اتفاق التحكيم

ماهية اتفاق التحكيم و شروطه

المطلب الأول : ماهية اتفاق التحكيم و شروطه

قد يتمثل اتفاق التحكيم ، في صورة شرط تحكيم، والذي تعرفه طائفة من الفقه، بأنه : ذلك الاتفاق الذي يدرج في عقد ما، يتعهد بمقتضاه طرفا العقد، بأن يحيلا إلى التحكيم المنازعات التي قد تنشأ عن هذا العقد

ويبدو أن هذا التعريف محل نظر الباحث، لأن شرط التحكيم، يمكن أن يكون في صورة بند من بنود العقد، أي وارداً في صلب العقد نفسه، كما يمكن أن يكون في صورة اتفاق منفصل بذاته عن العقد موضوع التحكيم، ما دام الأطراف، قد اتفقوا عليه قبل حدوث النزاع، أما إذا حدث النزاع، ولم يكن هناك شرط تحكيم، فإن الأطراف، يستطيعون، إبرام ما يعرف بمشارطة التحكيم.

ويمكن للباحث تعريف شرط التحكيم، بأنه الاتفاق، الذي تتجه إرادة الأطراف بمقتضاه إلى حل المنازعات التي قد تنشأ عن عقد ما، سواء تمثل هذا الشرط في صورة بند من بنود العقد أم في صورة منفصلة عن الوجود المادي للعقد.

كما قد يتمثل اتفاق التحكيم، في صورة مشارطة التحكيم، والتي يمكن أن تعرف بأنها عبارة عن تعبير عن إرادة الخصوم، لحل ما نشأ بينهم من منازعات، عن طريق التحكيم. ويعرف اتفاق التحكيم بأنه “اتفاق مكتوب على إحالة النزاعات الناشئة، أو التي قد تنشأ إلى التحكيم، سواء عين المحكم باسمه، أم لا

ولم يعرف قانون التحكيم الأردني الحالي اتفاق التحكيم، على خلاف القانون السابق رقم 18 لسنة ( 1953 ) وعلى خلاف القانون المصري الذي عرفه في المادة العاشرة فقرة  “هو اتفاق الطرفين على الاتجاه إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية”.

وهذا هو موقف قانون الأنستيرال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي مع ملاحظة أن الأخير أضاف عبارة ويجوز أن يكون اتفاق التحكيم في صورة شرط تحكيم وارد في عقد أو في صورة اتفاق منفصل

ويستفاد من هذا التعريف أن اتفاق التحكيم يمكن أن يأتي قبل نشوء النزاع أو بعده، فإذا جاء قبل نشوء النزاع سمي ذلك بشرط التحكيم، أما إذا جاء بعده فيطلق عليه مشارطة التحكيم، كذلك يمكن أن يأتي الاتفاق من خلال الإحالة إلى عقد أو مستند يشتمل على شرط التحكيم وهو ما يعرف باسم شرط التحكيم بالإحالة

المطلب الثاني: الشروط الشكلية في اتفاق التحكيم

عادة ما يخضع شكل العقد لقانون محل الإبرام، بينما يخضع العقد لقانون الإرادة، ويلاحظ أن المشرع الأردني قد أخضع شكل العقد لقانون محل الإبرام، ألا إنه عاد وأجاز أن تخضع للقانون الذي يسري على أحكامها لموضوعية. كما أجاز أن تخضع لقانون موطن المتعاقدين أو قانونهما الوطني المشترك ، فعقد التحكيم كباقي العقود الرضائية ، واعتبرته بعض التشريعات من العقود الشكلية ، ويعني ذلك انه لا يكفي فقط مجرد التراضي لانعقاده بل لا بد من أن يتم في شكل يتطلبه القانون، وتتمثل هذه الشروط في وجود الكتابة، ووجود تحديد موضوع النزاع وسنبينها كما يلي:

الفرع الأول : وجود الكتابة

أولت اتفاقية نيويورك كتابة اتفاق التحكيم أولوية كبيرة جداً ، واعتبرته شرطاً شكلياً يستلزم توافره في اتفاق التحكيم ، واعتبرته شرطا لصحة اتفاق التحكيم وليس دليلاً للإثبات ، وفي حال تخلف هذا الشرط فإنه يمتنع تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي ويعتبر باطلاً ، ولم تشترط الاتفاقية أن يكون الاتفاق سابقًا على المنازعة بل يمكن أن يكون معاصرا لها أو لاحقًا عليها،

