الأصل التجاري

الأصل التجاري تعريفه والإجابة عن أهم الإشكاليات المرتبطة به

الأصل التجاري

الأصل التجاري يوصف محلا التصرفات القانونية، مكسبا للحقوق، ومبعتا للالتزامات، فإن هذه الوحدة القانونية المستقلة تتكون من عناصر مادية وأخرى معنوية ، منها ما هو لازم لوجوده، ومنها ما هو غير ذلك. ووصفه مؤسسة قانونية، فإنه يحظى بالحماية لكونه يعين التاجر في ممارسة النشاط التجاري. ما هي الأسس القانونية للأصل التجاري؟

من غير المتصور، أن يكون للقضاء رأي، لأنه يستند عادة على النص القانوني، ولكن الفقه يجد الحقل القانوني المناسب للتأصيل لهذا الحق المعنوي، والمال المعنوي المنقول، الذي قد تتضاعف قيمته المالية، وقد تضعف، تبعا للنشاط التجاري

والعامل الزمني محدد حاسم للوقوف على طبيعته القانونية إذ أن فرنسا في القرن 19 عرفت الأصل التجاري مفهوم قانوني حيث تطور المفهوم تدريجيا لكونه أصبح حقا يستحق الحماية ، وهذا ما سعى إليه التجار خوفا من المنافسة وسعيا وراء استقرار الوضعية المالية للاستخار المالي والأدبي، ولقد لعب الدائنون دورا في التأصيل القانوني للأصل التجاري بوصفه ضمانة جديدة للأموال .

وسنة 1872 عندما صار القانون الضريبي ل 28 فبراير 1872 تم فرض الرسم الضريبي على بيع الأصل التجاري وعقبه قانون 1898 المنظم لرهن الأصل التجاري ، قانون 1909 الذي نظم بيع الأصل التجاري ورهنه وتقديمه حصة في شركة، ومن فرنسا انتقلت هذه المؤسسة إلى القانون المغربي الذي نظم بيعه ورهنه بمقتضى ظهير 31 دجنبر 1914 المأخوذ عن قانون 1909 الفرنسي. هذا ما جعله يحظى باهتمام بالغ من قبل المشرع المغربي نظرا لطبيعته كمال منقول معنوي، و لمكانته في الاستغلال التجاري و الصناعي و الحرفي وهذا ما أكدته المادة 79 من مدونة التجارة :

“مال منقول معنوي يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة النشاط التجاري أو عدة أنشطة تجارية”

تلك النصوص وغيرها كانت مرجعية قانونية أسست لظهور مجموعة من النظريات الفقهية حاولت التأصيل القانوني للأصل التجاري ، و سنعمل في هذا العرض على استعراض و تحليل أهمها.

فما هي إذن أهم النظريات المقترنة بالطبيعة القانونية للأصل التجاري ؟ للإجابة عن هاته الإشكالية و غيرها سنقسم هذا العرض إلى ثلاثة محاور أساسية و ذلك على المنوال التالي :

المحور الأول : نظرية الذمة المستقلة أو المجموع القانوني للأموال

المحور الثاني : نظرية المجموع الواقعي للأموال المخصصة للاستغلال

المحور الثالث : نظرية الملكية المعنوية

تجدر الإشارة أن العناية التي أولتها سائر التشريعات لتنظيم الأصل التجاري و كل ما يمكن أن يرد عليه من تصرفات، جعلت الخلاف يثور حول الطبيعة القانونية لهذا النوع من الأموال .

و سنعمل هنا على استعراض و تحليل أهم النظريات التي تبلورت في خضم هذا الخلاف، و يتعلق الأمر على الخصوص بنظرية الذمة المستقلة أو المجموع الواقعي للأموال (أولا) ، ونظرية المجموع الواقعي للأموال المخصصة للاستغلال (ثانيا) ، ثم نظرية الملكية المعنوية ( عالما )

المحور الأول: نظرية الذمة المستقلة أو المجموع القانوني للأموال

استنادا إلى ما يعرف في القانون الألماني بذمة التخصيص المستقلة عن ذمة الشخص, إذ ذهب البعض إلى القول بان الأصل التجاري يعتبر مجموعا قانونيا من الأموال يستتمر في الغرض الذي خصص له ، و يتكون هذا المجموع في جانبيه الايجابي و السلبي من الحقوق و الديون الناشئة عن هذا الاستثمار.

