أحكام الإجهاض في الفقه الإسلامي

أحكام الإجهاض في الفقه الإسلامي

أحكام الإجهاض في الفقه الإسلامي

لمقاربة موضوع الإجهاض في الفقه الإسلامي سأتناول المحاور التالية:

 تعريف الإجهاض، أصل تحريمه، الإجهاض في المذاهب الأربعة، أقوال الفقهاء المعاصرين، عقوبة الإجهاض في التشريع الإسلامي.

المطلب الأول : تعريف الإجهاض في الفقه الإسلامي ومشروعيته

1 – التعريف

الإجهاض لغة مصدر الفعل اللازم جهض أي إسقاط الجنين قبل أوانه وإلقاؤه لغير تمام

يقال أجهضت الحامل ولا يصح أن يقال ضربها فأجهضها لأنه فعل لازم جهضه عن الأمر أي منعه وأجهض عليه غلبه ونحَّاه عنه وأجهض عجَّل.

يطلق على الحامل التي أسقطت حملها )مُجْهَضٌ( وعلى السِّقْطِ جهيض .

وفي لسان العرب: “أجهضت الناقة إجهاضاً وهي مُجْهَضٌ ألقت ولدها لغير تمام والجمع مجاهيض”.

الفيروز آبادي: “الولَدُ السَّقْطُ، أو ما تَمَّ خَلْقُهُ ونُفِخَ فيه رُوحُه، من غيرِ أن يَعيشَ ” .

وفي الاصطلاح الشرعي: لا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة إجهاض عن المعنى اللغوي، وكثيراً ما يعبّرون عنه بمرادفات، كالإسقاط، والإلقاء.

قال أبوداود:” إملاص المرأة: إسقاطها الولد، وأصل الإملاص: الإزلاق وكل شيء يزلق من اليد ولم يثبت فهو ملص

والإسقاط سمي إملاصا لأن المرأة تزلقه قبل الولادة”

وفي صحيح مسلم :” أملصت وأزلقت وأمهلت به، وأخطأت به، وكله إذا وضعت قبل أوانه”

مما سبق يمكن تعريف الإجهاض في الشرع ب:

تعريف الإجهاض هو نزول الجنين ميتا أو حيا من رحم المرأة قبل تمام مدة الحمل بفعل منها أو من غيرها.

2 – المشروعية

الأصل في حكم الإجهاض هو التحريم والحظر والمنع وكان ذلك بالكتاب والسنة والإجماع:

الكتاب

قال الله تعالى : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ الله إِلَّا بالْحَق )

وقال أيضا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ  ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)

من هذه الآيات نستشف أن القتل محرم في جميع مراحل الحياة إلا بالحق.

السنة

حديث المرأة الغامدية: قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي ، وَإِنَّهُ رَدَّهَا ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِمَ تَرُدُّنِي ؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى ، قَالَ : إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي ، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ ، قَالَتْ : هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ ، قَالَ : اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ ، فَقَالَتْ : هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا

من الحديث نكتشف قيمة الجنين في الإسلام حتى ولوكان من زنا.

الإجماع

 قال ابن قدامة : ” أجمع المسلمون في كل العصور على تحريم القتل بغير حق”

المطلب الثاني : الإجهاض في المذاهب الأربعة والآراء المعاصرة

1 – المالكية

إن أكثر المالكية متشددون في التعامل مع ظاهرة الإجهاض ، فتجدهم يحرمونه في جميع مراحل الحمل

ونقلا عن ابن رشد أن مالكا قال: كل ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة مما يُعلم أنه ولد فهو جنين وفيه غرة.

قال الدردير: “لا يجوز إخرا المني المتكون في الرحم ولو قبل الاربعين يوما”

 وعلق الدسوقي على ذلك بقوله : “هذا هو المعتمد”

هذا يفيد الحرمة وعدم جواز الإجهاض ويتضح أن المالكية ترى أن محصول الحمل منذ بدايته له حق الحياة ، وأنه لا يجوز التعرض له بأي حال من الأحوال،

ومنطلق هذا التشدد من تعريفهم للجنين فقد قالوا:

” كل ما طرحته المرأة مما يعلم أنه ولد سواء كان تام الخلقة أو كان مضغة أو علقة أو دما”

وانضم لهذا الرأي جمع من المحققين مثل: ابن رجب من الحنابلة، العز بن عبد السلام(الشافعي)، ابن الجوزي (الحنبلي)، ابن تيمية (الحنبلي)، وهو مذهب الظاهرية،

والإمام الغزالي من الشافعية الذي قال: “وليس هذا – أي العزل – كالإجهاض والوأد؛ لأن ذلك جناية على موجود حاصل وله أيضا مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت علقة ومضغة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حيا”

2 – الحنابلة

الرأي الراجح عند الشافعية والحنابلة هو القول بالجواز في مرحلة النطفة، والتحريم بعد ذلك (وهو قول بعض المالكية كاللخمي)

واستدلوا على ذلك بدليلين الأول من القرآن والثاني من السنة، فأما الأول فقد قال تعالى في الآية 5 من سورة الحج :

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغ وا أَشُدَّكُمْ”

أي أن التخليق لا يكون إلا في المضغة. أما الثاني : فهو حديث ابن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللهَِّ , صَلَّى اللهَُّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “

إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى حَالِهَا لا تُغَيَّرُ ، فَإِذَا مَضَتِ الأَرْبَعُونَ صَارَتْ عَلَقَة ، ثُمَّ مُضْغَةً كَذَلِكَ، ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ ، فَإِذَا أَرَادَ اللهَّ , عَزَّ وَجَلَّ , أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَيَقُولُ الْمَلَكُ الَّذِي يَلِيهِ : أَيْ رَبِّ ,أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ، أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ، أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ ، أَنَاقِصٌ أَمْ زَائِدٌ قُوتُهُ وَأَجَلُهُ ، أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ ؟ قَالَ : فَيَكْتُبُ ذَلِك كُلَّهُ “.