 ولكن لا يكفي أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا ، بل لا بد من أن يكون موقعا عليه من الطرفين، أو يكون متضمنًا في خطابات أو برقيات متبادلة مراعية في ذلك متطلبات التجارة الدولية التي تجري عادة من اتفاقية نيويورك المتعلقة بالاعتراف بقرارات / بين غائبين

يقصد ” باتفاق مكتوب” شرط التحكيم في عقد أو اتفاق التحكيم الموقع عليه من الأطراف بالمعنى الوارد في هذه المادة – أن تحيل الخصوم بناء على طلب أحدهم إلى التحكيم وذلك ما لم يتبين للمحكمة أن هذا الاتفاق باطل أو لا أثر له أو غير قابل للتطبيق.

على محكمة الدولة المتعاقدة التي يطرح أمامها نزاع حول موضوع كان محل اتفاق من الأطراف بالمعني الوارد في هذه المادة أن تحيل الخصوم بناء على طلب أحدهم إلى التحكيم وذلك ما لم يتبين للمحكمة أن هذا الاتفاق باطل أو لا أثر له أو غير قابل للتطبيق. وتنص المادة العاشرة من قانون التحكيم الأردني على ما يلي :

1 – يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً، ويكون اتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه مستند وقعه الطرفان أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو عن طريق الفاكس أو التلكس أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة والتي تعد بمثابة سجل الاتفاق.

2 – ويعد في حكم الاتفاق المكتوب لكل إحالة في العقد إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد.

3 –  إذا تم الاتفاق على التحكيم أثناء نظر النزاع من قبل المحكمة، فعلى المحكمة أن تقرر إحالة النزاع إلى التحكيم، ويعد هذا القرار بمثابة اتفاق تحكيم مكتوب.

الفرع الثاني : تحديد موضوع النزاع

لقد اشترط قانون التحكيم الأردني وكذلك المصري، تحديد موضوع النزاع، على أن يتم هذا التحديد على التفصيل التالي:

تعيين المحل في شرط التحكيم: إذا كان الاتفاق في صورة شرط تحكيم، فإنه لا يلزم أن يتضمن الشرط تحديد المسائل المتنازع عليها، وهذا بديهي إذ أن الشرط يتفق عليه قبل بدء أي نزاع، نظراً لكون الشرط هو اتفاق على التحكيم، فيجب، شأنه شأن أي اتفاق، أن يكون له محل.

وهذا المحل يجب أن يكون معيناً وهذا ما أكده القانون المدني الأردني حيث نص على أنه ” يشترط أن يكون المحل معيناً تعييناً نافياً للجهالة الفاحشة…” ولهذا يلزم لصحة شرط التحكيم تعيين المحل الذي يدور حوله النزاع، فيعتبر باطلاً شرط التحكيم الذي يتفق فيه الطرفان

على عرض أي نزاع ينشأ بينهما في المستقبل على محكمين دون تعيين المحل الذي يدور حوله النزاع

وهذا ما أكدته محكمة التمييز الأردنية في أحد قراراتها بالقول: “فإذا اتفاقا طرفا عقد العمل في المادة ( 7) من عقدا لعمل على أنه أية خلافات تنشأ بين الفريقين وتكون ناتجة عن هذا العقد تحال للتحكيم وفق أحكام قانون التحكيم الأردني السارية المفعول) فالمستفاد من هذه المادة إن الطرفين اتفقا على حل أي نزاع ينشأ بينهما عن تنفيذ عقد العمل يتم فيه اللجوء إلى التحكيم وحيث أن العقد الشريعة المتعاقدين وبما أن الجهة المدعى عليها تمسكت بشرط التحكيم، فإن تمسكها هذا لا يخالف حكم العقد

تعيين موضوع النزاع في مشارطة التحكيم: يجب في مشارطة التحكيم ذكر موضوع النزاع، وإلا ترتب على ذلك بطلان القرار التحكيمي بموجب نصوص قوانين التحكيم التي نصت على ذلك بالقول: “يجوز أن يكون اتفاق التحكيم سابقاً على نشوء النزاع سواء أكان مستقلاً بذاته أو ورد في عقد معين بشأن كل المنازعات أو بعضها التي قد تنشأ بين الطرفين، كما يجوز أن يتم اتفاق التحكيم بعد قيام النزاع ولو كانت قد أقيمت في شأنه دعوى أمام أية جهة قضائية ويجب في هذه الحالة أن يعين موضوع النزاع الذي يحال إلى التحكيم وإلا كان الاتفاق باطلاً

