الآثار الأصلية أو المباشرة و الغير مباشرة للبطلان والإبطال

الآثار الأصلية أو المباشرة للبطلان والإبطال

الآثار الأصلية أو المباشرة للبطلان و الإبطال :

ينص الفصل 306 من قانون الالتزامات والعقود على أن: “الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له…” وينص الفصل 316 من قانون الالتزامات والعقود على أنه: “يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته والتزام كل منهما بأن يرد للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله…”

من خلال مقتضيات هذين الفصلين، يتضح أن كل من العقد الباطل والعقد الذي تقرر إبطاله لا ينتجان مبدئيا أي أثر قانوني سواء بين المتعاقدين أو تجاه الغير إلا الاسترداد ما دفع بغير حق تنفيذا لهذين العقدين، بيد أن هذه القاعدة لها بعض الاستثناءات حيث يرتب فيها كلا العقدين آثار إيجابية.

أولا : الآثار البطلان و الإبطال بالنسبة للمتعاقدين :

 إذا تقرر البطلان أو الإبطال بمقتضى حكم أو قرار قضائي، فهذا يعني أن العقد يصبح عديم الفعالية والجدوى الأمر الذي يستلزم إعادة الأفراد إلى وضعية ما قبل التعاقد وهو ما يعرف بمبدأ “رجعية البطلان والإبطال”.

فحتى تتحقق الغاية من تقرير البطلان والإبطال، فإنه يتعين على كل متعاقد أن يرد للطرف الآخر ما أخذه بمقتضى هذا العقد. فإذا تعلق الأمر بعقد بیع باطل أو تقرر إبطاله، فإنه يتوجب على البائع أن يرد للمشتري ثمن المبيع على أن يرد هذا الأخير الشيء الذي حصل عليه بمقتضى عقد البيع. وإذا كان الأصل أن يتم استرداد ما دفع تنفيذا للعقد الباطل أو القابل للإبطال متى تقرر البطلان أو الإبطال، فإن هناك بعض الحالات الاستثنائية التي يتعذر فيها مثل هذا الرد:

1 – استحالة الرد إذا لم يتحقق للقاصر وناقص الأهلية نفع ظاهر من التصرف الباطل و القابل للإبطال :

تنص الفقرة الثانية من الفصل 6 من قانون الالتزامات والعقود على أنه : ” يبقى القاصر مع ذلك ملتزما في حدود النفع الذي استخلصه من الالتزام وذلك بمقتضى الشروط المقررة في هذا الظهير”.

فإذا تقرر البطلان أو الإبطال لمصلحة القاصر، فإنه لا يلزم تجاه الطرف الآخر إلا برد ما عاد عليه من نفع ظاهر بموجب العقد الباطل أو الذي تقرر إبطاله، حتى ولو ثبت أنه استعمل طرقا احتيالية من شأنها أن تجعل المتعاقد الآخر يعتقد أنه راشد, فمثلا إذا قام ناقص الأهلية ببيع منقول، وقامر بجزء من الثمن، في حين دفع الجزء الباقي منه سدادا لدين في ذمته، فإنه لا يلزم برد كل الثمن إذا تقرر إبطال التصرف، وإنما بذلك القدر من الثمن الذي سدد به الثمن.

ويكون هناك نفع للقاصرين إذا تم صرف الشيء في المصروفات الضرورية أو النافعة أو إذا كان هذا الشيء لازال موجودا في ذمة القاصر

2 – استحالة الرد نتيجة لتغير طبيعة الشيء المتعاقد عليه أو استهلاكه :

يندرج في هذه الحالة أكثر من صورة كما لو تم استهلاك الشيء محل التعاقد أو تم تحويل طبيعته كتحويل المادة الخام إلى شيء مصنوع. ففي هذه الحالات والأوضاع يقتصر الرد على قيمة الشيء وغالبا ما يكون في شكل تعويض جزافي تقدره المحكمة بالاستناد إلى تقويم الخبراء لقيمة الشيء يوم العقد، وليس يوم النطق بالحكم”

وتجدر الإشارة أخيرا أن بطلان الالتزام الأصلي يستوجب بطلان الالتزامات التابعة له ما لم ينص القانون على خلاف ذلك أو وجود اتفاق مخالف لذلك (قاعدة تبعية الفرع للأصل من أشهر القواعد في الميدان المدني)

ثانيا : الآثار البطلان و الإبطال بالنسبة للغير :

إن تطبيق مفعول البطلان والإبطال بأثر رجعي لا يقتصر على المتعاقدين فحسب ولكن يشمل الغير كذلك. فالغير الذي تلقى حقا على شيء ، وكان هذا الأخير موضوع عقد باطل أو عقد تقرر إبطاله، فان حقه يزول تبعا للبطلان أو الإبطال، عملا بمقتضيات القاعدة العامة التي تقول أن الشخص لا يستطيع أن ينقل إلى غيره أكثر مما يملك،

فلو أن شخصا اشتری منزلا بعقد باطل ثم باعه، وتقرر بعد ذلك بطلان البيع الأول، فإن البائع في العقد الباطل يجب أن يكون له مبدئيا استرداد المنزل من المشتري الثاني، وإذا كان هذا المشتري الثاني قد رتب على المنزل حقوقا، فإن البائع يجب أن يكون له مبدئيا استرداد العين خالية من هذه الحقوق. لكن تطبيق هذه القاعدة يصطدم بمبدأ آخر مقابل لا يقل أهمية، ويتعلق بمبدأ احترام الحقوق المكتسبة للغير خصوصا عندما يحصل الاكتساب عن حسن نية.