أي يجوز الإجهاض قبل الأربعين يوما الأولى وهذا ما جاء في كشاف القناع:

“…أو أسقطت ما ليس فيه صورة آدمي أو ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أنه مبدأ خلق آدمي…فلا شيء فيه لأنه ليس بولد”

3 – الحنفية

الأحناف هم المذهب الأكثر تسامحا في إباحة الإجهاض حيث يبيحونه قبل نفخ الروح، بدون شروط، استنادا على حديث ابن مسعود الذي عدد الأربعين يوما ثلاث مرات وبذلك يكون النفخ في مئة وعشرين يوما . قال ابن العابدين: “يباح الإسقاط ما لم يتخلق فيه شيء ولن يكون ذلك إلا بعد مرور مئة وعشرين يوما”

 وعن ابن قدامة ” المرأة إذا تعمدت إسقاط ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه لأنا لا نعلم أنه جنين الآدمي”

4 – الشافعية

اختلف فقهاء الشافعية حول مسألة الإجهاض قبل نفخ الروح على ثلاثة أقوال

أحدها يمنع الإجهاض مطلقا كالمالكية؛ والثاني يبيح الإجهاض فقط قبل الأربعين كالحنابلة.

ويمكن القول أن المعتمد عندهم هو الجواز مادام لم تنفخ فيه الروح

5 – آراء بعض الفقهاء المعاصرين

الدكتور يوسف القرضاوي قال:” كلما كان العذر أقوى كانت الرخصة أظهر، وكلما كان ذلك قبل الأربعين الأولى كان أقرب إلى الرخصة.

ولا ريب أن الاغتصاب من عدو كافر فاجر، معتد أثيم لمسلمة عذراء طاهرة، عذر قوي لدى المسلمة ولدى أهلها، وهي تكره هذا الجنين – ثمرة الاعتداء الغشوم – وتريد التخلص منه

 فهذه رخصة يفتى بها للضرورة التي تقدر بقدرها.

ومن ثم تكون الرخصة مقيدة بحالة العذر المعتبر الذي يقدره أهل الرأي من الشرعيين والأطباء، والعقلاء من الناس، وما عدا ذلك يبقى على أصل المنع

على أن من حق المسلمة التي ابتليت بهذه المصيبة في نفسها، أن تحتفظ بهذا الجنين، ولا حر عليها شرعًا، كما ذكرت، ولا تجبر على إسقاطه”

وأضاف “الراجح أن الجنين بعد استكمال أربعة أشهر إنسان حي كامل، فالجناية عليه كالجناية على طفل مولود”.

أما محمد سعيد رمضان البوطي فيقول:

“الحكم الراجح في مسألة الإجهاض هو جواز إسقاط المرأة حملها إذا لم يكن قد مضى على الحمل أربعون يوما “

المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته 10 سنة 1222 م، أفتى بجواز إجهاض الجنين المشوه تشويها شديدا شرط أن يكون بقرار لجنة من الأطباء المختصين وأن يكون قبل 102 يوما.

المطلب الثالث : عقوبة الإجهاض في الفقه الإسلامي

في إطار تعرفنا على أحكام الإجهاض في التشريع الإسلامي، لابد من أن نعرج على العقوبة المقدرة شرعا في حالة حدوث إجهاض غير مسموح به شرعا، وهنا نجد أمامنا حالتين:

الحالة الأولى:  انفصال الجنين عن أمه ميتا بفعل خارجي

فإذا أفصل الجنين عن أمه ميتا وجبت الغرة

والغرة هي دفع عبد أو أمة أو قيمتهما كتعويض عن الجناية على أمه ، تدفع إلى ورثة الجنين وتقدر بنصف عشر الدية.

وقد جاء في المدونة الكبرى:” تجب الغرة على الجنين إن انفصل ميتا عن أمه الحية” ونقل ابن رشد الإجماع على ذلك

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحنفية يرون أنها تجب فقط إذا كان الإجهاض بعد النفخ

في حين الجمهور يرى أنها تجب إذا تبين شيء من خلقته وإن لم تنفخ فيه الروح.

الحالة الثانية:  انفصال الجنين عن أمه حيا

اتفق الجمهور على أن من ضرب بطن امرأة حامل فألقت جنينا حيا تم مات من الضربة ففيه دية كاملة إن كان حرا أو قيمته إن كان عبدا

وتثبت حياة الجنين بعد الولادة إما بالاستهلال أو العطس أو البكاء أو رضع الثدي

أما الدية فكما جاء في لسان العرب هي حق القتيل ،تقدر بمئة من الإبل.

نستخلص من الحالتين أن العقوبة إما غرة وإما دية، لكن هناك من أضاف الكفارة وهم الشافعية والحنابلة والظاهرية

أما المالكية والحنفية فيعتبرون الكفارة غير واجبة على الجنين. والكفارة هي عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين

المراجع

المرادوي، الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل

الدكتور سانح بوثنين، تقنين الإجهاض في ضوء الفقه الإسلامي والواقع المعاصر

علي بن أحمد بي علي العامر، “إجهاض المرأة المغتصبة في الفقه الإسلامي والقانون”

محمد يحيى النجيمي، الإجهاض أحكامه وحدوده في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي دراسة مقارنة

 

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك







 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!