أملاك الدولة الخاصة

أملاك الدولة الخاصة و مساهمتها في تحقيق التنمية

أملاك الدولة الخاصة

مر النظام العقاري بالمغرب بعدة مراحل نتج عنها تنوع في مصادره وتعدد في قواعده ، فقد أصبحت العقارات تخضع لأنظمة عقارية متعددة ، حيث نجد في انتمائها لأي نظام أو نمط أساسها ووسائل وجودها ، فهناك الأراضي الجماعية ، أراضي الجيش ، الملك الغابوي ، الأحباس ، أملاك الدولة العامة وأملاك الدولة الخاصة وغيرها .

وداخل هده الأنظمة نفسها منها ماهو محفظ ومنها ما هوغير محفظ ، فبعض الأنظمة العقارية تستمد مصدرها من التشريع الوضعي وأخرى من الفقه الإسلامي و البعض الأخر من القواعد العرفية.

المبحث الأول : الإطار القانوني لأملاك الدولة الخاصة

سنحاول في هذه النقطة أن نتطرق لمفهوم أملاك الدولة الخاصة من جهة (المطلب الأول)

ثم تصفية وضعية هذه الأملاك من خلال التطرق لمسطرتي التحديد الإداري و التحفيظ العقاري  (المطلب الثاني) من جهة ثانية.

المطلب الأول : مفهوم أملاك الدولة الخاصة

سنقتصر في الحديث عن مفهوم أملاك الدولة الخاصة على تعريفها و تمييزها عن غيرها من المؤسسات المشابهة من جهة و إبراز أهم مكوناتها من جهة ثانية.

الفقرة الأولى : تعريف أملاك الدولة الخاصة

لم يعرف المشرع أملاك الدولة الخاصةفي جميع النصوص القانونية التي تتطرق لهذا الموضوع في مقدمتها الظهير المنظم لمسطرة التحديد الإداري للأملاك المخزنية، كما أن الفقه و القضاء المغربيين سلكا نفس موقف المشرع حيث عمل الفقه على إعطاء تعريف سلبي لملك الدولة الخاص من خلال محاولة تحديده عن طريق مقابلته بالملك العام للدولة.

وفي هذا السياق يذهب الأستاذ الهادي مقداد الى القول بأنه :…و إذا كان المشرع المغربي قد خصص قانونا أساسيا للملك العمومي ، وحدد خصائصه و طبيعته القانونية ، فإن النصوص التي أشارت للملك الخاص للدولة لم تعطه أي تعريف دقيق ، مما جعل تحديده يتم من خلال مقابلته مع الطبيعة القانونية للملك العمومي ، بمعنى أن الملك الخاص للدولة هو ما ليس بملك عام لها

الفقرة الثانية : مكونات الملك الخاص للدولة

يتكون الملك الخاص للدولة بصفة عامة من :

1 – الأراضي الفلاحية المسترجعة طبقا لظهير 16 شتنبر 1963  المتعلق بتحديد الشروط  التي تسترجع للدولة بموجبها أراضي الإستعمار

2 – أراضي الجيش: و هي أراضي صنعتها ظروف الحرب لأن المخزن هو الذي سلمها إلى الأفراد قصد إستغلالها مقابل خدماتهم داخل الجيش السلطاني ، يتمتع فيها الأفراد بحق الإنتفاع وتشرف على تنظيمها و تحديدها مديرية للأملاك المخزنية، وهي غير قابلة للتفويت او التملك بالتقادم .

3التركات الشاغرة : ففي حالة عدم وجود ورثة بالفرض أو التعصيب، فإن ما يتركه الهالك يؤول إلى الدولة

4 – الأراضي المستخرجة من الملكين العام و الغابوي إلى الملك الخاص للدولة

5 – الملك الغابوي.

6 – الأملاك المتاتية من المصادرة.

7 – الأملاك المملوكة للدولة من القدم.

8 – الأملاك الموهوبة للدولة دون تحديد الجهة المستفيدة بالإسم و غيرها.

