المطلب الأول: أسباب الميراث

نصت المادة 329 من مدونة الأسرة على أسباب الميراث بقولها: “أسباب الإرث كالزوجية، والقرابة أسباب شرعية، لا تكتسب بالتزام، ولا بوصية، فليس لكل من الوارث، أو الموروث إسقاط صفة الوارث أو الموروث، ولا التنازل عنه للغير”.

يتضح من نص المدونة، أن الزوجية والقرابة سببان من أسباب استحقاق الميراث، وأن حق التوارث لا يكتسب بمقتضى التزام، أو وصية من الغير، وأن الوارث أو المورث ليس من حقهما التجرد من هذه الصفة، أو التنازل عنها. وهناك سبب ثالث لم يذكر، وهو الولاء، الذي لم يبق له حضور في زماننا.

وسنقتصر على السببين الواردين في المدونة:

1 – الزوجية:

عرفتها مدونة الأسرة في المادة الرابعة، بأنها “میثاق تراض، وترابط شرعي، بين رجل، وامرأة، على وجه الدوام، غايته الإحصان، والعفاف، وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين”. ويترتب على الزواج المستجمع لأركانه، وشروطه، الحق في التوارث بين الزوجين، والحق في استصدار وثيقة الزواج من العدول المنتصبين للإشهاد، كما يجوز للمحكمة المختصة سماع دعوی الزوجية، واعتماد البينة الشرعية، وكذا الخبرة في إثباتها، داخل أجل لا يتعدى عشر سنوات ابتداء من تاريخ دخول قانون 08.09 المعدل المدونة الأسرة حيز التنفيذ.

أما الزواج الباطل، الذي لم يشرع بأصله، ولا وصفه، فلا توارث فيه بين الزوجين، قبل البناء، وبعده، وحالاته مبينة في المادة 57 من مدونة الأسرة، وهي:

أ- إذا اختل فيه أحد الأركان المنصوص عليها في المادة 10، وهي الإيجاب والقبول.

ب- إذا وجد بين الزوجين أحد الموانع المنصوص عليها في المواد من 35 إلى 39 من مدونة الأسرة، وهي الموانع المؤبدة، أو الموانع المؤقتة

ج- إذا انعدم التطابق بين الإيجاب، والقبول.

أما الزواج الفاسد، فلا ينتج أي أثر قبل البناء، وتترتب عنه بعد البناء آثار العقد الصحيح، إلى أن يصدر الحكم بفسخه، وذلك طبقا للمادة 64 من مدونة الأسرة. وقد تولت مدونة الأسرة في المادتين 60 و 61 بیان حالاته، وهي:

أ- عدم توافر الشروط الشرعية في الصداق.

ب- بوقوع الزواج أثناء المرض المخوف لأحد الزوجين.

ج- كون القصد من الزواج تحليل المبتوتة، لمن طلقها ثلاثا.

 د- كون الزواج بدون ولي في حالة وجوبه.

والجدير بالذكر أن حق التوارث بين الزوجين يكون في الطلاق الرجعي، قبل انصرام عدة المطلقة، خلافا للطلاق البائن.

2 – القرابة

وتشمل الأنواع الأربعة.

 أ- الأبوة: ويراد بها أب الميت، وأمه.

ب- الأخوة : وهی شاملة لأبناء الميت، وبناته.

ج-الاتصال عن طريق الأبوة وتتناول : الجد للأب و الجدات, سواء أكانت الجدة أما الأب، أم كانت أما لأم، وتتناول أيضا الإخوة والأخوات، والأعمام.

د- الاتصال عن طريق البنوة: وتتناول أبناء الأبناء وبنات الأبناء.

إثبات البنوة

 وقد نصت مدونة الأسرة في المادة 158 على أن البنوة تثبت ب:

1 – الفراش

الذي يعتبر حجة قاطعة على ثبوت النسب، ولا يمكن الطعن فيه، إلا من الزوج عن طريق اللعان، أو بواسطة خبرة تفيد القطع، شريطة إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه، وصدور أمر قضائي بهذه الخبرة (المادة 153 من مدونة الأسرة) ويثبت نسب الولد بفراش الزوجية استنادا إلى المادة 154 من مدونة الأسرة بأحد أمرين: إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد، وأمكن الاتصال، سواء أكان العقد صحيحا، أم فاسدا. أو  إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق.

كما يثبت نسب الحمل الناشئ عن الاتصال بشبهة، مثل حمل المخطوبة من خاطبها، أو المغتصبة من مغتصبها، شرط وضعه ما بين أقل مدة الحمل وأكثره (المادة 155 من مدونة الأسرة).

2 – الإقرار

من الأب ببنوة المقر به، ولو في مرض الموت، بشروط منصوص عليها في المادة 160 من مدونة الأسرة، وهي:

أ- أن يكون الأب المقر عاقلا.

ب- ألا يكون المقر به معلوم النسب.

ج- أن لا يكذب المستلحق (بكسر الحاء) عقل أو عادة.

د- أن يوافق المستلحق (بفتح الحاء) إذا كان راشدا حين الاستلحاق، وإذا استلحق قبل أن يبلغ سن الرشد، فله الحق في أن يرفع دعوى نفي النسب عند بلوغه سن الرشد.

إذا عين المستلحق الأم، أمكنها الاعتراض بنفي الولد عنها، أو الإدلاء بما يثبت صحة الاستلحاق.

