أهداف علم العقاب

أهداف علم العقاب

أهداف علم العقاب

أهداف علم العقاب – يعرف القانون بأنه مجموعة من القواعد القانونية الملزمة يصدرها المجتمع لتنظيم كافة العلاقات والظواهر السائدة فيه، فرسالة القانون الجنائي تكمن في تحقيق الأمن القانوني والقضائي في المجتمع وسيلته في ذلك وضع نظام قانوني يحظر كل صور السلوك التي تهدد الأمن العام واستقرار علاقات الأفراد والجماعات وحقوقهم وحرياتهم الفردية والجماعية

ولكي يضمن المجتمع احترام هذا النظام فانه يضع الجزاء المناسب على كل خروج عن هذا النظام.

يتضح أن مهمة القانون الجنائي هي تحقيق الأمن في علاقات الناس، وأن وسيلته لذلك هي تقرير الجريمة والجزاء المقدر لها، في حين يعتبر علم العقاب رافدا أساسيا للمشرع الجنائي عن طريق إسعافه وإرشاده في توفير الأبحاث والدراسات العلمية عن الجزاءات المناسبة وأهدافها التي تلتقي مع أهداف المشرع في التصدي للجرائم ومكافحتها وتوفير مناخ الأمن والاستقرار للمجتمع، سوف نتتبع تطور النظام العقابي وتطور أغراضه والوقوف على فلسفته في حماية المجتمع من الجريمة.

الفقرة الأولى : تطور النظام العقابي

كان ينظر إلى العقوبة في المجتمعات القديمة بوصفها قصاصا تستوجبه قواعد الأخلاق والعادات والتقاليد أو مجرد تعويض عادل ومستحق للمجتمع، وقد تطور هذا المفهوم بتطور الوظيفة العقابية التي لم تعد مقتصرة على مجرد الإيذاء والقصاص إلى وظيفة أخرى وقائية وإصلاحية، ويبقى تحقيق الردع بنوعيه أحد السمات الأساسية والهدف الأسمى للسياسة العقابية.

يری علم العقاب في الجريمة اعتداءا مزدوجا على العدالة كقيمة اجتماعية وعلى الضحية شخصيا “المجني عليه” كلما تم المساس بحقوقه وحريته، فتكون العقوبة جزاءا طبيعيا لهذا الاعتداء في شقيه الاجتماعي و الشخصي عن طريق إعادة التوازن القانوني بين الجريمة كشر مقابل ليظل للعدالة احترامها وقدسيتها كقيمة اجتماعية لها أهميتها في استقرار المجتمع وأمنه، كما يظل للقانون في نفوس الناس هيبته و للسلطات وقارها بعد أن أخلت الجريمة بذلك.

شهدت العقوبة تطورا في نظامها فقد كان الكفاح ضد الجريمة في بدايته نحو المجرم بغية إبعاده عن المجتمع، فكان للعقوبة وظيفة استبعادية التي تبقى عقوبة الإعدام إحدى سماتها الأساسية، لأنها توفر للمجتمع حاجته في ابعاد الأشخاص الذين يهددون أمنه بصفة نهائية

هذه الوظيفة تتجلی كذلك في العقوبات السالبة للحرية المؤبدة أو طويلة المدة لأنها تؤدي إلى استبعاد المجرم المحكوم عليه عن المجتمع وتوفر إمكانية درء خطره.

غير أن وظيفة العقوبة الاستبعادية لم تقدم حلا كاملا في قمع ومكافحة الجريمة لأنها لا تقارب المشكلة الأساسية في العقاب ولا تمتد إلى المستقبل ولا تقدم أجوبة عن مصير المحكوم عليه بعد قضاء فترة عقوبته وإعادة إدماجه.

