وسائل إثبات الخطا الجسيم

وسائل إثبات الخطا الجسيم

وسائل إثبات الخطا الجسيم

لما كان الخطأ الجسيم عبارة عن واقعة مادية، فيمكن للمشغل إثبات الخطا الجسيم بكافة وسائل الإتبات التي تعرفها القواعد العامة ( أولا).

هذا وما يرتبط ارتباطا وثيقا بوسائل إثبات الخطا الجسيم ، ما يتعلق بحجية الحكم بالبراءة أمام القاضي الاجتماعي (ثانيا).

أولا : تطبيق القواعد العامة في الإثبات

إن المشغل الذي يعتزم فصل أحد أجائه بسبب ارتكابه خطأ جسيما، ملزم بإثبات هذا الخطأ أمام القضاء، وما دام الخطأ الجسيم الذي يستند إليه عبارة عن واقعة مادية، فله أن يتبته بكافة وسائل الإتبات جاء في قرار المجلس الأعلى في هذا الصدد :

” لكن حيث إن ما ذكرته الشركة المطلوبة في النقض من أن الطاعن ارتكب خطأ الزيادة في الأثمان على الزبناء، وأنه غادر العمل، أثبتته للمحكمة بشهود… ، وبذلك يكون ما ورد في القرار المطعون فيه من أن الشهادة المذكورة واضحة، لا لبس فيها أو تناقض، هو تعليل صحيح يطابق ماثبت لدى المحكمة …ولذلك يحق للمحكمة أن تعتبره خطأ جسيما … و لا يحتاج إتبات مثل هذا الخطأ إلى صدور حكم بإدانة مرتكبه، لأن الخطأ المدني هو واقعة مادية يمكن إتباتها بجميع الوسائل …”

وبخصوص اعتماد الإقرار کوسيلة إثبات الخطا الجسيم ، فقد جاء في قرار صادر عن نفس المحكمة:

“… وحيت تعيب الطالبة على القرار المطعون فيه انعدام التعليل، ذلك أن محكمة الاستئناف استعدت الدفع بالمغادرة التلقائية رغم اعتراف المطلوب بها، فقد جاء في محضر البحت ما يلي: (… و استرسل المدعي قائلا بأنه فعلا غادر العمل … )، وإنه أمام هذا الإعتراف الصريح، وهذا الإقرار، كان على المحكمة أن تطبق الأثار القانونية الناجمة عن المبادرة التلقائية… مما يعرض القرار المطعون فيه للنقض “

هذا وإن هنالك تساؤلا يتور حول صحة شهادة الأجراء الذين لا زالوا في علاقة تبعية مع المشغل ؟

إذا رجعنا إلى القرارات التي ما فتئت تصدر عن القضاء المغربي في هذا الشأن، لوجدنا أن هذا الأخير يعتد بهذه الشهادة، مؤكدا أنه لا يوجد نص قانوني يمنع من ذلك, جاء في قرار المحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء:

” وحيث إنه بالرجوع للوثائق الملف و البحت المجري ابتدائيا يتبين أن المستأنف عليها قد أقامت الحجة علي دفعها بمغادرة المستأنف لعمله، بمحض إرادته، وذلك بواسطة الشاهد صالح أبو صلاح بعد أدائه اليمين القانونية، والذي لم تكن تصريحاته محل طعن مقبول من طرف المستأنف، وأن ما دفع به هذا الأخير من تبعية الشاهد للمشغلة لا ترقی إلى درجة الأسباب المسيرة للتجريح، ذلك لأن تبعية الشاهدة للشركة المشغلة، باعتبار علاقة الشغل التى تربطها بها، لا يعتبر مبررا لاستبعاد شهادته، ما دام أنه يؤدي اليمين القانونية، وهذا ما جرى عليه الاجتهاد القضائي .. *

بل إن القضاء المغربي قد أكد أنه لا مانع يمنع من الاعتماد على شهادة أجير واحد، شريطة أن تكون شهادته واضحة لا يعتريها أي غموض

