إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم

إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم

الجنسية الأصلية

تسمى الجنسية بالأصلية لكونها تعتبر المحدد الرئيسي للتمييز بين المواطن الذي ازداد من أبوين وطنيين أو ازداد فوق التراب الوطني وبين المواطن الذي لم يصبح حاملا لجنسية الدولة التي تنتمي إليها إلا بعد ولادته وبعد أن كان يحمل جنسية دولة أخرى, وقد تعارفت الدول منذ أمد بعيد على بناء جنسيتها وفقا لأحد معيارين أساسين: إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم أو رابطة الإقليم

وتعتمد دول العالم في الغالب الأعم على الطريقتين معا لكن بنسب مختلفة حيث تقوم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بدور هام في تغليب أحدهما على الآخر، فالدولة ذات الكثافة السكانية المرتفعة تكتفي في إسناد جنسيتها على رابطة الدم فقط، وتستبعد رابطة الإقليم.

والدولة ذات الكثافة السكانية المنخفضة والتي تعتبر في حاجة إلى السكان تستند جنسيتها على الرابطتين معا، أي يعتبر حاملا لجنسيتها كل من ازداد من أبوين وطنيين أو كل من ازداد فوق ترابها الوطني.

 إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم:

 يقصد ب إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم هوحق الفرد في حمل جنسية الدولة التي ينتمي إليها والدین بمجرد ميلاده بغض النظر عن مكان ازدياده أي حتى ولو ازداد في بلد آخر بغير البلد التي يحمل والديه جنسيتها فأساس الجنسية هنا هو الأصل العائلي الذي ينحدر منه المولود.

ومن مزايا إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم أنها تجعل الجنسية تنتقل في الدولة عبر الأجيال من الأصول إلى الفروع، وهذا من شأن أن يساعد أو يحافظ على وحدة الأصل، ومن ثم اصطلح على تسميتها أحيانا بجنسية النسب، وأحيانا أخرى بجنسية الدم، كما تسمى أيضا بالجنسية المفروضة لأنها تفرض بالقانون، أي أنها تكون لصيقة بالفرد الذي تتحقق فيه الشروط التي استلزمها القانون، ودون أن يكون للدولة أي سلطة تقديرية في منحها أو عدم منحها.

وقيل أيضا إن إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم مبني على: “قرينة مفادها أن التربية الوطنية التي تشيع روحها في داخل الأسرة الواحدة من شأنها أن تؤدي إلى صهر المشاعر والإحساس بالولاء للدولة في بوتقة واحدة”.

 ومهما تعددت مبررات إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم فيمكن القول إن وحدة المشاعر والإحساس بالولاء هي مجرد تبريرات مبنية على الافتراض ليس إلا، فهناك العديد من الأشخاص الذين يهاجرون إلى دولة أخرى ويقيمون فيها إقامة دائمة وتنقطع صلة أبنائهم وأحفادهم ببلديهم الأصلي ومع ذلك تستند لهم جنسية هذا البلد استنادا إلى حق الدم، فكيف تسند لهم الجنسية والأصل أن الرابطة الروحية بين الأبناء والدولة التي يحمل الأب جنسيتها – أصبحت معدومة أصلا.

ولم يأخذ المشرع المغربي هذا النقد بعين الاعتبار ولم يعره أي اهتمام مؤكدا على إمكانية إسناد الجنسية المغربية بناء على رابطة أو حق الدم ونعتقد أن المشرع المغربي كان موفقا في هذا التوجه ذلك أنه، إذا كان الاتصال والشعور الروحي من أهم مقتضيات الجنسية، فإن الأخذ به على إطلاقه سيجعل أبناء المغربي الذي انتقل للإقامة في دولة أخرى بدون جنسية خصوصا إذا كانت الدولة المستقبلية لا تنع جنسيتها استنادا إلى رابطة الإقليم، ولم يكن الأب قد حصل على جنسية تلك الدولة عن طريق التجنيس.

