إثبات الخطأ

رابطة السببية في إثبات الخطأ

رابطة السببية في إثبات الخطأ

عبء إثبات الخطأ يقع على المضرور والقرائن القضائية تكون سبيله عادة إلى التماس الدليل، ويسوغ لمن ادعي عليه بإحداث الضرر إثبات وجود السبب الأجنبي .

فإذا أقام المضرور الدليل على المسؤولية، إثبات الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما فلمن أحدث الضرر عندئذ أن يسقط الدليل على علاقة السببية بإثبات السبب الأجنبي ، وكما هو الشان في السبب الأجنبي فإن هناك حالات ترتفع المسؤولية بها بسبب انتفاء الخطأ – كحالة الدفاع الشرعي – وحالة صدور أمر من رئيس – وحالة الضرورة.

المبحث الأول : السبب الأجنبي

لم ترد في الفقرة الأولى من المادة 1384 من القانون المدني الفرنسي أية إشارة إلى فكرة السبب الأجنبي وكذلك المادة 187 مدني مصري وإن ذكرت إمكان دفع المسؤولية بإثبات السبب الأجنبي إلا أنها لم تحدد المقصود به بالرغم من أن المشرع المصري أفرد للسبب الأجنبي نصا خاصا هو المادة 165 مدني مصري والتي تنص على أنه «إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا بد له فيه كحادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملتزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك».

فإذا اتفق على أن السبب الأجنبي يشمل الحادث الفجائي و القوة القاهرة وخطأ المتضرر، فقد اختلف على خطا الغير – والقانون المصري الحالي قد قطع هذا الخلاف بأن أعتبر خطأ الغير سببا أجنبية وكذلك خطأ المصاب نفسه ولم يذكر شيئا عن فعلهما الذي لا خطأ فيه، غير أنه يلاحظ أن الأسباب الأجنبية التي ذكرتها المواد 165 – 166 -167 قد وردت فيها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر وأن السبب الأجنبي عن المدعى عليه هو كل فعل أو حادث لا ينسب إليه ويكون قد جعل منع وقوع العمل الضار مستحيلا.

ولا يكفي مجرد وجود أسباب تؤدي الى الضرر وإنما يجب أن يتحقق بأن أحد هذه الأسباب كان منتجا للضرر ، فإذا استحال على المسؤول التصرف بصورة تمكنه من دفع الضرر بسبب كون الحادث مما لا يمكن مقاومته أو لا يمكن التغلب عليه فإن هذه الاستحالة تقاس بمعيار موضوعي لا شخصي ياخذ بعين الاعتبار قدرة المتوسط من الناس”.

ويتجه المتضرر تلقائيا الى الشخص المسؤول مطالبة بحقه إلا أن هذا الأخير لكي يدافع عن نفسه ويبرر موقفه، يرد بأن الخسارة ناتجة أساسا عن سبب لا صلة له به ، وانطلاقا من هذه المعطيات أثبتت التجربة أنه غالبا ما تجري مناقشة وجود رابطة سببية … من هنا، فإن المدعي عند إبرازه وتبيانه للخطأ لا يتطرق إلى غياب وانعدام السبب الأجنبي و غالبا ما يحرص على القول : إن الخسارة نتجت أو تولدت عن أسباب متعددة .

وهكذا ترى أن الفائدة والاهتمام الناتجين عن دراسة ظاهرة السبب الأجنبي تنطلق من حالتين : الأولى : وجود قرائن المسؤولية والثانية : تعدد أسباب الخسارة ، ومن الأهمية بمكان إيضاح الحالة الأولى . وغالبا ما يتركز الاهتمام في الدعوى على موضوع رابطة السببية، فالوجود المحسوس لقرائن المسؤولية يقود الضحية غالبا إلى التوجه نحو أشخاص لا صلة لهم إطلاقا بالخسارة، ويستبعد طلب الادعاء أحيانا استنادا إلى غياب رابطة العيبية .

فهل يمكن اعتبار قرائن المسوؤلية قرائن سيبية ؟ قبل أن تتناول الدراسة التفصيلية للعنصر الثالث للمسؤولية المدنية من الضروري إيضاح الدور الدقيق الذي تلعبه القرائن في هذا الميدان . هل تعفي المدعي (الضحية) من إثبات العلاقة بين العلة والمعلول بين السبب والنتائج، وهل تنشئ قرائن سببية ؟ عندما يقع على كاهل المدني عبء إثبات الخطأعليه أن يوضح في الوقت نفسه طبيعة العلاقة بين العلة والمعلول، ومع ذلك فإن هذا الأمر يقودنا إلى الاستنتاج بأن إثبات الخطأ لا يشكل قرينة أو فرضية سببية .