فكان لا بد من أن تقترن العقوبة بوظيفة أخرى هي “الردع” الذي قد يتحقق عن طريق التخويف متى كان موجها إلى الجميع ومخاطب به الكافة وهو ما يسمى “بالردع العام” عن طريق ما تحدثه العقوبة من آثار تزرع الرعب  والخوف من معاقبة الجريمة

فإذا كانت العقوبة تحمل في ذاتها درجة ذاتية من التخويف، فإنه من المؤكد أن هذه الدرجة متفاوتة وليست متساوية سواء في طبيعتها أو في غيرها على الآخرين أو في وقعها عليهم، وقد أظهرت الدراسات التي تناولت الظاهرة العقابية أن تبني القسوة في العقاب لا يوفر دائما تلك القوة الهائلة في إحياء الإرادة الإجرامية لأنها تهمل شخصية المجرم التي تحتاج إلى إعادة تأهيل وتهذيب وإدماج، فضلا على أن نتائجها ليست مضمونة لأن العقوبة القاسية تدفع المجرمين إلى التفنن والإحاطة في الإعداد للجريمة والهرب أو التملص من العقاب المقدر لها.

ومن جهة أخرى فإن قوة العقوبة في الردع تمارس تأثيرها كذلك على المحكوم عليه وهو ما يسمى بالردع الخاص وهو تأثير يجب أن ينتج أن مستقبل سلوكه بثنيه عن معاودة ارتكاب الجريمة

الفقرة الثانية : فلسفة النظام العقابي

إن العقوبة القاسية الطويلة قد تأتي بنتائج عكسية خصوصا إذا لم يصل تأهيل ايجابي ينصب على شخصية المجرم السجين الذي قد يخرج من المس السجنية أكثر عدوانية وحقدا على المجتمع، ويفشل السجن في منحه القدرة اعتلاء مكان مناسب داخل بيئته الطبيعية، لذلك تطور الفكر العقابي وأبدع إمكانية حصول الردع عن طريق الإصلاح بالتركيز على إعادة بناء شخصية المحكوم عليه من خلال كسبه مناعة في معاودة ارتكاب الجريمة وتقويم سلوكه المناسب أثناء قضائه فترة العقوبة بسلوك ما يسميه علماء العقاب بطريق التثقيف المناسب

فالإصلاح عن طريق التثقيف المناسب ، هو ما خلصت إليه الدعوات المثالية القديمة التي حمل لواءها علماء المدارس العقابية في فرنسا لا سيما علماء مدرسة الدفاع الاجتماعي، فأصبح التركيز في ظل فلسفة مدرسة الدفاع الاجتماعي هي خلق وتنمية الإرادة وتوفير أسباب الاستعداد الجيد التي تسمح بالإعداد الجيد للمحكوم عليه وتوفير شروط إعادة إدماجه بشكل ايجابي في مجتمعه وتأهيله بان يصبح مواطنا صالحا

هذه الفلسفة العقابية التي تروم إصلاح المحكوم عليه عن طريق تثقيفه بالمؤسسة السجنية وتدريبه مهنيا وتأهيله کي يتأتى له استعادة تكيفه وتجاوبه مع المجتمع، صارت مطلبا للعقوبات السالبة للحرية وصارت وسائل تحقيق هذا الهدف أهم ما تشتغل به أبحاث علم العقاب، غير أن العقوبات السالبة للحرية قد تكون ثقيلة في نتائجها ليس فقط على المحكوم عليه بل أيضا على عائلته ومستقبلها، وبالتالي لا يسعف استخدامها في صد العقاب على الجرائم الأقل جسامة مما أدى إلى التفكير في إيجاد وسائل بديلة للعقوبات السالبة للحرية وتدابير أخرى تكون اقل ضررا وتأخذ بعين الاعتبار الحق في معاقبة مرتكب الجريمة ومراعاة مركزه القانوني والإنساني.

يتضح جيدا أن النظام العقابي كان في بداياته الأولى يركز فقط على توفير الحماية للمجتمع بانزال العقاب لحظر ارتكاب الجريمة ثم تدرج بعد ذلك ليهتم بشخص المجرم والتفكير في إعادة تأهيله وإدماجه مع الإبقاء على العقوبة باعتبارها تحقق الردع العام والخاص.

وأخيرا اهتدى الفكر العقابي إلى إيجاد وسائل بديلة للعقوبات السالبة للحرية دواعي إنسانية واجتماعية في إطار سياسة عقابية تروم توفير الأمن القانوني و القضائي.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!