الأمن العقاري

الأمن العقاري و الضمانات القانونية لحماية العقار

تحقيق الأمن العقاري من خلال إحاطة العقار بالحماية القانونية

لتحقيق الأمن العقاري يلزم أولا تحديد هوية العقار، ورسم معالمه، ليندرج في منظرية القانونية، والإدارية والتقنية الهادفة إلى تثبیت حق الملكية، كأسمى المبادئ الدستورية التي تستوجب الرعاية والحماية والضمان، لما لها من حجية تبوثية مطلقة.

وقد عرف هذا النظام العقاري، تطورات تشريعية عبر الزمن، صدرت خلال القرن العشرين، سلسلة من القوانين كان أبرزها، الظهير الشريف المؤرخ في 12 غشت 1913 بإحداث نظام التحفيظ العقاري، والظهير الشريف الصادر بتاريخ 12 يونيو 1915 المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة، وما عززها من مراسيم تطبيقية

وانطلاقا من المرجعية القانونية في مجال العقار، حسب القوانين السالف ذكرها، نجد أن المشرع، وفي إطار تحديث تلك المنظومة، تدخل بإصلاحات وتعديلات متممة للظهير الشريف الصادر سنة 1913 مع إلغاء بعض فصوله، بمقتضى القانون رقم 14 / 07. ووسع بذلك دائرة تعريفه في الفصل الأول، بنوع من التحديد لكل التصرفات والوقائع الرامية إلى تأسيس أو نقل أو تغيير أو إقرار أو إسقاط للحقوق العينية، والضمانات المتعلقة بالملك، في الرسم العقاري، المؤسس له، وذلك في سابقة لم تكن معهودة من قبل من حيث الصياغة.

ولعل المغزى من التوسع في التعريف، الحرص على بيان التوجهات القانونية المؤطرة لهذا النظام، تلافيا للخوض في تفسير قاعدة التطهير، وما يطرأ عليها من تصرفات قانونية، وائتمانية، وتأويلها بما يتنافى مع رغبة المشرع

وبذلك أصبح تاسيس هذا الحق, من الضرورات الملحة التي تقاس بها الحضارات الأهمية, كقيم للاطمئنان الاجتماعية و الاقتصادي المحصن للمراكز القانونية للأفراد و الجماعات في سياق منظومة ضمانات إنسانية, أصبحت تستشعر عن بعد, الآفاق المستقبلية لتطويقها بضوابط صارمة, تواجه كل التحديات و التجاوزات المتوقعة, في سبيل تأطير المجال في شتى المناحي سواء منها المتعلقة بالجانب السيسو اقتصادي أو الاجتماعية أو العمراني وما إلى ذلك من أنواع التحصينات الإنسانية.

ولعل ما حصلت عليه بلادنا أخيرا من مراكز متقدمة في العلاقات الاقتصادية الدولية، ليعتبر بحق مكسبا لتحقيق الطموحات المستقبلية الهادفة في شتى الحالات، خصوصا منها العمرانية، لإبرازها في فكر قانوني متطور مواكب اطلاعات التنموية، وضامن للاستقرار والطمأنينة، و الأمن العقاري بصفة عامة.

ولن يتأتى الوصول إلى هذا الهدف، إلا بالإحاطة بالجزئيات القانونية الدقيقة للمفاهيم التشريعية، في إطار حمائي ضابط.

وسنتولى معالجة الجانب القانوني في المنظومة العقارية، برصد بعض مكامن التجاوز في جزئياتها القانونية، مع ملاحظة ما حققته من إيجابيات في الضمان.

الضوابط المسطرية لقانون التحفيظ العقاري

فمقتضيات الفصل 26 من القانون رقم 07-14 نصت على إمكانية تقديم طلب التعرض باسم الغير، والتدخل في المسطرة للجهات المحددة بمقتضاه، بما فيها مؤسسة النيابة العامة، بالنسبة للمحجورین والغائبين والمفقودين والغير الحاضرين

وهنا يطرح التساؤل، حول مدى شمول هذا الإجراء لجميع التعرضات، بها فيها العادية والإستثنائية. وهل يشمل التدخل في جميع أطوار المسطرة المتعلقة بالتحفيظ العقاري أم ينتهي مفعوله عند مسطرة التحديد، خصوصا وأنه ورد في ملف بالتعرضات، مع ملاحظة ما نص عليه الفصل 29 من نفس القانون، الذي حصر النظر في قبول التعرضات الاستثنائية، على جهات إدارية خولها سلطة تقدير قيمة الوتائق و المستندات وتقييم الأسباب الداعية إلى عدم الطعن في الآجال بقرار غير قابل للطعن القضائي في حالة الرفض.