ويبقى أن حق المشغل في إثبات الخطأ الجسيم بكافة وسائل الإثبات، مفيد بأن تكون هذه الوسائل مشروعة، وبذلك يخرج من دائرة وسائل إثبات الخطا الجسيم أعمال التجسس واستعمال أجهزة التنصت أو لتسجيل المكالمات و تتبع خطوات الأجير

ثانيا : حجية الحكم بالبراءة أمام القاضي الاجتماعی

إن مما يرتبط ارتباطا وتيقا بوسائل إثبات الخطا الجسيم ، ما يتعلق بحجية الحكم الجنائي أمام القاضي الإجتماعي

فالاجير قد يقترف خطأ جسيما، وقد يتخذ هذا الخطأ صورة جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، فيبادر المشغل إلى إشعاره بأنه لم يعد مرغوبا فيه، بتسليمه بقرار الفصل طبقا للمادة 63 م.ش، وفي الوقت ذاته، قد يتابع من طرف النيابة العامة أمام القضاء الزجري

والذي يحدث في الغالب، أن الأجير يتقدم بدعوى أمام القاضي الاجتماعي، يدعي أنه تعرض للفصل ظلما وعدوانا، ويطلب فيها من هذا القضاء أن يحكم له بآثار الفصل التعسفي

إن القاضي الإجتماعي لزم في هذه الحالة بإيقاف النظر في الدعوى الاجتماعية المرفوعة أمامه، إلى حين صدور حكم عن القاضي الجنائي بخصوص الجريمة المنسوبة إلى الأجير، و التي تعرض للفصل بسببها، و عمل القاضي على هذا النحو ما هو إلا تطبيق لمبدا ” الجنائي يعقل المدنی “

وبديهي أن الحكم الصادر عن القضاء الزجري في هذه الحالة لن يخرج عن حالتين، فإما أن يدين الأجير عما نسب إليه وإما أن يبرئه لعدم ثبوت الوقائع التي نسبت إليه، أو لأجل الشك الذي يجب أن يفسر دائما لصالح المتهم في مجال القانون الجنائي، وإما لأسباب أخرى غيرها

ففي حالة صدور حكم بالإدانة في حق الأجي ، فإن هذا الحكم يقيد القاضي الاجتماعي الذي لا يمكن له أن يقضي بعدم شرعية الفصل، ما دام أن الأجير قد طرد لنفس السبب الذي أدين من أجله، لكن شريطة أن يكون الحكم الصادر في حق الأجير في هذه الحالة نهائيا، وسالبا للحرية وصادر بشأن جنحة ماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة طبقا للمادة 39 م.ش كما أسلفت

لكن، لو صدر حكم براءة الأجير من الأفعال المنسوبة إليه، والتي تعرض للفصل بسببها، ما هي الحجة التي يكتسبها هذا الحكم أمام القاضي الاجتماعي ؟

لم يتعرض المشرع المغربي للحل الواجب التطبيق في هذه الحالة، لكن لو تصلحنا القرارات العديدة الصادرة عن القضاء المغربي في هذا الموضوع الشائك، لوجدنا أنه لم يستقر على حال معين.

ففي أول الأمر، عرضت المسألة على أنظار الغرفة الإجتماعية بمحكمة النقض، فقررت هذه الأخير مايلي:

“… وإن الحكم المطعون فيه قد صادف الصواب حين اعتمد حكم البراءة المذكور, عملا بالقاعدة القائبة بأن الحكم الجنائي يقيد القاضي المدني”

فمن خل هذا القرار، تبين أن الحكم الصادر من القاضي الجنائي، والقاضي بعدم مؤاخدة الأجير  من أجل التهمة المنسوبة إليه والتي كانت سببا في فصله عن العمل، يقيد القاضي الاجتماعي، الذي لا يمكن له أن يتجاهله يأي وجه من الوجوه، ويقرر تبعا لذلك تبوت الخطا الجسيم في حق الأجير

غير أن القضاء المغربي، سرعان ما تراجع عن موقفه هذا إلى موقف آخر، معتبرا أن الحكم الجنحي التي يقضي ببراءة الأجير من جريمة نسبت إليه، يبقى مجرد حجة كتابية، للقاضي الإجتماعي أن يستخلص من مضمونها، وتبعا لسلطته التقديرية في تقييم الحجج، ما تطمئن إليه نفسه من وجود خطأ جسيم أو عدم وجوده، وليس له أن يتقيد بالحكم بالبراءة الصادر عن القاضي الجنائي.

