اشتراك و استقلال الذمة المالية للزوجين

اشتراك و استقلال الذمة المالية للزوجين

المطلب الأول : استقلال الذمة المالية للزوجين

إن استقلال الذمة المالية للزوجين من شأنه تحقيق الاستقرار داخل الأسرة، وتفادي ما قد يحصل بينهما من خلاف، وقد عملت الشريعة الإسلامية في هذا الإطار على جعل ذمة كل واحد من الزوجين مستقلة عن الآخر )الفقرة الأولى( وفي نفس الاتجاه سار المشرع بإقراره لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين )الفقرة الثانية(.

الفقرة الأولى: السند الشرعي لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين

تعرف الشريعة الإسلامية بوجه عام نظاما ماليا واحد يحكم أموال الزوجين وحقوقهما وعلاقتهما المالية، وهو نظام انفصال الأموال ويظهر ذلك من مجمل الأحكام التي تتناول العلاقات المالية بين الزوجين والقواعد التي تخضع لها حقوقهما المالية كنظام النفقات وقواعد التصرف والانتفاع بالأموال العائدة لكل منهما

وتعرف الذمة المالية في الفقه الإسلامي بأنها وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان فيصير به أهلا للإلزام والالتزام وتعرف أيضا بأهلية الوجوب التي تعني صلاحية الإنسان لأن تكون له حقوق وعليه واجبات

ويشكل مبدأ استقلال الذمة المالية أحد الأسس التي ترتكز عليها مؤسسة الزواج في الشريعة الإسلامية كما أن تصرفات الزوجة المالية تجد أساسها في كتاب الله والسنة النبوية تؤكد كلها أن للمرأة المسلمة الحق في التصرفات المالية.

ومن الآيات الواردة في القرآن الكريم “ولكم نصف ما ترك أزواجكم وإن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصي بها أو دين” وقوله عز وجل ” وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم” .

فالآية الأولى تتحدث على أن للمرأة ذمتها المالية المستقلة،يورث عنها بعد وفاتها وتنفذ وصيتها كما يمكن أن تتدين سواء نتيجة معاملات تجارية أو غيرها، أما بالنسبة للآية الثانية لم يميز الشارع الحكيم بين الذكر والأنثى في دفع أموالهم بذلك يمكن أن يكون اليتيم أنثى وتكون لها ذمة مالية وبالتالي فإن للزوجة مطلق الحرية في التصرف في مالها الخاص أن لها أن تدخره أو تتصدق به أو بجزء منه ولها أن توصي به أو تهبه إلى الغير

ومن ذلك أيضا “ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن” ، فهذه الآية شملت أنواع الكسب من تجارة وصناعة وفلاحة وجميع أنواع المعاملات المالية المشروعة

هذا من خلال القرآن الكريم أما أدلة استقلال الذمة المالية للمرأة في السنة الشريفة فقد روي عن الليث عن أبي عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير، فقال الذي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر لا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره

فالإسلام اعترف للمرأة متى كانت كامل الأهلية شخصيتها المدنية الكاملة وحريتها المطلقة في التصرف في أموالها سواء كانت بعوض أو بغير عوض دون رقابة من زوجها فجعل لها ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للزوج

ويشكل استقلال الذمة المالية للزوجين تجسيدا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق والتصرف في الأموال وحق المرأة في القيام بجميع أنواع المعاملات المالية المشروعة دون رقابة من زوجها لاستقلال ذمتها المالية عن ذمته.

وفي هذا الإطار يذهب أحد الفقهاء الى القول بأن المرأة تتمتع بذمة مالية مستقلة ويمكن استثمار أموالها لحسابها الخاص عن طريق التجارة والصناعة والفلاحة والكسب وبجميع أنواع المعاملات المالية المشروعة ويمكن ادخار أموالها في اسمها الخاص

والتصرف فيه كما شاءت بالبيع والهبة والوصية والإيجار والتوكيل والرهن والشراء وغير ذلك من التصرفات المالية دون أن يكون لزوجها الحق في التدخل بمنعها أو تقييد حريتها بأي نوع من أنواع التقييد إلا ما يمس بالسلوك الخلقي كأن تفتح بأموالها مرقصا أو محلا لبيع الخمور وغير ذلك مما يجلب المعرة للزوج والأولاد.

الفقرة الثانية: الأساس القانوني لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين

أقر المشرع بالمبدأ السائد في الشريعة الإسلامية والقاضي باستقلال الذمة المالية للزوجين سواء في إطار مدونة الأحوال الشخصية سابقا أو في ظل مدونة الأسرة ولم يأخذ برأي المالكية فيما يخص بتقيد تصرفات الزوجة في مالها بدون عوض فيما زاد عن الثلث.