ويرى الباحث أن هذا الأمر منطقي لمشارطة التحكيم، حيث أن تحرير المشارطة يأتي بعد قيام النزاع، ومن المفروض أن يتم تعيين الموضوع حتى يتسنى للمحكمين بسط رقابتهم على موضوع النزاع، وتحديد مسؤوليتهم. ولا يشترط أن تتضمن أيضاً أسباب المنازعة وموضوعها تفصيلاً ولكن يشترط بها صيغة معينة، فيكفي أن تحدد المشارطة موضوع النزاع.

وتطبيقاً لذلك فقد أقرت محكمة التمييز الأردنية في قرار لها اللجوء إلى التحكيم هو طريق استثنائي لفض الخصومات التي هي أصلاً من اختصاص المحاكم دون سواها ويستمد المحكمون سلطتهم في بحث النزاع من هذا الاتفاق، وعليه فللمحكمة بسط صلاحيتها في مراقبة وتطبيق مشارطة التحكيم وتطبيق القانون

المطلب الثالث : الشروط الموضوعية في اتفاق التحكيم

يتعين أن تتوافر في اتفاق التحكيم الشروط الموضوعية اللازمة لانعقاده، وهي: الرضا والمحل والسبب. وعدم توافر الشروط الموضوعية يترتب عليه بطلان قرار التحكيم.

أ – وجود التراضي

إن نقطة البداية في النظام القانوني للتحكيم، هي ضرورة التأكد من وجود اتفاق تحكيم وأن إرادة الأطراف قد اتجهت بالفعل إلى الالتجاء للتحكيم، وأن هناك تلاحماً غير موجود في التعبير عن إرادة كافة الأطراف المعنية، على نحو يمكن معه الاطمئنان إلى أنهم قد قصدوا حقيقة إقامة قضاء خاص، يتولى مهمة الفصل في منازعة حالة، أو مستقبلية، وناتجة عن تعامل محدد قائم بينهم

لذلك يجب أن تم تخصيص التحكيم بالذكر في اتفاق الطرفين أو الإحالة إليه بوجه خاص، فإذا انضم أشخاص آخرين إلى اتفاق التحكيم، فإنه يجب أن يكون انضمامهم صريحاً، ولا يفترض هذا الانضمام لمجرد دخولهم، أو اشتراكهم في علاقة الطرفين الأصليين

وإذا أحال الأطراف صراحة إلى الشروط المتضمنة شرط التحكيم، فمن الواجب الإحالة إلى شرط التحكيم صراحة وقد حكم بأن ورود عبارة تحكيم في الاتفاق المبرم لا يكفي للقول بأن السند هوا تفاق على التحكيم

ويشترط لوجود اتفاق التحكيم، أن تكون إرادة الأطراف قد صدرت سليمة خالية من عيوب الرضا كالغلط والإكراه والتغرير، فالرضا يعد ركناً أساسياً للاتفاق على التحكيم، فإنه لا يفترض، بل لا بد من وجود الدليل عليه، لأن الاتفاق على التحكيم يشكل خروجاً عن الأصل العام في التقاضي، ويعتبر نظاماً استثنائياً، فكان لا بد من التعبير عنه صراحة

وتطبيقاً لذلك فقد قضت محكمة التمييز الأردنية ذلك بأنه “إذا تناول اتفاق التحكيم شخصاً لم يكن طرفاً في التحكيم، فيكون الاتفاق باطلاً هو وقرار التحكيم لاعتماده على اتفاق تحكيم باطل

 ولكن هنا يثور التساؤل عن القانون الواجب التطبيق على الرضا من حيث صحته وبطلانه؟ لذا يكون القانون الواجب التطبيق هو القانون المختار من قبل الأطراف ليحكم العقد الأصلي واتفاق التحكيم، أما في حالة عدم اختيار الأطراف لقانون محدد ليحكم العقد الأصلي واتفاق التحكيم فما هو القانون الذي يتعين إعماله؟ من المعروف أن مسألة وجود الرضا وصحته تدخل في إطار الفكرة المسندة الخاصة بالالتزامات التعاقدية وهو ما يؤدي إلى سريان القانون الذي يحكم العقد عليها، وبالتالي يسري عليها القانون الذي يسري على اتفاق التحكيم ذاته على اعتبار أن صحة الرضا وبطلانه تتعلق بهذا الاتفاق

