حماية مشتري السيارة من خلال إبطال عقد البيع

حماية مشتري السيارة من خلال إبطال عقد بيع سيارة

حماية مشتري السيارة من خلال إبطال عقد البيع

تتعدد النصوص القانونية الواردة في ق ل ع التي يمكن التأسيس عليها لإرساء حماية مشتري السيارة غير أننا سنقتصر على ذكر أبرز مظاهر هذه الحماية و المتجلية أساسا في إبطال عقد بيع سيارة عند تحقق أحد الأسباب القانونية الموجبة للإبطال

حماية مشتري السيارة من خلال قابلية عقد بيع السيارة للإبطال

مثلها مثل باقي أنواع العقود و الالتزامات يشترط لصحة التراضي في عقود بيع السيارات إلى جانب الأهلية خلو إرادة المتعاقدين من عيوب الرضا، باعتبار هذه العيوب تؤثر على صحة العقد وتجعله قابلا للإبطال طبقا لمقتضيات ق ل ع

و يمكن للمشتري أن يستند في دعواه المرفوعة ضد البائع على أي عيب من عيوب الرضا المحددة في القانون، و الذي حال دون تعاقده مع البائع بإرادة سليمة وصادرة عن بينة و اختيار واع, و سلامة الإرادة معناها خلوها من العيوب التي قد تؤثر على التصرف القانوني، الذي من شأنه أن يرتب الآثار والنتائج القانونية المقصودة بها.

وقد عدد ق ل ع المغربي العيوب التي تشوب الرضا وتجعل عقد البيع قابلا للإبطال في الفصول من 39 إلى 56 منه

أولا : إبطال عقد بيع سيارة بسبب الغلط

الغلط عبارة عن وهم يتولد في ذهن الشخص المتعاقد من تلقاء نفسه فيجعله يتصور الشيء محل العقد على غير حقيقته، فإما يرى فيه شيئا غير موجود في الواقع، أو يعتقد أنه خالي من صفة معينة وهي في الحقيقة متوافرة فيه، بحيث لو علم هذه الحقيقة لمتنع عن التعاقد.

واعتد المشرع المغربي بثلاث حالات للغلط حددها على سبيل الحصر في الفصول 40-41-42-45 من ق ل ع، وهي :

– حالة الغلط في القانون بشرط أن يكون هذا الغلط هو السبب الوحيد أو الأساسي التعاقد و أن يكون الغلط مما يمكن العذر عنه، و أضاف بعض الفقه شرط أن لا يوجد ثمة نص قانوني يمنع الطعن بسبب الغلط في القانون في حالة معينة

– حالة الغلط في جنس ومادة الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى، ومثاله إقدام شخص على شراء سيارة يعتقد أن محركها من نوع “ديزيل”۔ diesel ليتفاجأ بعد شرائها أنها تعمل بمحرك “بنزين” – essence

– حالة الغلط في شخص المتعاقد أو صفته، ومثاله شخص لم يقتنع بقرار محكمة الاستئناف فقرر الطعن فيه بالنقض، ثم تعاقد مع محامي ليتفاجأ بكون هذا الأخير غير مقبول للترافع أمام محكمة النقض .

– حالة الغلط في شخص الوسيط، و يتحقق هذا النوع من الغلط في حالة ما إذا قام الرسول أو الوسيط بنقل إرادة شخص لآخر بوجه غير صحيح.

أما مجرد غلطات الحساب فلا تكون سببا للفسخ وإنما يجب تصحيحها، كما يتعين على القضاة، عند تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلق بالقانون أم بالواقع، أن يراعوا ظروف الحال، وسن الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا

ثانيا : إبطال عقد بيع سيارة بسبب الإكراه

عرف الفصل 46 من ق ل ع الإكراه بكونه إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه.