فالسؤال الذي يفرض نفسه هو هل تتوقف مهمة المدعي على إيراد البرهان فقط ثم ينتهي دوره ؟ أليس من صميم واجباته إيجاد و إبراز رابطة سببية، تكون رابطة السببية الحقيقية التي تشكل شرطا عاما للمسؤولية المدنية والتي تعيد أسباب الخسارة للمدعى عليه، وهنا لا تفوتنا الإشارة إلى أن الاهتمام العملي بهذه المسألة يبقى واسعة ومتشعبة، استنادا الى أن العدد الكبير من الخسائر والأضرار تظل أسبابها الحقيقية والدقيقة مجهولة، ولا نغالي إذا قلنا أن القانون يجبر المدعى عليه على إثبات السبب الأجنبي مما يقودنا إلى الاستنتاج بأن عبء إثبات وجود رابطة السببية ومفاعيلها أصبح معكوسا فقرينة المسؤولية هي قرينة السببية وذلك في إطار المادتين 1384 – 1385 مدني – فرنسي

فلا يكفي اعتبار أن الحادث الذي يتمسك به المدعى عليه سببا أجنبية جعل التزامه مستحيلا، بل لا بد أيضا أن يكون خارجا عن إرادته، ولا يمكن إسناده إليه بأي حال… فالحادث لا يعتبر أجنبية عن المدعى عليه، بل يسند إليه متى كان راجعا الى فعله شخصيا أو فعل الأشياء أو الأشخاص الذين يسأل عنهم أو كان في وسعه توقعه وتلافيه وقصر في ذلك

ويرى البعض أن رابطة الإسناد لا تكون إلا رابطة مادية بحتة لأن المقصود بإثبات السبب الأجنبي هو نفي المسؤولية وذلك بهدم القرينة التي تسند الى الحارس، وذلك بإسنادها إلى السبب الحقيقي .

المبحث الثاني : القوة القاهرة والحادث الفجائي

لا يتضمن القانون الفرنسي نصا خاصا يشير الى القوة القاهرة والحادث المفاجئ لرفع المسؤولية التقصيرية – لأنه عند وضعه كان يبني هذه المسؤولية على أساس الخطأ الذي ينتفي بقيام القوة القاهرة والحادث المفاجئ ، إلا أن الاجتهاد وعندما أخذ بفكرة التوسع في تفسير المادة 1384 متخطيا حرفية النص ومفترضا المسؤولية قائمة على قرينة قانونية بحق حارس الشيء حصر هدم هذه القرينة بإثبات السبب الأجنبي الناشئ عن القوة القاهرة والحادث المفاجئ أو خطأ المصاب، لا بإقامة الدليل الإثبات عكس القرينة المشار إليها أي بنفي الخطا، فبرزت عندئذ نظرية القوة القاهرة والحادث المفاجئ

وبالرغم من المحاولات التي بذلت للتمييز بين القوة القاهرة و الحادث الفجائي فقد نصت المادة 165 مدني مصري على التعبيرين معا هذا بالإضافة إلى أن المادة 165 لم تأت بتعريف للقوة القاهرة أو الحادث المفاجئ وإنما أشارت إليهما كسبب أجنبي يعفي من المسؤولية.

فالقوة القاهرة “الحدث الذي ليس بالإمكان عادة توقعه، أو ترقبه ولا بالمستطاع دفعه أو تلافيه والذي يحصل من غير أن يكون للحارس يد فيه أو للشيء دخل به فيكون بمصدره خارجا عن هذا أو ذاك والقوة القاهرة والحادث الفجائي هما حدثان خارجیان ليس بالإمكان توقعهما ولا دفعهما ويودیان مباشرة إلى حصول الضرر إذا هما تعبيران المعنى واحد ومترادفان وان كان البعض يرى في القوة القاهرة الحادث الذي لا يستطاع إطلاقا دفعه ولا يمكن توقعه أما الحادث الفجائي فينظر إليه على أنه أمر داخلي كامن في الشيء .