وإذا كان الملك الخاص للدولة يتسم بالتعدد و التنوع، فإن المشرع حاول أن يجد وسيلة لحمايته من الضياع و السطو وذلك من خلال مسطرتي التحديد الإداري والتحفيظ العقاري

المطلب الثاني : تصفية و ضعية أملاك الدولة

سنحاول هنا أن نتطرق لوسيلتين اعتبرهما المشرع سبيلين لحماية الملك الخاص للدولة وهما التحديد الإداري (الفقرة الأولى ) و التحفيظ العقاري (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : التحديد الإداري لأملاك الدولة الخاصة

لم يتطرق ظهير 03 يناير 1916 المنظم لعملية تحديد أملاك الدولة الخاصة لتعريف التحديد الإداري لأملاك الدولة ،

لذلك عمل الفقه على تعريفه بأنه العملية التي تهدف إلى ضبط  حدود عقار ذي مساحة كبيرة بصفة قطعية غالبا ما يكون تابعا لجماعات أصلية أو سلالية أو للدولة سواءا كان ملكا عاما أو خاصا بهدف الوصول إلى التصفية القانونية لمساحات شاسعة  .

وهكذا، فلما كانت الغاية الأساسية من التحديد الإداري هي وضع حدود واضحة للأملاك المخزنية، حتى لايقع نزاع مع أرباب الأملاك المجاورة لها ، فإن كل عقار يشتبه في أنه ملك للدولة يمكن أن تجري فيه أعمال التحديد بناء على طلب من إدارة الأملاك المخزنية، باعتبارها الجهاز المشرف على هذا النظام بعد إجراء بحث ميداني من طرف الإدارة السالفة الذكر بتعاون مع السلطة المحلية المعنية لتبادر، بعد ذلك إلى تقديم طلبها الذي ينتج عنه إصدار مرسوم وزاري يحدد فيه طبقا للفصل الثالث من ظهير 03 يناير 1916 تاريخ الشروع في العملية.

وطبقا للفصل الرابع من نفس الظهير المذكور يجب إعلام عموم الناس بتاريخ عملية التحديد بشهر قبل الشروع فيها، وذلك بنشر هذا الإعلان بالجرائد وإلصاق إعلامات باللغة الغربية و الفرنسية ونشر مرسوم الموافقة بالجريدة الرسمية وتعليق نسخ منها في محاكم القضاء وإدارة الأملاك المخزنية و المحكمة الإبتدائية التابع لها محل العقار.

على أن تشرع اللجنة في مباشرة أعمال التحديد في اليوم و الوقت و المحل المعين في الإعلامات و يمكن لكل من يدعي حقا على هذا التحديد أن يتعرض على هذه العملية أمام هذه اللجنة التي تضمن تعرضه في محضرها الذي يشتمل على وقائع التحديد ورسما تخطيطا للعقار المحدد، ويتم إيداع الكل لدى السلطة المحلية المعنية ليتم نشر هذا الإيداع بالجريدة الرسمية .

و انطلاقا من تاريخ الإيداع بالجريدة الرسمية وداخل أجل ثلاثة أشهر يجب على كل من قدم تعرضا أن يطلب من المحافظ على الأملاك العقارية فتح مطلب للتحفيظ باسمه يبين فيه سبب تعرضه والحجج المعتمد عليها .

و يتضح مما سبق أن مسطرة التحديد الإداري تنتهي بإحدى النتيجتين : فإما أنه لم يقدم أي تعرض ، حيث يصبح التحديد نهائيا ويصبح بذلك مرسوما وزاريا بالمصادقة عليه ينشر بالجريدة الرسمية . وإما أن يتم تقديم تعرضات على هذا التحديد ليبقى مصير إجراءات هذا التحديد بيد القضاء للبث في مدى صحة هذه التعرضات.

الفقرة الثانية : التحفيظ العقاري

يقصد بالتحفيظ العقاري مجموعة القواعد التي يتم بها تنظيم وضعية العقار قانونيا و ماديا ، بعد مروره من مسطرة تسمى مسطرة التحفيظ و تأسيس رسم عقاري للعقار المطلوب تحفيظه.

 وتتخلل هذه المسطرة عملية إشهار واسعة يكون الغرض منها إعلام العموم بجريان مسطرة تحفيظ العقار حتى يتسنى لكل من يعنيه الأمر أن يتعرض على عملية التحفيظ إدا كان من شأنها أن تمس بحق له .

وأملاك الدولة الخاصة لا تحيد عن هدا الإتجاه حيث يجب على مديرية الأملاك المخزنية بصفتها الجهاز الدي يسهر على أملاك الدولة الخاصة أن تعمل على طلب تحفيظ كل عقار يعود للدولة لدى المحافظة على الاملاك العقارية الواقع بدائرة نفودها العقار المعني.

ويتم تقديم هذا المطلب وفقا للكيفيات المنصوص عليها في الفصل 13 من ظهير12 غشت1912 ويكون تحفيظ هذه الأملاك اختياريا كمبدأ عام  و إجباريا في بعض الحالات كما هو الشأن بالنسبة لتحفيظ الأملاك الخاصة.

