل أن فعله يرد على امرأة حامل وأن فعله من شأنه إحداث الإجهاض، وأن يتوقع النتيجة الإجرامية لذلك )خرو الجنين من الرحم قبل الأوان الطبيعي(.

وبعبارة أخرى أن تنصرف إرادته إلى فعل الإسقاط وإلى إحداث الإجهاض وهو عالم علم اليقين أن هذا النشاط مخالف للقانون الجنائي ومعاقب على فعله ، ومع ذلك يتدخل للقضاء على الجنين سواء كانت المرأة حاملا بالفعل أو كان يظن ذلك وعلة ذلك أن التحريم لم يكن فقط حماية للجنين بل أيضا ضمانا للسلامة الجسدية للمرأة.

يجب أن تتجه إرادة الفاعل إلى تنفيذ فعل الإسقاط وإلى تحقيق النتيجة المترتبة على ذلك وهي إنهاء الحمل قبل الأوان، وعلى ذلك فإذا لم يكن الفعل إراديا من الفاعل فلا يتوافر القصد الجنائي لديه، كمن يصدم امرأة حاملاً بسيارته فترتب على ذلك إسقاطها للجنين فلا يسأل عن جريمة إجهاض لعدم توافر القصد الجنائي لديه وإن كان من الممكن أن يسأل عن جريمة إصابتها خطأ، وكذلك من يضرب امرأة حاملا ولكنه لا يقصد إجهاضها وترتب على الضرب حدوث إجهاض فلا يعتد مرتكبا للجريمة لعدم توفر القصد الجنائي وإن كان يسأل عن جريمة الضرب.

وهنا لابد أن نشير إلى ضرورة التزامن بين القصد الجنائي والركن المادي للجريمة فإذا أعطى الطبيب للمرأة الحامل دواء معين دون أن يعلم أنها حامل وكان من شأن هذا الدواء أن يؤدي إلى إجهاضها؛ ثم علم بعد ذلك بحملها فإن كان في إمكانه أن يمنعها و لم يفعل متعمدا توافر القصد الجنائي لديه. أما إذا كان بوسعه منع تحقق النتيجة ولكنه أهمل في ذلك ولم تتجه نيته إلى تحقق الإجهاض توافر في حقه الخطأ غير العمدي وهو غير كاف للعقاب على جريمة الإجهاض لأنها لا تقع إلا عمداً

المطلب الثاني : عقوبة جريمة الإجهاض

نص المشرع المغربي في تتمة الفقرة الأولى من الفصل 449 على عقوبة جريمة الإجهاض، وجعلها من سنة سجنا إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، يعاقب بها مجموعة من الأشخاص عددهم المشرع في الفصل 451 حين قال:

” الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة وأطباء الأسنان والقابلات والمولدات والصيادلة وكذلك طلبة الطب أوطب الأسنان أو الصيدلة وعمال الصيدليات والعشابون والمضمدون وبائعو الأدوات الجراحية والممرضون والمدلكون والمعالجون بالتسبب والقابلات العرفية، الذين يرشدون إلى وسائل تحدث الإجهاض أو ينصحون باستعمالها أو يباشرونها، يعاقبون بالعقوبات المقررة في أحد الفصلين 449 و 450 على حسب الأحوال “، ثم أردف قائلا في نفس الفصل: ” ويحكم على مرتكب الجريمة، علاوة على ذلك، بالحرمان من مزاولة المهنة، المقرر في الفصل 87، إما بصفة نهائية، أو لمدة محدودة”

إذن فالمشرع المغربي عاقب كل من شارك أو ساعد على الإجهاض أو أرشد إلى وسيلة من الوسائل التي من شأنها إجهاض امرأة حامل، فقد عوقب الجميع بنفس عقوبة الفاعل الأصلي غير أنه حين قال: حسب الأحوال، ترك تحديد العقوبة للسلطة التقديرية للقاضي.

وبمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 455 عاقب المشرع بالحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى آلفي درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من حرض على الإجهاض ولولم يؤد هذا التحريض إلى نتيجة ما

وهذه العقوبة واجبة كيفما كانت طريقة التحريض، وبغض النظر عن النتيجة التي أدت إليها، أي سواء وقع الإجهاض أم لا في حين لا يعاقب المشارك إلا إذا نفذ الفاعل الأصلي الجريمة فعلا. أما من باع أدوية أو مواد أو أجهزة أو أشياء، كيفما كان نوعها أو عرضها للبيع أو عمل على بيعها أو وزعها أو عمل على توزيعها بأية طريقة كانت مع علمه أنها معدة للإجهاض حتى ولو كانت هذه الأدوية أو المواد أو الأجهزة أو الأشياء المقترحة كوسائل فعالة للإجهاض غير قادرة عمليا على تحقيقه. غير أنه إذا ما تحقق الإجهاض على إثر العمليات والأعمال المشار إليها في المقطع السابق فإن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 449 من القانون الجنائي تطبق على القائمين بالعمليات أو الأعمال المذكورة

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

المراجع :

عادل يوسف الشكري، المسؤولية الجزائية للطبيب عن إجهاض الحامل دراسة مقارنة

يوسف أديب، المسؤولية الجنائية للطبيب عن أخطائه المهنية، رسالة نيل ماستر في قانون المنازعات

د. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!