ويقصد بالحادث الطارئ أو المفاجئ ذلك الذي يتأتي من ضرر يظل سببه مجهولا ويهمنا هنا أن نميز بين القوة القاهرة والحادث المفاجئ فهذا الأخير يشبه القوة القاهرة بكونه غير مرتقب ولا يمكن تفادي وقوعه ولكنه يتميز عنها بأنه ليس غريبا عن نشاط الإدارة أو السلطة العامة المدعى عليها، وبالتالي فإنه بخلاف ما هو عليه وضع القوة القاهرة ليس سببا خارجية بالمعنى الصحيح والكامل لهذه العبارة.

المبحث الثالث : فعل المتضرر

قد يشترك المصاب في الحادث، وقد يكون طرفا فيه، فهناك حوادث تشترط بالضرورة فعلا منه واشتراكا، مهما كان قدر هذا الاشتراك .

فإذا أثبت المدعى عليه في دعوى المسؤولية أن المصاب قد تسبب بخطئه في حدوث الضرر الذي أصابه، يشترط في ذلك أن يثبت المدعى عليه توافر مقومات الخطأ في فعل المضرور (المدعي) بصفة واضحة وأكيدة .

هذا، ومن حق المدعى عليه توقع سلوك المصاب السليم الذي لا خطا فيه وليس عليه توقع العكس – ففعل المصاب يلعب دورا هاما في نظرية السبب الأجنبي و هو الغالب في الحوادث، وإثباته أسهل من إثبات باقي صور السبب الأجنبي أي القوة القاهرة والحادث الفجائي وفعل الغير وإن إيراد خطأ المتضرر يوحي لنا بأنهما متساويان في الخصانص طالما أن لهما نفس الأثر أي الإعفاء من المسؤولية

ويكشف الواقع ألوانا من تصرفات تصدر عن المتضرر، منها ما يظهر بسلوك غير مألوف، أو بخروج على قواعد مفروضة نظاما أو موضوعة تعارفا، أو بمخالفة قانون أو بإهمال وتسرع في غير موضعه أو بقبول المخاطر مع العلم مسبقا بنتائجها المحتملة

وهذه التصرفات بألوانها ووقائعها تستوجب معيارا تقدر في ضوئه تمييزا به بين السلوك الخاطئ والتصرف السوي الذي لا يسري عليه تعريف الخطأ، وهذا المعيار لا يكون متقلبة أو متنوعة تبعا لكل شخص والناس لا يتماثلون في ظروفهم الخاصة ومؤهلاتهم وطريقة حكمهم على الأمور وبالتالي لا يكون من محل للتوسل بالمقياس الشخصي حتى لا تتباين نتائج التقدير في الأوضاع الواقعية والمشابهة فكون المعيار الموضوعي هو الذي يجب اعتماده و إذا كان للخطأ درجات متفاوتة وضعة وأثرا ومظهرا، فلا يعني هذا التصنيف أنه يعتد بالجسيم منه دون اليسير أو المحدود . فالعبرة في ما يساهم به الخطأ في إنتاج الضرر

ويعتبر المضرور مخطئا إذا كان قد قصر فيما يجب عليه من الحيطة والتبصر، إذا لم يبذل كل ما في وسعه لتلافي حصول الضرر بعد أن شعر بقرب وقوعه أو قصد أن يصيبه ضرر من فعل غيره، أو عرض نفسه للخطر وعلى المدعى عليه إثبات خطأ المضرور ولا إمكانية لوجود قرينة قضائية على هذا الخطأ، ولا يكفي بالتالي دليلا على وجود الخطا مجرد تصور أو استنتاج ينبعث عن احتمال

والأصل أن خطأ المضرور لا يرفع مسؤولية المسؤول وإنما يخفضها إن كان ثمة خطأ – مشترك بمعناه الصحيح، ولا يعفی المسؤول استثناء من هذا الأصل، إلا إذا تبين من ظروف الحادث أن خطأ المضرور هو العامل الأول في إحداث الضرر الذي أصابه وأنه بلغ من الجسامة درجة بحيث يستغرق خطأ المسؤول, ويفوق خطأ المضرور خطأ المدعى عليه كذلك إذا كان قد رضي بما وقع عليه من ضرر، ورضاء المضرور بالضرر هو منزلة وسطي بين إرادته بإلحاق الضرر بنفسه ومجرد علمه بالضرر.