ويثار التساؤل حول الجهة التي يعول عليها في إسناد الجنسية بناء على هذه الرابطة هل يكفي الاعتداد بحق الدم من جهة الأب، أم يكفي أن تكون الأم وطنية بغض النظر عن جنسية الأب”.

غالبية التشريعات العربية تعتد بحق الدم من جهة الأب ولا تعتد بحق الدم من جهة الأم إلا استثناء في حالة إذا كان الولد من علاقة غير شرعية أو كان الأب عدیم الجنسية أو مجهولها.

شروط إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم:

 يقتضي البحث في شروط إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة أو حق الدم، التطرق إلى شروط الإسناد من جهة الأب ثم من جهة الأم.

شروط إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم من جهة الأب:

الفقرة الأولى: أن يكون الأب مغربيا:

 لكي تسند الجنسية المغربية إلى المولود، يجب أن يكون الأب متمتعا بالجنسية المغربية، كانت هذه الأخيرة أصلية أو مكتسبة، وسواء كان الأب متعدد الجنسيات أو لا يحمل جنسية واحد. وإذا تحققت الجنسية المغربية للأب فلا أهمية الجنسية الأم، إذ قد يستوي لدى القانون المغربي أن تحمل الأم الجنسية المغربية أو الأجنبية أو أن تكون عديمة الجنسية، وهذا يعني أن القانون المغربي يجعل من جنسية الأب الأصل في الإسناد، أما جنسية الأم فهي جنسية احتياطية فقط، ولا عبرة أيضا لما إذا كان الأب مازال على قيد الحياة أو ميتا، أو مازال زوجا أو مطلقا وذلك لعموم النص أعلاه.

 ويستوي أن يكون ميلاد المولود في المغرب أو خارجه، إذ لم يشترط الفصل السادس أعلاه، وقوع الميلاد دخ الإقليم المغربي لتثبيت الجنسية المغربية للمولود بالانتساب الأب مغربي أو أم مغربية، حيث لا عبرة في هذا الصدد بمكان الميلاد، بل إن حق المولود في الحصول على الجنسية المغربية من الأب يظل قائما مهما تعاقبت الأجيال خارج التراب المغربي، لأن النص عام غير مقيد بجيل أو جيلين.

وقد رأى بعض الفقه أن الوقت الذي يعتد فيه بجنسية الأب كأساس لمنح جنسيته للمولود هو تاريخ حدوث الحمل، ففي هذا التاريخ يصبح للجنين وجود قانوني مستقل عن أبيه، كما أن القانون قد رتب لهذا الجنين حقوقا والتزامات وهو ما يعرف بأهلية الوجود، غير أن هذا الرأي يصعب الأخذ به على إطلاقه، إذ تاريخ حدوث الحمل لا يعتبر تاريخا ثابتا بالنسبة لجميع النساء، فمن النساء من يستطعن کشف حملهن خلال تاريخ حدوثه، ومنهن من لا يستطعن ذلك إلا بعد شهور، ومن ثم يكون من غير المنطقي اعتماد مسألة حدوث الحمل كأساس للاعتداد بجنسية الأب.

وعليه فإن التاريخ الذي يجب الاعتداد به هو تاريخ الميلاد وليست تاريخ الحمل، وهذا هو الحكم يأخذ به المشرع المغربي، حيث أشارت صياغة الفصل السادس من قانون الجنسية إلى أن الجنسية المغربية تسند إلى «الولد المولود من أب مغربي…» بمعنى أنه في تاريخ الميلاد يجب أن يكون الأب حاملا للجنسية المغربية، لأن هذا التاريخ يكون محددا ومعلوما ولا يخضع للترجيح أو الاحتمال، كما أنه يسهل إثباته، فيعتبر المولود مغربيا حتى ولو كان أبوه يحمل جنسية أجنبية أثناء الحمل ثم أصبح حاملا للجنسية المغربية أثناء الولادة. كما أنه لا أهمية لما إذا غير الأب جنسيته بعد الولادة، إذ يظل الولد حاملا للجنسية المغربية استنادا إلى جنسية أبيه في تاريخ الميلاد.