فالإكراه عيب يصيب الإرادة في أهم عنصر من عناصرها وهو عنصر الحرية و الاختيار، إذ أن المكره لا يرغب في التعاقد و إنما الرهبة التي ولدها الإكراه في نفسيته هي التي أجبرته على التعاقد لكي يتفادى نتائج التهديد الذي يقع عليها

غير أن المشرع المغربي حدد في الفصل 47 و 48 من ق ل ع مجموعة من الشروط التي تخول حق المطالبة بإبطال العقد بسبب عيب الإكراه، وهذه الشروط هي:

1- استعمال وسيلة للضغط على شخص

وتعني ممارسة الضغط على نفسية المكره إما بالإكراه الجسماني كالضرب و التعذيب، أو بالإكراه المعنوي كالتهديد بإفشاء أسراره لغيره، أو بخطف ابنه أو تلويث سمعته لإجباره على التعاقد مع الإشارة إلى أن الاحترام أو النفوذ الأدبي طبقا ل ق ع ل لا يشكل في حد ذاته إكراها ، كنفوذ الأب على ابنه و الرئيس على مرؤوسه،

فهذا النفوذ لا يشكل بحد ذاته إكراها نفسيا ولا يبرر بالتالي إبطال العقد، فلو أن زيد طلب مثلا من ابنه عمرو أن يتنازل له هذا الأخير عن سيارة يملكها وانصاع عمرو لطلب أبيه، فلا يستطيع عمرو فيما بعد الطعن في هذا التنازل و المطالبة بإبطاله للإكراه، تأسيسا على أنه إنما تنازل عن سيارته تحت تأثير الخوف الناشئ عن احترامه لأبيه زید

2- كون هذه الوسيلة هي التي بعثت رهبة في نفس المتعاقد  

أما إذا تدخلت عوامل أخرى غير الرهبة لإجبار الشخص على التعاقد، فلا يعض العقد للإبطال، وتقدير جسامة الخطر و الضغط من المسائل الواقعية التي يعود تقديرها لقاضي الموضوع. و كون هذه الرهبة هي التي دفعته إلى التعاقد.

3- ممارسة الإكراه لتحقيق غرض غير مشروع

سواء تم الإكراه بطريقة غير مشروعة لتحقيق غرض غير مشروع كتهديد شخص بخطف ابنه من أجل إرغامه على التنازل له عن سيارته، أو باستعمال وسيلة مشروعة للحصول على غرض غير مشروع، كتهديد تاجر سيارات لتاجر آخر يبيع سيارات مسروقة بالتبليغ عنه للسلطات المختصة إذا لم يدفع له مبلغا طائلا بدون وجه حق.

وقد نص ق ل ع على هذه الوضعية في الفصل 48 منه حيث جاء فيه: ” الخوف الناتج عن التهديد بالمطالبة القضائية أو عن الإجراءات القانونية الأخرى لا يخول الإبطال، إلا إذا استغلت حالة المتعاقد المهدد بحيث تنتزع منه فوائد مفرطة أو غير مستحقة وذلك ما لم يكن التهديد مصحوبا بوقائع تكون الإكراه بالمعنى الذي يقتضيه الفصل السابق”.

ثالثا: إبطال عقد بيع سيارة بسبب التدليس

إبطال عقد بيع سيارة بسبب التدليس و يقصد بالتدليس في القانون المدني استعمال الخدع و الحيل لتمويه و تضليل الطرف الآخر عن الحقيقة بهدف دفعه إلى التعاقد، ويختلف التدليس عن الغلط في كونه يكون مدبرا ونتيجة سلوك شخص آخر وبواسطة وسائل احتيالية، في حين أن الغلط يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه

 كما يعتبر التدليس عملا ماديا يسهل إثباته مقارنة بصعوبة إثبات الغلط لارتباطه بنفسية المتعاقد ونيته، ومن أوجه الاختلاف كذلك بين التدليس و الغلط كون هذا الأخير يترتب عنه في حال ثبوته إبطال العقد فقط، أما التدليس فيترتب عنه بالإضافة إلى الإبطال إمكانية المطالبة بالتعويض.

و بالرجوع إلى الفصلين 52 و53 من ق ل ع، يستشف أن شروط تحقق التدليس الذي يخول الإبطال ثلاثة و هي:

1- استعمال المدلس وسائل احتيالية قصد تضليل المدلس عليه.

 2- كون هذه الوسائل الاحتيالية هي التي دفعت المدلس عليه إلى التعاقد.

3- صدور الوسائل الاحتيالية عن المتعاقد الأخر أو كون هذا المتعاقد على علم بها

وقد جاء في الفصل 231 من ق ل ع أن “كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية و هو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته”.

