إثبات الزواج

إثبات الزواج من أهم وأكثر القضايا المطروحة على القضاء. فعقد الزواج يعتبر أهم وثيقة إثباتية يعتمد عليها عند نشوء أي نزاع ويحتج بها في مجال إثبات الزواج أو النسب أو الإرث، مما يستلزم كتابة عقود الزواج وفق الشكل المطلوب قانونا. وطبقا لنصوص مدونة الأسرة، لا تعتبر كتابة عقد الزواج الوسيلة الوحيدة لإثباته ( المطلب الأول)، بل سمح المشرع استثناء المحكمة سماع دعوى الزوجية واعتماد سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته ( المطلب الثاني)

المطلب الأول : الإثبات بالكتابة

لكتابة عقد الزواج أهمية بالغة في حل النزاعات المتعلقة ب إثبات الزواج او عدمها، فالمشرع اشترط توثيق الزواج وأناط مهمة تحرير وثيقته بعدلين منتصبين الاشهاد حيث يخاطب القاضي المكلف بالتوثيق على الشهادات العملية بعد إتمام الإجراءات اللازمة والتأكد من خلوها من النقص وسلامتها من الخلل والإلتباس ولاتكون الوثيقة ثامة إلا إذا كانت مذيلة بخطاب قاضي التوثيق.

يتضح من هذه المقتضيات أن كتابة عقد الزواج يشترط في رسميتها أن يخاطب عليها قاضي التوثيق، بمعنى أن يكتب هذا الأخير بخط يده أسفل المحرر وذلك للإعلام بثبوته عنده وبعدالة شهوده، فوثيقة الزواج وفق الشكل الذي حدده المشرع تعد وثيقة رسمية ذات حجة قاطعة على الكافة ولا يمكن الطعن فيها إلا بالتزوير، فهذه الوثيقة أسبغ عليها القانون الصفة الرسمية لأنه بمقتضاها تقوم الزوجية قانونا بين المتعاقدين وتكون للأثار المترتبة عليها – متى تمت صحيحة- قيمتها إذا ما وجد النزاع بشأنها.

فوثيقة الزواج تعتبر – حسب مدونة الأسرة الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج غير أن هناك العديد من المواطنين لم يوثقوا عقود زواجهم وبالتالي لايتوفرون على وسيلة قانونية لإثباتها, مما دفع المشرع المغربي إلى سماع دعوى الزوجية استثناء واعتماد سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته

المطلب الثاني : الإثبات عن طريق الاستثناء

قرر المشروع الأولي لمدونة الأحوال الشخصية (لسنتي 1957-1958) الإشهاد كشرط أساسي لصحة عقد الزواج، ولكن النص الرسمي جاءت فيه فقرة تنص على أنه يجوز للقاضي بصفة استثنائية سماع دعوی الزوجية واعتمد البينة الشرعية في إثباتها”, ويفهم من المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع أن اللجنة الساهرة على التدوين آنذاك اخذت بمبدأ سد الذريعة، راعية في ذات الوقت الوضعية التي كانت قائمة بالمغرب، خصوصا بالبادية لأن أغلبية الناس كانت لا تملك عقودا مكتوبة تثبت زواجهم التي كانت تتم غالبا في جمع من الناس يحضرون وليمة الزواج، وأصبح على من يدعي الزوجية ويريد إثباتها أن يبرز حالة الاستثناء التي كانت سببا في عدم توثيق عقد الزواج أمام عدلين منتصبين للأشهاد، كما هو الشأن بالنسبة لإبرام الزواج ببلد أجنبي غير إسلامي لا يعرف إشهاد العدلين على الزواج

غير أنه من خلال قراءة عدة نماذج لأحكام وقرارات صادرة عن محاكم الموضوع وكذا بعض قرارات محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا)، يتضح أن القضاء المغربي لم يكن مستقرا على اجتهاد واضح المعالم بشأن تفسير مفهوم الاستثناء الذي كان واردا في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة”، لأن القضاء كان يفسر البيئة الشرعية بشهادة اللفيف” ياخذ بها تارة، و يرفضها تارة أخرى، طالما مفهوم البينة الشرعية كان لا ينحصر فقط في الفيف، بل كانت تقبل كل أنواع البينات في إثبات الزوجية عندما يقع إنكارها، فوقف القضاء بخصوص هذه المسألة كان يعمه التناقض وعدم الاستقرار.

وعلى غرار مدونة الأحوال الشخصية (الملغاة)، فإن سماع دعوى الزوجية وإثباتها بغير وثيقة الزواج ما زال ممكنا حيث كرسه المشرع مدونة الأسرة، بل الأكثر من ذلك فإن هذه المدونة توسعت في الأمر عن طريق الاعتماد على عدد من وسائل الإثبات الأخرى التي لم يسبق اعتمادها حيث تقضي في فقرتها الثانية من المادة 16 بأنه إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة. فالمحكمة تجري البحث عن الظروف والقرائن التي تؤكد وجود العلاقة الزوجية لأنه يتضح من المقتضيات السابقة أن المشرع فتح الباب لاعتماد جميع وسائل الإثبات في سماع دعوى الزوجية، غير أن الوسيلة الأكثر شيوعا هي شهادة الشهود التي تبقى الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها للتأكد من توفر العقد على أركانه وشروطه.