 ويثار التساؤل حول الحكم الذي يتعين إتباعه في حالة وفاة الأب قبل الميلاد؟ يجمع الفقه على أن المولود تثبت له جنسية أبيه، على أساس أن الولد هو امتداد لأبيه يحمل اسمه وهويته وجنسيته كما يحل محله في أمواله عن طريق الميراث، ناهيك أن الموت هو واقعة لابد للأب وللمولود فيها، كما أن النص يعطي الجنسية المغربية لكل من يولد من أب مغربي، ولم يميز بين أب حي او ميت،

ومن ثم فالافتراض القائم والذي يتعين الأخذ به هو كون الأب كان سيظل حاملا للجنسية الوطنية إلى تاريخ الميلاد على الأقل، بل وفي رأينا يجب الإبقاء على هذا الحكم حتى ولو كان الأب قيد حياته بدأ في اتخاذ الإجراءات اللازمة في اتجاه التخلي الإنسان جنسيته المغربية، لأن مجرد القيام بهذه الإجراءات لا يعني بالضرورة تخلیه عن جنسيته المغربية، إذ يظل هذا التخلي رهينا بتحقق شروط معينة وصدور إذن بالتخلي من لدن وزير العدل ونشره في الجريدة الرسمية.

الفقرة الثانية: إثبات علاقة النسب بين الأب والمولود :

لا يمكن أن تسند الجنسية المغربية إلى المولود إلا إذا كانت هناك علاقة نسب شرعية بين الأب المغربي المسلم والمولود ، والمرجع في أحكام ثبوت النسب هو مدونة الأسرة التي بينت في المادة 152 منها، أن أسباب لحرق النسب هو: الفراش والإقرار والشبهة، وهذا يعني أنه يجب أن يكون المولود نتاج علاقة شرعية بين رجل مسلم وامرأة مسلمة أو كتابية. ويقصد بالفراش الزوجية الصحيحة القائمة حقيقة أو حكما، ويلحق به البناء في الزواج الفاسد، كما يثبت النسب بالاتصال بشبهة، كمن ظن في نائمة أنها زوجته فاتصل بها، وأما الزنا فلا يثبت به النسب بالنسبة للمسلم، كما يثبت النسب بالإقرار، أما بالنسب للمولود من أب مغربي يهودي الديانة فلا يشترط أن يكون نسبة شرعيا.

وإذا حصل خلاف حول نسب المولود، فلابد للقضاء أن يقول كلمته في هذا الموضوع، لأن ثبوت النسب للأب شرط لانتقال جنسية الأب المغربي إلى وليده حتی ولو تم هذا الإثبات بعد الميلاد بمدة، غير أن الفقه قد اختلف حول ما إذا كان إثبات النسب بعد بلوغ المولود سن الرشد يتحقق بموجبه إسناد الجنسية لهذا المولود؟

يرى البعض أن انتقال جنسية الأب إلى الولد يتحقق بمجرد إثبات النسب الشرعي، ولم تم تأكيد هذا النسب من طرف القضاء بعد سن الرشد، لكون مسار القضاء طويل جدا، ولا يعقل أن نحرم الولد من جنسية أبيه بسبب التأخر في إثبات النسب إلى ما بعد بلوغ الولد سن الرشد، لأننا بذلك سنجعل الحرمان كجزاء يتحمله الابن بسبب لا بد له فيه.

 ويرى البعض الآخر أن مركز الولد يجب أن يستقر وأن لا يظل يعش في فراغ لفترة طويلة جدا، ومن ثم لا أهمية للحكم الذي سوف يصدر بعد بلوغ الولد سن الرشد القانوني، وهذا ما قضت به الفقرة الأولى من الفصل 8 من قانون الجنسية المغربي التي جاء فيها ما يلي:

 «لا يؤثر نسب أو بنود الولد على جنسيته إلا إذا ثبت هذا النسب أو البنوة قبل بلوغه سن الرشد». ومن الآثار المترتبة على توفر الشروط السابقة هو أن الولد سوف يحمل الجنسية المغربية بأثر رجعي، أي اعتباره كأنه ولد مغربيا وينتقل هذا الأثر إلى أبنائه القاصرين.