فأي مدى للتوافق بين ما تضمنته احكام الفصلين 26 و 29 من قانون التحفيظ العقاري، وما نص عليه قانون المسطرة المدنية في الفصول من 6 إلى 10 منه من توفير للضمانات الحمائية، في مراعاة مصالح الدولة و المؤسسات العامة و إلى ذلك من الجهات و المؤسسات الواجب حمايتها قانونا.

مع الإشارة أن عدم احترام إجراءات تدخل جهاز النيابة العامة في تلك القضايا قد يؤدي حتما إلى البطلان، الذي تمتد شموليته إلى الأحكام الصادرة حسب الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية.

فضلا عن حرص المشرع في إضفاء طابع الشمولية في الرقابة الضائية على مختلف القرارات الإدارية.

مع التذكير بأن القانون القديم كان يسند تلك الصلاحيات لجهاز النيابة العامة طبقا للفصل 29 منه.

فأي ملجأ للحماية يمكن الركون إليه، خصوصا في حالة ما برفض قبول التعرضات الاستثنائية، بالنسبة لقضايا الفئات الواجب حمايتهم والمذكورين في الفصل 26 من قانون التحفيظ العقاري؟

ومما يلاحظ أيضا ما نص عليه الفصل 109 من نفس القانون المذكور، الذي تضمن، “أن الأحكام الصادرة، في مادة التحفيظ العقاري لا تقبل الطعن إلا بالإستناف والنقض”. دون النص على الطعن بإعادة النظر، مع أن قانون المسطرة المدنية نص على أصناف أخرى من الطعون الهادفة لحماية الحقوق وصيانتها

فالطعن بإعادة النظر هو إجراء قانوني منصوص عليه في الفصل 339 من قانون المسطرة المدنية بالنسبة لمحكمة النقض، ويعتبر تدبيرا جوهريا في تدارك ما يقع من تجاوزات في سير المسطرة، خصوصا في حالة الاعتراف بزورية الوثائق أو احتكارها, فضلا عما يلحق القرارات الصادرة من خطأ، مادي له تأتير على مسارها في التنفيذ.

فكيف يمكن تدارك تصحيح التجاوزات و الأخطاء المادية, إذا لم تتوفر الضمانات القانوني المسطرية المتاحة في هذا الشأن خصوصا بالنسبة لأخر مرحلة من مراحل التقاضي بمحكمة النقض و التي لا يوجد أي مرجع قضائي يمكن اللجوء إليه للتصحيح و التقويم خلافا لمراحل التقاضي السابقة.

إضافة إلى ما سبق تسجيله من ملاحظات، بشأن الضوابط المسطرية لقانون التحفيظ العقاري، يلاحظ أيضا ما ورد بأحكام مدونة الحقوق العينية والضمانات حين نصت المادة الثانية الفقرة الثانية من المدونة على “أن ما يقع من إبطال أو تغيير أو تشطيب من الرسم العقاري، لا يمكن التمسك به في مواجهة المقيد بحسن نية، كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر، إلا إذا كان صاحب الحق قد تضرر بسبب تدليس أو زور أو استعماله، شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل 4 سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله، أو تغييره أو التشطيب عليه”

وتحليل دقيق لمحتوى هذا النص، وبالنظر إلى ما سطره من أحكام، يتضح ان مشرع المدونة، فضل حصر النظر في أخر مسجل بحسن نية في الرسم العقاري، لإحاطة حقوقه بالحماية القانونية، التي قد تكاد تكون مطلقة في حالة فوات الأجل، للمطالبة بالحق، والمحددة في 4 سنوات، دون فسح المجال في البحث عن طبيعة هذا الحق الذي آل إليه والوسائل الموصلة إلى اكتسابه، فقد يكون آخر مسجل بالرسم العقاري حسن النية حسب الظاهر. إلا أن الحق آل إليه عن طريق وسائل غير قانونية مارسها محول الحق إليه، إما عن طريق الزور أو التدليس، وما إلى ذلك من وسائل الاحتيال، وقد يفترض تواطؤ بين ذوي النيات السيئة في التلاعب بحقوق الأغيار بتحويلها بهذه الطريقة المفروضة قانونا، لإبراز ذلك خصصا في ظل ما أصبح يشهده میدان العقار من تكتلات وتبادل للأدوار بين مجموعات متخصصة في هذا الشأن، هدفهم استغلال الثغرات القانونية بتمرير مصالحهم النفعية بأساليب غير مشروعة.

الكشف عن حسن النية أو سوء النية

وبذلك يطرح التساؤل عن الكيفية الموصلة إلى الكشف عن حسن النية، أو سوء النية في هذا التسجيل لتكريس الأمن العقاري

ففي نظرنا لا يمكن الكشف عن النيات، إلا بالبحث في كنه الحق وطبيعته، والوسائل الموصلة إلى اكتسابه، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بمنازعة قائمة حول أحقيته.