فلا مدونة الأسرة و لا نص تشريعي آخر حدد عدد الشهود الذين يجب على المحكمة الإستماع إليهم، الأمر الذي أدي من الناحية العملية إلى التضارب بين مواقف محكمة النقض من جهة، ومحاكم الموضوع من جهة ثانية في هذا المجال. فهذه المحكمة أكدت على : وجوب استجماع البيئة الشرعية لسماع دعوى الزوجية شروطها المقررة فقها ومنها توفرها على المستند الخاص لعلم شهودها المتمثل في حضورهم مجلس العقد ومعرفة الولي والصداق وأن تحول أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته والمحكمة لما قيلت بيئة استند فيها الشهود إلى المخالطة والمجاورة وشدة الإطلاع تكون قد خالفت ما هو مقرر فقها وعرضت قرارها النقض ،

 كما أن نفس المحكمة قضت بأنه: “يجب أن تتوفر الشهادة على نصابها الشرعي المتمثل في شاهدين عدلين أو من يقوم مقامهما من إثني عشر شاهدا حاضرين حفل الزفاف وعارفين الصداق والولي والمحكمة لما اعتمدت في إثبات الزوجية على مجرد تصريحات ثلاثة شهود تكون قد جعلت قرارها ناقص التعليل وهو بمثابة انعدامه وعرضته للنقض ، وفي قرار آخر ذهبت نفس المحكمة إلى ما يلي: “إن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه اعتبرت واقعة الزواج بين الطرفين ثابتة حسب شهادة الشهود الحاضرين واستفسارهم وتأكيدهم حضور حفلة الزفاف وعللت قضاءها بأن المحكمة الإبتدائية استمعت إلى شهادة الشهود بعد أدائهم اليمين القانونية فأكدوا زواج المستأنف والمستأنف عليها بصداق وولي هو والدها وأنه كان يعاشرها معاشرة الأزواج، كما أكدوا حضورهم حفل الزفاف، وان كتابة عقد الزواج هو لإثبات تحققه وليس ركنا في العقد، وأنه إن تعذر الإشهاد في حينه اعتمدت المحكمة سائر وسائل الإثبات للتأكد من تحققه ومن ذلك شهادة الشهود المزكاة باليمين،  وبذلك تكون المحكمة قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصلها في الشرع والقانون.

أما محاكم الموضوع، فإنها غالبا ما تكتفي بالإستماع لشاهدين فما فوق دون التقيد بضرورة توفر لفيف يتكون من اثني عشر شاهدا، أي أن هذا الموقف يتم بنوع : التبسيط على المواطنين والتسهيل عليهم تصحيح وضعيتهم.

غير أن مدونة الأسرة نصت على أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار، وهي تنظر في دعوى الزوجية، وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين

وأخيرا، يجب على من يريد إثبات الزواج – إن لم يكن يتوفر على وثيقة الزواج أن يرفع الدعوى إلى المحكمة المختصة حيث لم تبق شهادة اللفيف ولا التقارر يقومان مقام عقد الزواج. فالمشرع سبق له أن سمح بسماع دعوى الزوجية في غياب وثيقة الزواج لمدة نصف قرن تقريبا (من 1956 إلى 2004) ومدد نفس المسطرة عند صدور مدونة الأسرة لفترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات (ابتداء من 5 فبراير 2004 إلى 5 فبراير 2009)، ولكن هذه الفترة لم تكن كافية لتصحيح وضعية الأزواج الذين لم يوثقوا عقود زواجهم في وقتها، الأمر الذي دفع بالمشرع إلى تمديدها للمرة الثانية لخمس سنوات أخرى (2009-2014)،

غير أنه لتفادي تمديد هذا الأجل مستقبلا، فإنه أصبح من الضروري إلزام الراغبين في الزواج اتخاذ الشكل الرسمي لإبرام عقد زواجهم كما يجري به العمل في العديد من الدول، تفاديا للنزاع والتناكر ويجب أن ينص المشرع صراحة على معاقبة كل من أثبت زواجه بوسيلة أخرى غير رسم الزواج على غرار ما گرسته بعض القوانين العربية التي لا تقبل حاليا إثبات الزواج إلا بحجة رسمية، أو على منوال بعض التشريعات التي تعاقب كل من عقد زواجه خارج المحكمة، فتزويج القاصرات لا يتحكم فيه القانون في جميع الحالات خاصة في البادية بل يبقى مرتبطة بثقافة متجذرة يتعين استقصاء أسبابها (عرف متوارث عبر الأجيال، الهشاشة الإقتصادية، الجيل بمضمون القوانين…)، ولكن ذلك لايمنع من حل هذه المسألة عن طريق تدخل السلطات المعنية خلال هذه الفترة الإنتقالية الثانية لتوعية المواطنين بكل الوسائل المتاحة لها، كالقيام بحملات تحسيسية بأهمية توثيق الزواج كما هو الشأن عندما يتعلق الأمر بالإنتخابات التشريعية والجماعية حيث تسخر جميع الآليات لإخبار المواطنين.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!