فقد نصت الفقرة الرابعة من الفصل 35 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أنه “للمرأة حريتها الكاملة في التصرف في مالها دون رقابة الزوج إذ لا ولاية على مال زوجته ، الذي تبنى بدوره الحرية المطلقة للزوجة في التصرف بمالها دون أن يكون تصرفها ذلك موضوع رقابة أو وصاية من قبل زوجها أو غيرها وهو ما يعتبر تكريسا لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين

وهو ما أكده المجلس الأعلى سابقا في قرار له جاء فيه ” أن رسم السعاية المحتج به لا يشير إلى النظام المالي للزوجين ولا إلى درجة مساهمة المرأة في ما أصبح يشكل الذمة المالية للزوج وأن القاعدة المقررة في الشريعة الإسلامية تقضي باستقلال كل زوج بذمته المالية الخاصة” ثم أصدرت مدونة الأسرة التي كرست هذا المبدأ صراحة في الفقرة الأولى من المادة 49 “لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر.. ” يتبين أن لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر يتصرف فيها، حيث يبقى كل واحد منهما محتفظا بأمواله الشخصية التي اكتسبها قبل الزواج عن طريق الإرث أو الوصية أو الهبة أو الصدقة ، وقد تبنت هذه القاعدة التشريعات الوضعية السارية المعمول بها في البلدان العربية بخلاف القانون الفرنسي الذي وضع أمام الزوجين أربعة أنظمة مالية

وتكمن أهمية إقرار مبدأ الذمة المالية المستقلة لكل واحد من الزوجين في الحرص على عدم اغتناء أحدهما على حساب الآخر والسعي إلى ركوب مطية الزواج بهدف الاغتناء، بعيدا عن القيم السامية لعقد الزواج كما أنه من شأن إقرار هذا المبدأ تخويل لكل واحد من الأطراف العلاقة الزوجية للحفاظ على ثروته المكتسبة قبل الزواج وتنميتها في استقلال تام عن الذمة المالية للزوج الآخر سواء بشكل سلبي أو إيجابي

ومسألة استقلال ذمة كل زوج عن الآخر هي من النظام العام وهي بخلاف الاشتراك في تدبير الأموال المشتركة المكتسبة خلال فترة الزواج

غير أن المشرع أضفى من حدة هذا المبدأ حيث أكد في المادة 49 من المدونة عن إرادة الزوجين عند إبرام الزواج في تحديد الاتفاقات التي يرغبان في تنظيمها في عقد مستقل من أجل تنظيم علاقتهما المالية، وخصوصا فيما يتعلق بثروتهما المكتسبة خلال الحياة الزوجية لضمان حقوقهما معا

وتأكيدا لمبدأ استقلال الذمة المالية للزوجين يعمد بعض الأزواج عند إشعارهما بمقتضيات المادة 49 من مدونة الأسرة الى الاتفاق في عقد مستقل على الأخذ بنظام الاستقلالية بالنسبة لكل واحد منهما في جميع ممتلكاته وأمواله.

على أنه بالرغم من أهمية هذا المقتضى التشريعي إلا أنه في الواقع العملي نسجل قلة حالات الاتفاق على إبرام عقود تدبير الأموال المكتسبة بين الزوجين بالمقارنة مع عقود الزواج والسبب في ذلك راجع إلى مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية

وعليه فتأكيد المادة 49 من مدونة الأسرة على استقلال الذمة المالية للزوجين يجعل الزوجين في غنى عن الاتفاق حول هذه المسألة إلا أنه من الناحية العملية قد يلجأ بعض الأزواج إلى الاتفاق على أن تظل ذمة كل واحد منهما مستقلة عن الآخر وهذا ما تضمنته أحد العقود الذي جاء فيه “وأشهد الزوج المذكور أنه لا دخل له في الأموال التي اكتسبتها زوجته قبل زواجهما أو بعده وأن لكل واحد منهما ذمة مالية مستقلة عن الآخر واستثمار أموال كل منهما سيبقى مستقلا دوما واستمرار

هذا المبدأ المنصوص عليه في مدونة الأسرة لم يأتي عن فراغ فهو موجود في الشريعة الإسلامية التي تنص عليه كأصل في فصل الأموال لكل طرف على حدة، لذا فالمشرع ساير الشرع الإسلامي في هذه النقطة ونصل على أن مبدأ استقلال الذمة المالية للزوج والزوجة الحصول عليها قبل العلاقة الزوجية.

ومن خلال الإطلاع على مجموعة من رسوم الإشهاد على تدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج يتضح أن أغلبها تضمن اتفاق الزوجين على ذمتهما المالية المشتركة، وبه نص المشرع على ضرورة إيجاد صبغة توافقية لكيفية تسيير الأموال المشتركة التي ستكتسب في فترة الحياة الزوجية بإبرام الاتفاق المالي لتدبير الأموال المشتركة بينهما.

المطلب الثاني: اشتراك الذمة المالية

المشرع نهج نهجا سليما بما أقرته المادة 49 من مدونة الأسرة بترسيخها قاعدتين جوهريتين تتجلى أولاهما في استقلال الذمة المالية لكل واحد من الزوجين وهو ما نص عليه في الفقرة الأولى، والثانية تضمنت مسألة تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين ضمن الأحكام التي خصصها للشروط الإرادية وهي تعتبر من أهم التعديلات التي جاءت بها مدونة الأسرة، ولكي نلم أكثر بالموضوع سنقوم بتوضيح المقصود بالمكتسبات الزوجية )الفقرة الأولى( وبيان موقف الفقه والمشرع في )الفقرة الثانية(.