وربما انتبه القضاء المغربي قساوة الموقف الذي سلكه في هذا الصدد، حيت عاد من جديد إلى موقفه السابق، وقضى في هذا الصدد بما يلي : ” لكن حيث إن حجية الأحكام الصادرة في الميدان الجنائي تعد من النظام العام، وإن واقعة المطلوب في خيانة الأمانة لم يعد في الإمكان مناقشتها بعد أن لم تثبت في حق المطلوب بمقتضی حکم جنحي”

غير أن هذا القضاء سرعان ما تراجع عن هذا الموقف، ليقرر من جديد أن الحكم بالبراءة لا يفيد القاضي الاجتماعي، فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى في هذا الصدد : ” إن محكمة الاستئناف استخلصت في نطاق سلطتها التقديرية أن الفصل المستند على السرقة المنسوبة للمدعي، والتي لم تثبت في حقه يكتسي صبغة تعسفية، فكان حكمها معللا تعليلا كافيا وصحيحا …”

وتوالت القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى في هذا الصدد، وكلها تعكس في حقيقة الأمر ، الموقف المضطرب الذي عرفه القضاء المغربي بالنسبة لهذا الموضوع، وإن كان يلاحظ أن هذا القضاء أصبح يميل في الأونة الأخيرة إلى الموقف الذي تبناه في البداية، و القاضی باعتبار حجية الحكم الجنائي أمام القضاء الاجتماعي هي من صميم النظام العام، يجب أن يتقيد بها القاضي الاجتماعي، جاء في قرار للمجلس الأعلى في هذا الصدد :

“إن المحكمة لما بت القضاء الزجري في النازلة، وأعطى رأيه فيها، وأصبح نهائيا، لم تكن بحاجة لإجراء بحت في نفس النازلة، وبذلك لم تخرق معه الفصل 754 ق ل ع “

وجاء في قرار تان صادر عن نفس المحكمة :

” وحيث ثبت صحة ماعابته الرسالة على القرار، ذلك أن حجية الأحكام الصادرة في الميدان الجنائي تعد من النظام العام، والوقائع التي يثبتها الحكم الجنائي أو ينفيها، لا يمكن مناقشتها من جديد أمام القاضي الاجتماعي، والطاعن أدلى بحكم جنحي و أصبح نهائيا، قضى ببراءته لعدم ثبوت السرقة في حقه، وهي التي فصل من أجلها، ولذلك لا يمكن لقضاة الموضوع المعروضة عليهم دعوى الطرد مناقشة فعل السرقة أو إجراء بحث حوله، ومن ثم فإن المحكمة لما أمرت بإجراء بحت في النازلة رغم صدور حكم بالبراءة، تكون قد عرضت قرارها للنقض “

والحقيقة أن القرارات المتناقضة و الصادرة عن المجلس الأعلى بخصوص هذا الموضوع الشان، تعكس إلى حد كبير عدم استقراره على حال معين، وكم أخشى أن يحط مثل هذا التناقض من قيمة القرارات الصادرة عن هذه المحكمة

وفي رأيي المتواضع، كان على القضاء المغربي أن يميز في هذا الصدد بين الحالة التي تكون فيها الأفعال المتابع من أجلها الأجير، هي نفسها المعروضة على أنظار القاضي الاجتماعي، حيت آنذاك يتقيد هذا الأخير بما سبق و انتهى إليه نظيره الجنائي، والحالة التي تكون فيها الوقائع التي يستند إليها المشغل لطرد الأجير لم تنظر أمام القضاء الزجري، حيث لا يتقيد القاضي الإجتماعي بما سبق وقرره القاضي الجنائي

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!