المبحث الرابع : فعل الغير

الأصل أن الإنسان مؤاخذ بعمله الشخصي لا بعمل غيره ما لم ينص القانون على خلاف ذلك . ومع ذلك فقد يمكن أن يكون ما حدث من ضرر للمدعي قد تسبب فيه أحد غير المدعى عليه وفي هذه الحالة إذا أثبت أن فعل الغير هو السبب الوحيد في إحداث الضرر وليس هناك قرينة على خطأ في جانب المدعى عليه، فإنه يتعين إعفاؤه من أية مسؤولية، لأن الغير هو المسؤول عن فعله إذا كان خاطئا

فإذا أثبت المدعى عليه أن الضرر الذي لحق المصاب راجع إلى خطأ شخص أجنبي عنه، فإنه يكون قد أثبت السبب الأجنبي بركنيه، ركن السببية بين خطأ الشخص الأجنبي و الضرر ورکن انتفاء التوقع، لأنه ليس على المرء أن يتوقع أخطاء غيره

 فإذا كانت السببية بين الضرر وخطئه هو غير ثابتة على وجه التحقيق اعتبر خطأ الغير هو السبب الوحيد في حدوث الضرر، ولأنه سبب أجنبي عن المدعى عليه تنتفي به مسؤولية هذا الأخير، ويصبح للمصاب أن يطالب ذلك الغير، أما إذا كانت تلك السببية ثابتة على وجه التحقيق فقد ثبت أن للضرر سببين وأصبح كل من المدعى عليه والغير إذا أدخل في الدعوى مسؤولا عن تعويض الضرر وكانا مسؤولين قبل المصاب بالتضامن .

وما اشترط في فعل المضرور، يشترط أيضا في فعل الغير، أي أن يكون فعل الغير خطأ له شأن في إحداث الضرر فإن لم يكن فعل الغير خطأ فليس له أثره في مسؤولية المدعى عليه وكان هذا وحده هو المسؤول مسؤولية كاملة، فلا بد أن يكون فعل الغير خطا أي انحراف عن السلوك المألوف للرجل المعتاد ولا بد أيضا من أن يكون خطأ الغير له شأن في إحداث الضرر، وإلا ما جاز للمدعى عليه أن يحتج به إذ لا علاقة له بالضرر.

وقد اتفق على أن السبب الأجنبي يشمل الحادث الفجائي، والقوة القاهرة، وفعل المضرور، أما فعل الغير فقد اختلف فيه، وأن التقنين المصري الحالي قد قطع هذا الخلاف بأن اعتبر خطأ الغير سببا أجنبيا وكذلك خطأ المصاب نفسه ولم يذكر شيئا عن فعلهما الذي لا خطأ فيه. وبصورة عامة فإنه لا يسعنا إلا التأكيد على اعتبار فعل الغير سبيا أجنبيا قابلا لإعفاء الحارس من المسؤولية التي تقع عليه بالإضافة إلى أن كثيرا من القوانين الأجنبية قد نصت صراحة على اعتبار فعل الغير سببا أجنبيا معفية من المسؤولية .

والتعبير المقصود بالغير” إنما ينصرف إلى كل ما عدا المضرور والمدعى عليه، مع ما تجب الإشارة إليه في هذا السياق من أن الأشخاص الذين يسأل عنهم المدعى عليه مدنيا لا يعتبرون من الغير، وهذا ما رجحه غالبية الفقهاء . وحتي يتصف الفعل بفعل الغير يجب أن يثبت أن الفعل قد صدر عن شخص محدد، إذ أن الفعل لا يختلط مع عامل القوة القاهرة إنما ليس من الضرورة أن يكون الشخص الثالث قد عين بهويته أو أدخل في الدعوى التي جمعت المتضرر والمدعى عليه،

لذلك يشترط تعيين الغير فإذا عجز المدعى عليه من تعيين شخص الغير لم يعد بوسعه أن يدفع مسؤوليته بخطأ ذلك الغير – المجهول – إلا إذا أضاف إلى إثباته أن هذا الخطأ كان غير متوقع حصوله ولا ممكن تلافيه، أما في الحالة الثانية حيث يكون فعل الغير لا خطأ فيه فلا يكفي الاستناد عليه لدفع المسؤولية، إلا إذا توفرت فيه صفات السبب الأجنبي

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!