المطلب الثاني: شروط إسناد الجنسية الأصلية بناء على رابطة الدم من جهة الأم:

 الإسناد الجنسية المغربية للمولد على أساس جنسية والدته يتعين أن تتحقق الشروط التالية:

الفقرة الأولى: أن تكون الأم مغربية:

من الثابت في التشريع المغربي أن حق منح الجنسية للأبناء لا يقتصر على الأب فقط وإنما يمتد أيضا إلى الأم، إلا أن دور الأم في منح جنسيتها لأبنائها هو دور احتياطي فقط، بحيث لا يبرز هذا الدور بكيفية واضحة إلا إذا كان الزوج يحمل جنسية أجنبية أو كان مجهول الجنسية أو كان عديمها أو كان الابن نتاج علاقة غير شرعية، وقد أقر المشرع هذه الحقيقة بكيفية غير مباشرة، حيث نص الفصل 6 من قانون الجنسية على أنه: «يعتبر مغربيا الولد المولود من أب مغربي أو أم مغربية»، وهذا يعني أن جنسية الولد تتحقق أولا بالاستناد إلى جنسية الأب، فإن انعدمت هذه الجنسية أو كان الأب مجهولا، اكتسب المولود جنسية أمه، وإذا كان الأب يحمل جنسية أجنبية تحقق الجنسية المغربية للابن بالاستناد إلى جنسية أمه بالإضافة إلى جنسية أبيه الأجنبي.

الفقرة الثانية: وجود علاقة بنوة بين الأم والمولود:

 من الشروط أيضا التي يتعين توافرها حتى يستطيع الولد الحصول على الجنسية المغربية بناء على رابطة الدم من جهة الأم، أن تكون هناك علاقة بنوة بين الأم والمولود بغض النظر عما إذا كان هذا الأخير نتاج علاقة شرعية أم غير شرعية، إذ الإنسان الولد ينسب إلى أمه لأنها هي التي أنجبته، ولا أهمية لما إذا أتت به من علاقة زواج أو من علاقة غير شرعية.

 ولأن البنوة تثبت عن طريق الولادة، ولأن الولادة هي واقعة مادية، فيمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات، كالشهادة الطبية المسلمة من المستشفى الذي حصلت فيه الولادة أو شهادة المرأة التي قامت بتوليدها، كما يمكن إثبات هذه البنوة بإقرار الأم أو صدور حكم قضائي بها، الذي قد يعتمد في إثباتها على الخبرة الطبية قطعا لكل شك، إلا أنه يتعين أن يتم إثبات هذه البنوة قبل بلوغ الطفل سن الرشد القانوني طبقا للفقرة الأولى من الفصل 8 من قانون الجنسية.

وينسجم موقف المشرع المغربي هذا مع التوجهات الاجتماعية والسياسية والقانونية الرامية إلى تدعيم مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق والحريات، ومنها حق المرأة المغربية في منح جنسيتها لأبنائها، تطبيقا لما نص عليه الدستور المغربي في الفصل 19 منه، والذي كرس مبدأ المساواة بين الجنسين في العديد من الحقوق، ولا يعتبر هذا المقتضى إلا ترجمة واقعية للعديد من الاتفاقيات الدولية التي عنت بحقوق المرأة وصادق عليها المغرب، ومن بينها اتفاقية التمييز ضد جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيث تنص الفقرة «ب» من المادة التاسعة منها على أنه: «تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها».

 كما جاء هذا الموقف استجابة ودفعا للتمييز غير المقبول بين الأم المغربية وأبنائها من زوج أجنبي قبل تعديل قانون الجنسية بموجب القانون رقم 06-62، حيث كان الأبناء يعتبرون أجانب، يفرض عليهم ما يفرض على غيرهم من الأجانب من حيث ضرورة الحصول على تأشيرة الدخول إلى المغرب، ناهيك عما كانوا يشعرون به من معاملة انتقائية في حالة طلاق والدتهم وانتقالها إلى المغرب للعيش مع أولادها فيه.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!