وبالرجوع إلى قانون التحكيم الأردني الجديد للتحكيم نجد أنه لم يحدد القانون الواجب التطبيق على اتفاق التحكيم، وإنما تعرض فقط لمسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، فأخضع هذه المسألة للقواعد التي يتفق عليها الطرفان، وإذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة، اتبعت القواعد الموضوعية دون تلك الخاصة بتنازع القوانين ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك

أما إذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية الواجبة التطبيق على موضوع النزاع، تطبق هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي ترى أنه الأكثر اتصالاً بالنزاع مع مراعاة شروط العقد والأعراف الجارية في نوع المعاملة

بأهلية أطراف اتفاق التحكيم

تنص المادة 49 من قانون التحكيم الأردني على أنه “لا تقبل دعوى بطلان حكم التحكيم إلا في الأحوال التالية: إذا كان أحد طرفي اتفاق التحكيم وقت إبرامه فاقداً للأهلية أو ناقصها وفقاً للقانون الذي يحكم أهليته”

يتضح من نص المادة المتقدمة أن المشرع الأردني قد اختار منهج تنازع القوانين للفصل في مسألة تحديد القانون الواجب التطبيق على أهلية أطراف التحكيم، ويختلف تحديد القانون الواجب التطبيق على أهلية الشخص كونه شخصاً طبيعياً أو معنوياً

وقد أكدت المادة (9) من قانون التحكيم الأردني أنه “لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه، …”

وبهذا فإن المشرع الأردني اشترط توافر الأهلية في الشخص الطبيعي والاعتباري وهذه الأهلية المشروطة هي أهلية الشخص في التصرف في حقوقه ومعنى ذلك أنه لا يكفي أن تكون للشخص أهلية التعاقد فحسب وإنما يجب أن يكون أيضاً أهلاً للتصرف في الحق المتنازع عليه لإبرام اتفاق التحكيم والقانون الذي يحكم أهلية الشخص الطبيعي هو قانون الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته ويعتبر الشخص الطبيعي أهلاً لمباشرة حقوقه المدنية ومنها اتفاق التحكيم إذا بلغ سن الرشد وكان متمتعاً بقواه العقلية غير محجور عليه وأتم الثامنة عشرة من عمره

جتوافر شروط محل اتفاق التحكيم

محل التحكيم هو موضوع النزاع الذي يطرح على هيئة التحكيم، ويقصد بمحل اتفاق التحكيم، موضوع المنازعات التي يشملها اتفاق التحكيم والتي ينص على حلها بطريق التحكيم

ويشترط فيه وفقاً للقواعد العامة أن يكون موجوداً وممكناً ومعيناً أو قابلاً للتعيين وأن يكون مشروعاً أو قابلاً للتعامل فيه، كما يشترط أيضاً في محل الاتفاق على التحكيم أن يكون من المسائل التي يجوز التحكيم فيها

على أنه “يمكن رفض الاعتراف ويلاحظ أن اتفاقية نيويورك نصت في المادة 5 بقرار التحكيم وتنفيذه إذا رأت السلطات في البلد المطلوب تنفيذ القرار فيه أن موضوع الخلاف لا يمكن حله بطريق التحكيم أو أن الاعتراف بذلك القرار وتنفيذه يناقض السياسة العامة لذلك البلد وتطبيقاً لذلك قضت محكمة التمييز الأردنية بانه “من المبادئ القانونية المقررة أنه لا يجوز التحكيم في المسائل المتعلقة بالنظام العام

وقضت في قرار آخر بأن “الشرط الوارد في عقد المشارطة المبرز مع بوليصة الشحن والذي ينص على إحالة الخلاف الناشئ عن عقد المشارطة على التحكيم لدى غرفة التحكيم الملاحي في باريس … هو شرط باطل. إذ أن المادة  215/ب من قانون التجارة البحرية الأردني تنص على إبطال أي شرط أو اتفاق ينزع اختصاص المحاكم الأردنية في النظر بالخلافات الناشئة عن وثائق الشحن أو النقل البحري

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!