و بمعنى آخر فان مؤدى هذه النظرية هو أن الأصل التجاري ذمة تخصيص تجارية مستقلة عن الذمة المالية لصاحبه، التي تعتبر من حيث المبدأ ذمة مدنية و تشكل الضمان العام لديونه وخاصة منها الديون العادية.

و من ثم فان نتائج القول بالذمة المالية المستقلة للأصل التجاري أن ترتبط به ديونه الخاصة دون الديون المترتية في النمة الشخصية لصاحبه و أن تكون الحقوق المالية التي تكون هذا الأصل ضامنة لديونه الخاصة هذه ، و ذلك بكيفية تسمح لأصحابها بالتنفيذ على الأصل التجاري و استیفاء حقوقهم من ثمن بيعه دون أن تتم مزاحمتهم في ذلك من قبل جميع دائني التاجر صاحب الأصل

 هذا ما جعل هذه النظرية تتعارض مع مبدأ وحدة النمة المالية المتعارف عليه في القانون الوضعي للعديد من الدول، اذ يرتكز هذا المبدأ على عدم الاعتراف للشخص الواحد بذمة مالية واحدة تشمل الحقوق التي تنشأ لفائدته و تتحمل في مقابل ذلك كافة الديون المترتبة عليه دون تمييز بين ما اذا كانت هذه الديون تجارية أم مدنية و هذا ما أخد به المشرع المغربي في قانون الالتزامات و العقود اذ ينص الفصل 1241 منه “أموال المدين ضمان عام لدائنيه و يوزع ثمنها عليهم بنسبة دين كل واحد منهم ما لم توجد بينهم أسباب قانونية للأولوية و هي (الامتيازات و الحبس و الرهن )”

إلا أن هذه المادة المذكورة أنفا لم تعد تقبل التطبيق إطلاقا بعد صدور القانون رقم 96. 5 و التي تنص المادة 44 منه في فقرتها الأولى على انه ” تكون الشركة ذات المسؤولية المحدودة من شخص أو اكتر لا يتحملون الخسائر سوى في حدود حصتهم” ما يفيد أن مؤسس هذه الشركة تصبح له ذمتان ماليتان مستقلتان

الذمة الأولى : خاصة بالشركة و تشمل الحقوق و الديون الناشئة عن استغلال هذه الشركة التي تعتبر شركة تجارية بحسب شكلها دون أدنى اهتمام للغرض التي أنشئت من أجله

الذمة الثانية : خاصة بشخص الشريك الوحيد المعني بالأمر، و تشمل بدورها سائر الحقوق و الديون الأخرى التي لا علاقة لها بذمة الشركة ذات المسؤولية المحدودة التي أسسها هذا الأخير

و مع ذلك فان القول باستقلال الذمة للأصل التجاري و بالاستناد إلى الأحكام القانونية المنظمة لهذا النوع من الشركات يظل غير مستساغ قانونا للعديد من الاعتبارات، و من بينها الفقه و القضاء الفرنسي الذي عرف هذا النوع من الشركات مند سنة 1985 . إلا أنه لا يزالان إلى يومنا هذا ثابتين في مواقفهما الرافضة الاعتراف بتمتع الأصل التجاري بذمة مالية مستقلة عن صاحبه.