ومما يفاقم في إضعاف الضمانات القانونية ما ركنت إليه أحكام المادة الثانية المذكورة في فقرتها الأخيرة، من تقليص حق المطالبة القضائية بالحق وحصره في 4 سنوات، تحتسب من تاريخ التسجيل المتنازع فيه.

فكيف يمكن تصور إسقاط أسمي الحقوق الدستورية، بمدة زمنية قصيرة المحددة، دون تقدير الأسباب التي حالت للمطالبة القضائية بها في الآجال.

فقد يفترض أن مالك الحق الشرعي في غياب أو إقامة خارج أرض الوطن، وقد يكون على غير علم، بما يطرأ على حقوق ملكيته الشرعية من تلاعبات، خصوصا بالنسبة للفئات المشمولة بالرعاية القانونية حسب مقتضيات الفصل 126 من قانون التحفيظ العقاري، فتسقط بذلك الحقوق في الملكية بعد فوات الآجال المذكورة

فأي ضمان دستوري و قانوني في هذا الإجراء ؟

ما كان من الأجدر معه، إعادة النظر في هذا التدبير، بتقييد رفع الدعوى من تاريخ العلم بدل احتسابها من تاريخ التسجيل، كما جاء في سياق المادة الثانية المذكورة، مع إسناد مهام البحث والإثبات إلى القضاء، لتقدير حسن النية في التسجيل، كعنصر أساسي، مع البحث في الوسائل الموصلة إليه، وتقدير الأسباب الداعية إلى عدم اللجوء إلى ممارسة هذا الحق داخل أجله القانوني.

وبوقفة نظرة وتأمل في ما حققته المدونة من مكتسبات إيجابية، يلاحظ ما اتسمت به من شمولية في إرساء قواعد الفقه المالكي، والتي ظلت منذ عقود في حكم الراجح والمشهور من هذا المذهب الفقهي، الذي قد تختلف أحکامه او تتأرجح بين سياق الشروحات، والمختصرات، والمنظومات، والأرجوزات، والمتن، المعتمدة في استنباط الأحكام، وفي ذلك تباين في توحيد الاجتهادات.

والخلاصة أن المشرع حين نص في المادة الثالثة من مدونة الحقوق العينية والضمانات بمقتضى القانون رقم 08-39، على أحكام الحيازة المكسبة للملك، وضبط المفعول القانوني، للبيانات المعتمدة من حيث الأولوية والتقديم، یكون قد حصن ما آلت إليه التفسيرات والآراء في هذا الشأن، لإخراجها في نسق قانوني محکملزيادة في تكريس الأمن العقاري

وذلك بخطوة إيجابية لإدماج العقارات غير المحفظة، أو التي هي في طور التحفيظ، في الدورة القانونية المنشودة في مجال التحديث، برسم قواعدها القانونية الإلزامية في التطبيق.

إضافة إلى ما سبق بيانه بشأن توحید مرجعيات الأحكام والاجتهادات في مجال العقارات الغير المحفظة أو التي هي في طور التحفيظ، يلاحظ أن مدونة حقوق العينية والضمانات قد حددت أحكام بعض الارتفاقات ذات الأهمية خصوصا ما يتعلق بحق الشرب، الذي فصلت أحكامه في المواد من 50 إلى 61 من المدونة و التي عالجت بصفة شمولية مختلف القضايا المتعلقة بالمياه وكيفية استغلالها، وذلك في سياق أحكام ضامنة للحقوق في جل الحالات المتوقعة.

وفي الختام، ورعيا للمصالح العامة والخاصة في ضمان حماية الحقوق ونظرا لما أضحى عليه أمر تدبير الأمن العقاري من هيكلة وتحديث. وتحصينا لما أصبح عليه الأمر من تسارع نحو الوصول إلى تحقيق الأهداف بشتى الوسائل.

يتعين إحاطة المنظومة العقارية، بضوابط قانونية، كابحة، لاجهاض كل ما يمكن أن يتسرب إليها من استغلال غير مشروع، وذلك بنهج حس قانونی يستقرأ مضامين الجزئيات الدقيقة، لتطويقها بتدابير قانونية صارمة تضمن حصانتها وفعاليتها.

ولعل الركون إلى نهج مسالك النظر في تلك الآليات، في إطار المجال التشريعي المتاح سلوكه قانونا، لكفيل بضمان ذلك، خصوصا مع بداية التميز الذي قد يسفر عن ظهور نزاعات مستقبلية غير مرغوب فيها.

وبذلك فالهدف من حرصنا على إبراز الملاحظات السالف بسطها، هو التثبيت القانوني لهياكل ومناهج الضمان، في سياق مبادئ الاستقرار والطمأنينة والأمان المنشود.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!