مما يكون معه بائع السيارة ملزم بتنفيذ التزاماته كلها بحسن نية، تحت طائلة إمكانية إبطال عقد البيع في حالة ثبوت أي تدليس من طرفه في مواجهة المشتري، غير أن الأصل دائما في الشخص هو حسن النية و على من يدعي خلاف ذلك أن يثبته، وهذا ما أكد عليه الفصل 477 من ق ل ع الذي نص على أنه “يفترض حسن النية دائما مادام العكس لم يثبت”.

تشمل هذه الوسائل حسب منطوق الفصل 52 من ق ل ع، الحيل و الخدع أو الكتمان عندما يتعلق بناحية يوجب القانون أو طبيعة العقد بيانها و التصريح بها للمتعاقد الآخر. كما إذا كتم بائع السيارة عن المشتري كون السيارة محجوزة تحفظيا أو مرهونة أو بها تقييد ما من طرف مؤسسة إئتمان .

 جاء في الفصل 52 من ق ل ع التالي : ” التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر ويكون للتدليس الذي يباشره الغير نفس الحكم إذا كان الطرف الذي يستفيد منه عالما به”.

رابعا : إبطال عقد بيع سيارة بسبب الغبن الاستغلالي أو الغبن العادي

يقصد بالغبن ذلك التفاوت الصارخ و عدم التعادل و التكافؤ بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه في عقود المعاوضة بحيث تكون قيمة ما أخذه لا تتناسب إطلاقا مع قيمة ما أعطاه، والغبن لا يلحق سوی عقود المعاوضة دون عقود التبرع كما يشترط للاحتجاج بالغبن كقاعدة عامة أن يكون فاحشا وصارخا وفادحا أما الغبن العادي فلا يعتد به

و الملاحظ أن المشرع المغربي اعتد بثلاث حالات للغبن الموجب للإبطال و استثنی حالة الغبن المجرد الذي يلحق الراشد.

1 – الغبن التدليسي: إذا كان الغبن المجرد لا يخول الإبطال حسب ق ل ع، فإن الغبن المقرون بالتدليس يخول الإبطال، وذلك قياسا على أن التدليس عيب من عيوب الرضا سواء أكان التدليس دافعا أو عرضيا

2 – الغبن المجرد الذي يلحق القاصر أو ناقص الأهلية: قرر المشرع المغربي بصفة استثنائية إبطال العقود المشوبة بالغبن المجرد، بشرط أن يكون المغبون قاصرا أو ناقص للأهلية أو قاصر ، وأن تزيد نسبة الغبن عن الثلث

 3- الغبن الاستغلالي : يقصد بالغبن الاستغلالي أن يستغل شخص طیش جارف في أخر أو رغبة جامحة فيه أو مرضه أو عدم خبرته أو جهله، ليبرم معه تصرفا يؤدي به إلى غبن فادح.

وواقع قراءة الفصل 54 من ق ل ع توحي بأن المشرع المغربي اعتبر حالات المرض و الحالات الأخرى المشابهة تدخل في زمرة أسباب الإبطال المندرجة في خانة عيب الغبن، وقد جاء في الفصل 54 المذكور : “أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة التقدير القضاة”.

يتضح إذن حسب هذا الفصل أن الشخص الذي يبرم عقد بيع سيارة وهو في حالة مرض أو حالة مشابهة، يستطيع أن يطالب قضائيا بإبطاله، غير أن القاضي ملزم بالتشدد في نوع المرض الذي يعيب الإرادة،

ويشترط في هذا المرض أن يكون مؤثرا بشدة على تقدير المتعاقد وليس مرضا عرضيا غير مؤثر، وقد توسع الفقه في تعداد هذه النماذج المشابهة لحالة المرض ويدخل في خانتها حسب بعض الفقه حالات الجهل، و السكر الطافح، و الحاجة الملحة، وكلها حالات لا يمكن تفسيرها إلا على أساس أنها تدخل ضمن نظرية الغبن الاستغلالي المنصوص عليها في الفصل 54 من ق ل ع.