 وعلاوة على ذلك فحتى لو افترضنا جدلا أن تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة بالشريك الوحيد من شأنه أن يسمح بالاعتداد بما تنادي به نظرية استقلال الذمة المالية للأصل التجاري باعتباره مجموعا قانونيا من الأموال ، فان ذلك لا يستقيم مع الواقع الذي تهيمن عليه ظاهرة التجار و الصناع و الحرفيين الذين يستغلون أصولا تجارية بصفتهم أشخاصا طبیعیین و التي لا تسمح لهم أوضاعهم المالية و التنظيمية باستغلال هذه الأصول بصفتهم أشخاصا معنويين في شكل الشركة ذات المسؤولية المحدودة بالشريك الوحيد

المحور الثاني: نظرية المجموعة الواقعية للأموال

أمام عدم إمكانية اعتبار الأصل التجاري مجموعة قانونية من الأموال على غرار الذمة المالية لما ينطوي عليه من تعارض مع مبدأ وحدة الذمة ، فإن جانبا من الفقه ذهب إلى القول أن الأصل التجاري لا يعد ذمة مالية مستقلة عن ذمة صاحبه، وإنما يعتبر مجموعا واقعيا من الأموال من نوع خاص يتم رصدها كلها بهدف تحقيق غرض مشترك يتمثل في استغلال الأصل التجاري مع احتفاظ كل عنصر من العناصر التي يتكون منها هذا الأصل بطبيعته وخصائصه التي تميزه عن غيره.

وهذا يعني أن الأصل التجاري بشكل رابطة فعلية أو واقعية بين مختلف العناصر المكونة له تمثل في تخصيص كافة تلك العناصر للاستغلال المشروع التجاري ، وهذا ما جعل منه مالا خاصا في ذمة التاجر وله طبيعة مميزة عن طبيعة العناصر المكونة له مما يجعله يخضع لأحكام مختلفة عن الأحكام التي يخضع لها كل عنصر على حدة.

مثال: فالرهن الأصل التجاري مثلا يكون رهنا رسميا، في حين أن رهن بعض عناصره مثال البضائع لا يمكن أن يكون إلا حيازيا ، بل هناك بعض العناصر لا يمكن رهنها إلا مع الأصل التجاري ككل مثل : ( الاسم التجاري، والحق في الإيجار)

وكما هو الشأن بالنسية للنظرية الأولى فإن الرأي القائل يكون الأصل التجاري يشكل مجموعا واقعيا أو فعليا من الأموال المرصودة للاستغلال التجاري قد قوبل بالانتقاد، رغم اعتباره الأصل التجاري ذمة مستقلة عن الذمة الشخصية لصاحبه. ومن ثم فهذه النظرية لم تستطع أن تحدد الطبيعة القانونية الأصل التجاري لأن الطرح التي أتت به ليس له أي مدلول قانوني، فالوحدة التي تتحدث عنها هي مجرد وحدة فكرية يقصد بها أن العناصر المكونة للأصل التجاري تتحدد من حيث الغرض الذي تسعى إليه ألا وهو تخصيصها لتحقيق نشاط تجاري ، في حين أن فكرة “مجموعة الأموال” لا يمكن أن تكون إلا قانونية ومشتملة على أصول وخصوم والأصل التجاري ليس كذلك وهذا وفق محددين أولاهما:

1- القانون لا يعترف به کذمة مالية مستقلة عن ذمة مالكه.

2- أنه لا يشمل إلا على بعض أصول التاجر والممثلة في العناصر المادية والمعنوية التي رصدها لاستغلال التجاري دون باقي الأصول الأخرى من عقارات وديون تجارية وخاصة ديون الخصوم.

المحور الثالث: نظرية الملكية المعنوية

وبعد استعراض كل من:

– نظرية المجموعة القانونية للأموال أو الذمة المستقلة

– نظرية المجموعة الواقعية للأموال

نتعرض لنظرية الملكية المعنوية:

 أولا : تقييم النظرية

 إذا كان أصحاب هذه النظرية قد حاولوا التأكيد على منح التاجر الحق في مزاولة النشاط التجاري، وفي منافسة غيره من أجل تحسين وتطوير المنتوج والخدمات من أجل جب الزبناء شريطة أن تكون المنافسة مشروعة ونظيفة ، فإنهم مع ذلك لم يستطيعوا أن يضيفوا أي جديد للساحة القانونية بخصوص مسألة تحديد طبيعة الأصل التجاري التي ظلت غير واضحة المعالم، فملكية الأصل التجاري لا تشمل احتكار التاجر للزبناء، فهو يتحمل نتاج وثمار المنافسة المشروعة ويتحمل أيضا ما قد ينجم عن ترك الزبناء للمحل والتردد على محل أخر منافس،

ومن ثمة فالطرح الذي أتت بهذه النظرية بخصوص تکیف الأصل التجاري يبقى باهت المضمون والملامح، فهي لم تحدد طبيعة الأصل التجاري.