وبمجرد تقديم مطلب للتحفيظ  يمكن لكل من يدعي  حقا على العقار موضوع مطلب التحفيظ أن يتقدم بتعرض ضده إما لدى مصالح المحافظة العقارية أو القائد أو لدى المحكمة الإبتدائية على أن يقدم المحافظ  بعد نشر خلاصة المطلب بالجريدة الرسمية و إعلان العموم  بتاريخ التحديد بتبليغ طالب التحفيظ في شخص مدير الأملاك المخزنية، وفي حالة عدم  تسوية الوضعية  لدى المحافظ بالصلح  يتم رفع الملف لدى القضاء الدي له أن يحكم إما بصحة التعرض أو رفضه.

وفي حالة الحكم بصحة التعرض جزئيا يمكن تطبيق الفصل 37 من ظهير التحفيظ العقاري وللمحافظ بعد ذلك  إما تأسيس رسم عقاري أو رفض ذلك، ويمكن لإدارة الأملاك المخزنية أن تتابع المحافظ في الحالة الأخيرة طبقا للفصل 97 من الظهير المذكور .

وتجدر الإشارة إلى أن الدولة (الملك الخاص) لاتسلك فقط المسطرة العادية للتحفيظ،  بل أيضا المسطرة الخاصة لتحفيظ الأملاك التي تبقى بعد استخراج الطرق و الممرات وإنشاء  قنوات الري في إطار عملية ضم الأراضي وذلك بهدف إنشاء رسوم عقارية لهذه القطع الأرضية .

المبحث الثاني : مدى مساهمة أملاك الدولة الخاصة في تحقيق التنمية

من المعلوم أن أملاك الدولة الخاصة يتم اللجوء إليها في جميع القطاعات الإقتصادية و الإجتماعية لإنشاء مرافق عمومية أو مؤسسات اجتماعية، أو بهدف الرفع من قيمة الإنتاج الفلاحي وتشجيع الفلاحين على البقاء في البوادي وتشجيع الإستثمار بصفة عامة.

إلا أننا لن نتطرق لدور أملاك الدولة الخاصة في جميع هذه القطاعات، بل سنقتصر فقط على الحيوية منها كإبراز مدى مساهمتها في تحقيق التنمية الفلاحية (المطلب الأول) من جهة ودورها في المجال الإجتماعي (المطلب الثاني) من جهة ثانية.

المطلب الأول : دعم التنمية الفلاحية

يعتبر القطاع الفلاحي  بالمغرب من القطاعات التي تحظى مند الإستقلال بالأولوية في كل المخططات الإقتصادية والإجتماعية التي عرفتها البلاد بسبب الدور الذي يلعبه القطاع في التنمية حيث يوفر العيش لما يقرب نصف سكان المغرب ويشغل حوالي 50’/’ من اليد العاملة النشيطة يساهم حسب السنوات بمعدل 15’/’ إلى 20’/’  من الناتج الداخلي الإجمالي

وباعتبار العقار الحلقة الرئيسية في ذلك، فإن أٍراضي الملك الخاص للدولة باعتبارها أحد مكونات النظام العقاري المغربي تساهم  بشكل مهم في دعم القطاع الفلاحي ،

فقد تضمن التشريع المتعلق بالإصلاح الزراعي منح قطع فلاحية إلى بعض الفلاحين و العمال الزراعيين وتنظيمهم في إطار تعاونيات وشركات فلاحية، يكون دورها الرئيسي تدبير و تسهيل عمليات الإستثمار و التسويق .

وهكذا، فقد بلغت مساحة الأراضي المزروعة في إطار الإصلاح الزراعي حوالي 325000 هكتارا أي ما يمثل أقل من 4 ‘/’ من الساحة الصالحة للزراعة بالمغرب (12 ‘/’  تقريبا من مجموع التراب الوطني)

إلا أن السؤال الدي يطرح في هذا السياق هو هل ساهمت فعلا الأراضي الموزعة في إطار عملية الإصلاح الزراعي في تحسين وضعية الفلاحين الصغار و تشجيعهم على البقاء في ضيعاتهم والمساهمة في تحقيق التنمية الذاتية؟

وإضافة لما سبق فإن تدبير مديرية الأملاك المخزنية لباقي الأراضي الأخرى خاصة الواقعة خارج المدار الحضري يشوبه أيضا بعض النقص، فجزء منها يعاني من مشكل الترامي و من المنازعات الناجمة عن  تطبيق النصوص المتعلقة باسترجاع ملكية هذه الأراضي من طرف الدولة، و التي لم يتم تسويتها .وجزء اخر يتم استغلاله بطريقة غير مباشرة وذلك عبر الكراءات القصيرة المدة و التي لا تشجع على إنجاز مشاريع استثمارية مهمة خاصة العقارات الغير المحفظة.