وجدير بالذكر أن الفصل 878 من ق ل ع و المتعلق بالغبن الذي يلحق المتعاقد في عقد القرض، لا يحتم على المحكمة إبطال الشروط و الاتفاقات المشوبة بالغبن الاستغلالي، بل أجازت لها أن تكتفي بإنقاص التزامات المقترض بحيث يرفع الغبن عنه، غير أن صلاحية المحكمة في إنقاص التزامات المغبون تهم عقود القرض فقط، أما في حالة الغبن الاستغلالي في غير عقود القرض، فليس للمحكمة سوى تقرير الإبطال عملا بالمادة 54، ولا يستطيع القاضي إذا ما طلب منه الحكم بالإبطال استنادا للمادة المذكورة أن يجنح إلى إنقاص التزامات الطرف المغبون، لانتفاء نص يخوله ذلك

و في نهاية هذه الفقرة نذكر بخصوصية حالة بيع سيارة في ملك الغير (مثلا سيارة مسروقة ) وهل هو بيع باطل أو قابل للإبطال أو قابل للفسخ؟

يقصد ببيع ملك الغير تلك الحالة التي يقدم فيها شخص على بيع شيء مملوك لغيره دون أن يكون مرخصا له القيام بذلك.

وقد اختلف الفقه في تحديد حكم بيع ملك الغير، إذ يرى بعض الفقه أن بيع ملك الغير قابل للفسخ لأن البائع لا يستطيع تنفيذ التزامه بنقل الملكية إلى المشتري، ماعدا في حالة إجازة المالك الأصلي للبيع، وقال آخرون بأن بيع ملك الغير قابل للإبطال إما لغلط في شخص البائع أو غلط في الشيء المبيع، بينما يرى تيار ثالث أن بيع ملك الغير باطل لانعدام السبب المقابل لالتزام المشتري بدفع الثمن.

وبالنسبة لتوجه المشرع المغربي فقد اعتبر ق ل ع بيع ملك الغير عقدا قابلا للفسخ إذا لم يقر به المالك الأصلي،

وفي حالة إقدام شخص على شراء سيارة تبين فيما بعد أنها مسروقة إما بالخارج أو بالمغرب وتم تزوير وثائقها، وبوشرت في مواجهة السارق دعوى قضائية جنائية، فإن الأصل اعتبار المشتري حسن النية و على من يدعي العكس إثبات ذلك، فمن الناحية القانونية يبقى تملكه صحيح ويحق له التصرف في سيارته بكافة أوجه التصرف المشروعة من بيع وغيره إلى حين صدور حكم نهائي في الدعوى الجنائية، عدا إذا صدر أمر عن قاضي التحقيق المختص بالحجز على السيارة أو من النيابة العامة أو هيئة الحكم في حالة تعلق الأمر بجريمة تمويل الارهاب أو غسل الأموال

لكن يبقى دائما ليس من مصلحة مشتري السيارة المسروقة بيعها خاصة إذا ثبت بالفعل أن السيارة مسروقة لأن المشتري الثاني قد يرجع بدوره على المشتري الأول وتزداد القضية تعقيدا، و تبقى القضية عند القضاء حتى يقول كلمته الأخيرة و يصبح الحكم نهائي غير قابل للطعن بطرق الطعن العادية أنداك يمكن أن ينفذ في حق مشتري السيارة.

فلو ثبت أن المشتري حسن النية، فيبقى من حقه في حالة حجز السيارة المسروقة و إرجاعها لمالكي الأصلي أن يرجع على البائع، فإذا كان البائع سيئ النية كأن يدان مثلا في الدعوى العمومية المتعلقة بسرقة السيارة أو تزوير وثائقها، يمكن للمشتري الانتصاب كمطالب بالحق المدني للتعويض عن الضرر و يطالب بثمن الشراء و الصوائر التي أنفقها ( هذا في حالة إثبات كون البائع سيء النية)،

وفي حالة كان البائع حسن النية بدوره، يبقى من حق المشتري رفع دعوى مدنية مستقلة في مواجهة البائع للمطالبة بفسخ البيع و استرداد الثمن و جميع الصوائر المصروفة وفقا لمقتضيات الفصل 485 من ق ل ع المتعلق ببيع ملك الغير.

المراجع :

مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات و العقود المغربي، الجزء الأول: مصادر الالتزامات

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!