لكل من له المصلحة أن يطعن في صحة توفر شروط الاستلحاق المذكورة، ما دام المستلحق حيا”.

3 – شهادة العدلين

وهذا النوع من الشهادات يكاد يكون منعدما، في وقتنا الراهن، نظرا للشروط الكثيرة، التي اشترطها. الفقهاء في الشخص ليكون عدلا، ومن ثم اقتصر في إثبات النسب على بينة السماع، إلى جانب قاعدة الولد للفراش، وإقرار الأب، أو الأم

4 – وبينة السماع و شهادة اللفيف

وهي الشهادة التي يتلقاها العدلان المنتصبان للإشهاد من اثني عشر رجلا في مسائل كثيرة، ومنها إثبات النسب.

5- الوسائل الأخرى المقررة شرعا، بما في ذلك الخبرة الطبية

المطلب الثاني: موانع الإرث

من موانع الإرث:

1 – عدم الاستهلال

وهو عدم صراخ الولد بعد انفصاله عن أمه والأصل في الاستهلال الصراخ، وقد ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الهلال إنما سمي هلالا، لأن العرب كانت تصرخ عند رؤيته أول الشهر، وترفع أصواتها.

فإذا خرج الولد من بطن أمه، ولم يصرخ، أو لم يرضع الثدي، وتوفي، فإنه لا يرث، ولا يورث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا”.

وهذا ما أشارت إليه مدونة الأسرة في المادة 331 بالقول: “لا يستحق الإرث، إلا إذا ثبتت حياة المولود بصراخ، أو رضاع، ونحوهما”.

2 – الشك في السبق

ويكون هذا في الغرقى، والهدمی، والحرقی، وفي حوادث السيارات، والطائرات، وغيرها. فإذا غرق الوالد، وولده، أو كانا جميعا في سيارة واحدة، وماتا بسبب حادثة، وشككنا أيهما أسبق موتا، سقط التوارث بينهما. .

3 – اللعان

اللعان في اللغة: البعد، واصطلاحا، فقد عرفه ابن عرفة المالكي بأنه “حلف الزوج على زنا زوجته، أو نفي حملها اللازم له، وحلفها على تكذيبه، إن أوجب نكولها حدها بحكم قاض”.

واللعان يكون أمام القضاء “وكيفيته، أن يأمر القاضي الزوج أن يشهد الله أربع مرات، أنه من الصادقين فيما رمی به زوجته من الزنی ونفى الولد، وفي الخامسة يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين تشهد الزوجة الله أربع مرات، أنه من الكاذبين فيما رماها به من الزنى ونفى الولد عنه، وتقول في الخامسة, غضب عليها إن كان من الصادقين، ومتى تم اللعان حسب شروطه، وجب التفريق بين الزوجين ونفي نسب الولد عن الزوج، وإلحاقه بأمه، ويترتب على هذا أنه پرث أمه، ولا يكون بينه وبين الأب توارث، الانقطاع نسبه منه بعد اللعان، فميراثه من أمه، لثبوت نسبه منها، وعدم إرثه من الأب، لانقطاع نسبه منه”.

4 – إختلاف الدين

ومعناه أن يكون دين الميت مخالفا لدين من وجد عنده سبب من أسباب الإرث كالزوجية، والقرابة.  وقد أجمع العلماء على أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث، إذا بقي الكافر على كفره، حتى قسمت التركة، وأخذ كل وارث نصيبه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم”.

ويعتبر الكفر مانعا من الإرث، سواء أكان بالأصالة، أم كان طارئا، وعليه فإن المرتد کالكافر في الحكم، لكن إذا أسلم الكافر، ورجع المرتد قبل وفاة المورث، فإنهما يرثان لزوال المانع. وقد أشارت مدونة الأسرة إلى هذا المانع في المادة 322 بالقول “لا توارث بین مسلم وغير مسلم ولا بين من نفي الشرع نسبه”.

5 – الزنا

يعتبر الزنا مانعا من التوارث بين الزاني والزانية، وبين الولد الذي ولد من الزنا، وأبيه، لأن رابطة الزنا لا يقرها الشرع الإسلامي. وإذا كان ابن الزنا لا يرث من أبيه، فإن التوارث بينه وبين أمه قائم، كما أنه يرث إخوانه، و أخواته من الزنا، ويرثونه.

6 – القتل

قتل الوارث مورثه مانع من الإرث لقوله صلى الله عليه وسلم : “ليس للقاتل من الميراث شيء”. لأن القاتل قد استعجل بالقتل، والقاعدة الفقهية تقضي بأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.

والحكمة، هي أنه لو لم يمنع القاتل من الميراث، لأقدم أناس علی قتل أقربائهم، ليتوصلوا إلى تملك أموالهم، فيسود الاضطراب، وتعم الفوضى، وينعدم الأمن والاستقرار، والقتل المانع من الإرث، هو القتل العمد العدوان، سواء أكان بطريق المباشرة، أم بالتسبب، حيث يترتب عليه حرمان القاتل من نصيبه، وعدم حجب غيره من الورثة. أما القتل الخطأ، فإنه لا يمنع من الإرث، لكنه يمنع من الإرث من دية المقتول.

وقد نصت مدونة الأسرة على ذلك في المادة 333 بالقول “من قتل مورثه عمدا، وإن أتي بشبهة، لم يرث من ماله، ولا ديته، ولا يحجب وارثا، ومن قتل موروثه خطأ، ورث من المال دون الدية، وحجب.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!