الفقرة الأولى:المقصود بالمكتسبات الزوجية

الكسب لغة:هو الربح المالي أو النفع المادي الذي يجنى من عمل أو تجارة أو صناعة والمكتسبات هي الأموال التي تم الحصول عليها أي الحقوق المكتسبة

المكتسبات عبارة عن الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية عامة تفيد الأموال العقارية والأموال المنقولة ويمكن أن تفيد جميع طرق اكتساب هذه الأموال العوضية وغير العوضية

وهذا بخلاف المشرع التونسي الذي أنشأ نظاما اختياريا للاشتراك في الأملاك بين الزوجين وهو نظام يهدف الى جعل عقار أو جملة من عقارات ملكا مشتركا بين الزوجين متى كانت من متعلقاته العائلية

إن نظام الاشتراك في الأموال الزوجية يعد من أهم صور النظام المالي الزوجي والأكثر شيوعا في التشريعات الغربية وفي مقدمتها التشريع الفرنسي، ويستند هذا النظام الى فكرة وجود مجموع مالي مشترك بين الزوجية ، وهي تلك الأموال التي يكتسبانها في ظل العلاقة الزوجية سواء عن طريق ممارسة مهنة أو نشاط معين أو عن طريق التبرع كأن يهب شخص مالك الزوجين قطعة ترابية فتكون بذلك مشتركة بينهما.

ثم إن فكرة الاشتراك في الأموال الزوجية المكتسبة سواء بدأت تتسلل ببطء الى مدونات الأحوال الشخصية العربية وفرضت نفسها نتيجة ظروف سياسية وعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية جدت وطرأت على الساحة العامة للبلدان العربية منها ارتفاع نسبة التعليم والوعي والعمل بين الإناث ونشاط الجمعيات النسوية والحقوقية المطالبة بمحاربة أشكال التمييز بين الجنسين

الفقرة الثانية: موقف المشرع من المكتسبات الزوجية

استثناء من القاعدة العامة أعلاه المقررة لمبدأ فصل الذمة المالية لكل واحد من الزوجين عن الآخر، أقر مشروع مدونة الأسرة 70 / 032 مبدأ اختياريا آخر يخضع لمبدأ سلطان الإرادة بمفهومه المدني 3 وذلك في الفقرة الأولى من نفس المادة “غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها”.

يبدو انطلاقا من هذه المقتضيات أن المشرع يتحدث عن اتفاق اختياري يمكن للزوجين من خلاله تنظيم وتدبير أموالها التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية وذلك عن طريق تحديد كيفية استثمارها وطريقة توزيعها.

فمقتضيات مدونة الأسرة لا علاقة لها بقواعد الإرث بمعنى أن اتفاق الزوجين على الاشتراك في المكتسبات مناصفة مثلا لا يعني أن عند وفاة أحد الزوجين يقتصر نصيبه على نصف هذه المكتسبات فقط وإنما يأخذ النصف على أساس ما حصل بينهما من اتفاق بالإضافة الى نصيبه وفقا لقواعد الإرث

فالواضح أن المشرع يتحدث عن قاعدة مكملة يمكن الاتفاق على مخالفتها على اعتبار أنه ليس هناك من الناحية القانونية ما يمنع عدم الاتفاق المطلق ما دام الطرفان لهما الأهلية المدنية لإبرام العقد وهذا ما يتضح من الصياغة التي استعملها المشرع بهذا المقتضى “غير أنه يجوز لهما”

أقر المشرع المغربي إمكانية وجواز توثيق هذا الاتفاق وذلك في عقد مستقل عن عقد الزواج وهذا ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 49 وذلك لتفادي النزاعات التي قد تحدث بين الزوجين نتيجة عدم البت في أمر هذه الأموال

و المشرع المغربي أحسن صنعا عندما نص على أن وثيقة تدبير الأموال يجب أن تكون مستقلة عن عقد الزواج، لكي لا يجتمع عقدان في عقد واحد لهما غايات مختلفة عقد الزواج وعقد الشركة.

كما أن الوثيقة التي يتضمنها عقد الزواج والمخاطب عليها من جانب قاضي التوثيق وهي وثيقة رسمية، أما الاتفاق المتعلق بتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج فقد يضمن في وثيقة رسمية يحررها عدلان أو موثق وقد يضمن في وثيقة عرفية يكتبها الطرفان أو ينوب عنهما الغير في ذلك

ونرى أن هذا الاتفاق إذا ورد في عقد الزواج يمكن تكييفه ضمن الشروط الإرادية لعقد الزواج لذلك كان حريا بالمشرع أن يترك الحرية للمتعاقدين في تضمين هذه الاتفاقات والشروط في صلب عقد الزواج أو في اتفاق لاحق وهذا ما سنتطرق إليه فيما سيأتي.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!