 فالمال المنقول المعنوي الذي أتكأت عليه هذه النظرية لا تختص به الأصل التجاري وحده، فالملكية الصناعية والملكية الأدبية، والحق في الكراء، والزبناء القارون والعارضون، والاسم والشعار … جميعها ملكية معنوية، لا يختلف عنها الأصل التجاري في شيء، حتى يتسنى القول بأنه ينفرد بطبيعة خاصة في الملكية المغربية.

 كما أن اعتبار الأصل التجاري مال منقول معنوي يدخل في اطار تقييم الأموال إلى عقارات وأخرى منقولة أو متحركة، وهذا ما جعل استاذنا أحمد شكري السباعي يعتبرها خرافة من خرافات بعض الفقه الفرنسي والمصري.

ومن ثمة فلا يمكن التسليم بوجود نظرية ثالثة قائمة الذات تدعى نظرية الملكية المعنوية بخصوص الشجار الدائر حول تكيف الأصل التجاري، إلى جانب نظرية المجموعة الواقعية ونظرية المجموعات القانونية، وعليه فأمام هذا القصور يتعين توسيع مؤسسة الأصل التجاري لتشمل جل مكونات المقاولة (أصول، خصوم، دیون…)، وأن تقوم من الناحية القانونية كضمان خاص لديونها حتى تتحقق فعلا الغاية التي كانت وراء تصور هذه المؤسسة إذ كان مؤداها هو أن الأصل التجاري مادام مالا معنويا منقولا يدخل في الذمة المالية لصاحبه التاجر فيعطيه حق الاحتكار و الاستثمار و بالتالي جواز الاحتجاج به على الكافة، و يتساوى من حيث الحماية مع الملكية الأدبية والتي تتحقق يدعوى الاستحقاق بحيث يحمي بالدعوى المنافسة الغير المشروعة.

و بالتالي فالنظرية تميز بين:

1- الأصل التجاري كوحدة مستقلة وبين عناصره.

2- حق التاجر على الحق التجاري هو حق ملكية معنوية لكونه يرد على شيء غیر مادي.

هذا ما جعل المشرع المغربي يأخذ بهذه النظرية في المادة 79 من مدونة التجارة اذ عرف الأصل التجاري بأنه “مال منقول معنوي يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة النشاط التجاري او عدة أنشطة تجارية.”

ثانيا: عناصر النظرية

 تقوم النظرية على عنصرين:

1- کون الأصل التجاري وحدة مستقلة قائمة بذاتها۔

2- انفصاله عن العناصر المكونة له

وهذين العنصرين يحققان النتائج التالية:

– انفصاله عن العناصر المادية والمعنوية فهو شيء معنوي

– لكون الجوانب المعنوية لأهم عناصره الزبناء والسمعة تعزز معنوياته

– جواز القول بأنه مال منقول معنوي

ثالثا: مكانة هذه النظرية بين النظريات الأخرى

– بالنسبة لنظرية الذمة المالية هذه الأولى تركز على عنصر واحد هو الذمة المالية للأصل التجاري المستقلة عن الذمة المالية لتجار وهي تذهب إلى غاية واحدة هي تخصيص الأصل التجاري لضمان الديون التجارية لتاجر، وتختلف عن النظرية الثالثة في كونها تفصل بين الأصل التجاري كوحدة مستقلة وبين عناصره المادية والمعنوية بحيث أن تلك العناصر هي التي تزيد أو تنقص من قيمته.

– بالنسبة لنظرية المجموعة الواقعية للأموال فإنها تستند إلى الرابطة الفعلية أو الواقعية بين مختلف عناصر الأصل التجاري لتشكل أموالا تستغل في المشروع التجاري، وبالتالي فهي تركز على القيمة المالية وهذه القيمة غير ثابت وتخضع لمنطق السوق التي يرتكز على الملكية المعنوية وليست المالية.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!