ثالثا : الاستثناءات التي لا تتأثر فيها حقوق الغير بمبدأ رجعية آثار العقد الباطل أو الذي تقرر إبطاله :

1- عدم تأثير البطلان أو الإبطال على الحقوق المكتسبة للغير حسن نية في المجال العقاري:

الحقوق العينية المكتسبة للغير بحسن نية لا تتأثر في إطار التشريع المغربي بمبدأ رجعية آثار البطلان والإبطال، وذلك عندما يتم تسجيل هذه الحقوق باسم الغير في السجل العقاري، وهذا ما ينص عليه الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري الذي جاء فيه: ” كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتقييده وابتداء من يوم التقييد في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية. ولا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير ذي النية الحسنة”.

2_ ضرورة احترام مبدأ الحيازة في المنقول سند الملكية:

بمقتضى مبدأ “الحيازة في المنقول سند الملكية” فإن الحائز للمنقول بحسن نية له الحق في أن يتمسك بملكيته حتى ولو تلقاه ممن ليس له الحق في التصرف فيه، وهذه القرينة منصوص عليها في الفصل 456 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه : “يفترض في الحائز بحسن نية شيئا منقولا أو مجموعة من المنقولات أنه قد كسب هذا الشيء بطريق قانوني وعلى وجه صحيح وعلى من يدعي العكس أن يقيم الدليل عليه. ولا يفترض حسن النية فيمن كان يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم عند تلقيه الشيء أن من تلقاه منه لم يكن له حق التصرف فيه”

الآثار العرضية أو الغير مباشرة للبطلان أو الإبطال :

الفقرة الأولى : نظرية انتقاص العقد :

يقصد بانتقاص العقد التخلص من الجزء الباطل والإبقاء على الجزء الصحيح طالما احتمل هذه التجزئة، فإذا لم يحتملها لم يكن هناك محل لهذا الإنقاص، وهكذا فإذا لحق البطلان أو الإبطال بعض أجزاء العقد فقد دون الأجزاء الأخرى، وهو ما يعرف بالبطلان أو الإبطال الجزئي فلا مانع من إنقاذ الالتزام عن طريق الإبقاء على الأجزاء الصحيحة منه إذا كان بطلان الأجزاء المعيبة لا يؤثر في استمرار وجوده (أي انتقاص العقد).

أما إذا تعذر بقاء الأجزاء صحيحة دون الأجزاء المعيبة فإن البطلان يمتد ليشمل الجزء الصحيح أيضا فيصبح الالتزام باطلا في مجمله، ولا مجال بالتالي لإعمال نظرية انتقاص العقد”.

ونظرية انتقاص العقد اعتنقتها معظم التشريعات بما في ذلك قانون الالتزامات والعقود الذي نص في الفصل 308 على ما يلي: “بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره متميزا عن العقد الأصلي”

ومن تطبيقات ذلك، الشرط الذي يرد في عقد الشركة والذي يعفي أحد الشركاء من كل مساهمة في تحمل الخسائر، إذ أن مثل هذا الشرط يعتبر باطلا دون أن يترتب عليه بطلان عقد الشركة “الفصل 1035 من قانون الالتزامات والعقود “

الفقرة الثانية : نظرية تحول العقد :

 إذا بطل التصرف الذي أراده العاقدان لسبب من أسباب البطلان وكان التصرف الباطل يتضمن عناصر كافية لأن يتكون منها تصرف آخر غير الذي جرى عقده، وكان الظاهر من ظروف العقد، أن العاقدين لو علما بأن تصرفهما الواقع لا ينعقد، لقبلا أن يعقدا بدلا منه ذلك التصرف الممكن، فإن الواقع يوجب في هذه الحالة اعتبار تصرفهما رغم بطلانه في صورته الواقعة منشئا حكما ذلك العقد الآخر الذي توافرت عناصره وشروطه في هذا التصرف الباطل إعمالا للنية المفترضة لدى العاقدين، وهذا ما يسمى: “بتحول العقد”.

 ولقد أشار إليها قانون الالتزامات والعقود في الفصل 309 الذي جاء فيه ما يلي: ” إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام.” ومثاله عقد الشركة إذا تضمن منح أحد الشركاء كل الربح كانت الشركة باطلة، واعتبر العقد تبرعا ممن تنازل عن نصيبه في الريح (الفصل 1035 من قانون الالتزامات والعقود)


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!