المطلب الثاني : دور الأملاك الدولة الخاصة في المجال الإجتماعي.

إن التصدي لمشكلة نذرة العقار وتضاؤل الإحتياط العقاري للدولة و الجماعات المحلية في وقت تعرف فيه البلاد نموا ديمغرافيا و عمرانيا سريعين يتوقع  نسبته  بشكل مهول  مستقبلا ، فرض على الدولة التفكير في إيجاد حلول  لذلك .

ولعل من بين الحلول التي لجأت  إليها في هذا المضمار استعمال العقارات العائدة للملك الخاص للدولة التي  وصلها المد الحضاري السريع حتى ولو كانت أراضي فلاحية إما عن طريق شرائها  بمقتضى عقود أو عن طريق طريق نزع ملكيتها.

ويعد عمل مديرية الأملاك المخزنية في هذا الصدد مجهودا محمودا فخلال عشر سنوات الأخيرة أنجزت المديرية المذكورة حوالي 5748 عملية لاقتناء الأراضي بمبلغ مالي قيمته 2310 مليون درهم . وقد ثم اقتناء ما مجموعه 3992 هكتار خصص منها 1470 هكتار لفائدة  قطاع السكنى

كما يتم تفويت العقارات العئدة للملك الخاص للدولة إلى الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية إما بغرض تكوين الرصيد العقاري الأولي لها، أو بهدف ضمها للملك الجماعي العمومي أو لأجل بناء مقر الجماعة  المحلية أو لبناء مرافق إجتماعية أخرى كالمساجد و المقابر و غيرها و ذلك إما مجانا أو بالمقابل.

إلا أن ما يلاحظ على هذا الإقتناء من طرف الجماعات المحلية أنها كثيرا ما لا تحترم مسطرة الإقتناء و تعمد إلى الترامي على أملاك الدولة الخاصة بهذف تشييد مرافقها قبل إعتماد المسطرة القانونية اللازمة لدلك، ثم تطالب بعد ذلك بالتسوية مع ما يترتب عن ذلك من إخلالات قانونية 

وهذا هو حال الجماعات  الحضرية على الخصوص رغبة منها  في تفادي تعطيل المشاريع الإجتماعية و الإقتصادية التي يتقدم بها الخواص.

و إما على اعتبار أنها داخلة في ملكها الخاص استنادا إلى رسوم اصطنعتها لنفسها  أو اعتمادا على محاضر كما هو الحال بالنسبة للحماعات المحلية التي كانت تابعة للحماية الإسبانية

و الملاحظ مما سبق أن كثرة لجوء الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية إلى أملاك الدولة الخاصة يحد من مدى مساهمة هذه الأملاك في التنمية الإجتماعية لعدة اعتبارات في مقدمتها الأثمنة المتواضعة التي يبرم بها عقد التفويت من جهة، و كون المؤسسات و الجماعات السالفة غالبا ما تستحود عن هذه العقارات عن طريق التخلي لها عنها من طرف مديرية الأملاك المخزنية خاصة عندما يكون الغرض من ذلك بناء مقر للجماعة المحلية أو المؤسسة العمومية

ولذلك  فالمعول مستقبلا هو التعامل مع هذه الأملاك بنوع من الجدية و اعتبارها كباقي الأملاك الخاصة لها مالكها حتى تبقى هذه الأملاك مكونة لرصيد عقاري يوضع رهن إشارة المستثمرين سواءا كانوا أفرادا أو جماعات من أجل القيام بمشاريع حقيقية تعود بالنفع على الجماعات المحلية نفسها خاصة بعد الرسالة الملكية لسنة 2002.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك

 

لائحة المراجع

1 – محمد خيري ، حماية الملكية العقارية و نظام التحفيظ اللعقاري بالمغرب

2 ــ الهادي مقداد، السياسة العقارية في ميدان التعمير و السكنى

3 – عبد الوهاب رافع ، أراضي الجموع بين التنظيم و الوصاية

4 – عبد الكريم بالزاغ ، أراضي الجموع محاولة لدراسة بنيتها السياسية و الإجتماعية و دورها في التنمية

5 – البودالي الهواري ، الأملاك الخاصة للدولة و مدى مساهمتها في تحقيق التنمية ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!