أسباب التبرير والإباحة

أسباب التبرير والإباحة المتعلقة بالجريمة

أسباب التبرير والإباحة

ينص الفصل 124 من مجموعة القانون الجنائي المغربي على ما يلي : “لا جناية ولا جنحة ولا مخالفة في الأحوال الآتية:

1 – إذا كان الفعل قد أوجيه القانون وأمرت به السلطة الشرعية

2 – إذا اضطر الفاعل ماديا إلى ارتكاب الجريمة، أو كان في حالة استحال عليه معها استحالة مادية، اجتنابها، وذلك لسبب خارجي لم يستطع مقاومته،

3 – إذا كانت الجريمة قد استلزمتها ضرورة حالة الدفاع الشرعي عن نفس الفاعل أو غيره أو عن ماله أو مال غیره، بشرط أن يكون الدفاع مناسبا مع خطورة الاعتداء “

لا يكفي لاعتبار الفعل أو الامتناع جريمة وجود نص تشریعی يجرم، بل لا بد أن يخلوا من أي سبب للتبرير والإباحة ، وهي كما يتضح من الفصل أعلاه، أمر القانون والسلطة الشرعية، حالة الضرورة – المعبر عنها بعبارة إذا اضطر الفاعل ماديا إلى ارتكاب الجريمة.، تم حالة الدفاع الشرعي الواردة في الرقم 3 من الفصل المذكور.

وعليه، حسب الفقه الجنائي، لا يقوم الركن القانوني للجريمة إلا بانتفائها، بل يمكن أن نستنتج ذلك من خلال ما ركزنا عليه ونحن بصدد تأصيل مبدأ الشرعية فالتجريم حاجة ضرورية لحماية المجتمع في أمنه واستقراره ومصالحه الأساسية، وهو عبارة عن رصد لأهم الاعتداءات الماسة يتلف المصالح، حماية لها، إلا أنه ، عندما تغيب عن الفعل أو الامتناع، هذه العلة المبررة للتجريم، لا يرى المشرع، والمجتمع من ورائه، الاستمرار في اعتبار الفعل أو الامتناع جريمة فأمر القانون والسلطة الشرعية وحالتي الضرورة والدفاع الشرعي، وكما ستفصل بعده، إنما هي أسباب تحوز نفس الاعتبار والمنطق القانونيين،

 وإن أخذوا التجريم في الاتجاه المعاكس، أي رفع الصفة الجرمية عن الفعل أو الامتناع وربما إذا كان الفقه الجنائي يفضل اعتبار هذه الأسباب رخص قانونية تبيح، في ظل شروط معينة، ارتكاب الفعل أو الامتناع المجرم لمن توافرت لديه إلا أننا نراها أسباب تستثني من التجريم، ارتكاب الفعل أو الامتناع في وضعيات معينة، ولعلها قراءة البعدية، يستنتجها القاضي من وقائع، إن تحقق فيها التجريم، لم تتجسد فيها علته ولذلك كانت لهذه الأسباب مقومات موضوعية، بحيث لا تنصرف الفاعل، بل تصب على الجريمة رأسا وترفع عنها الصفة الجرمية، بحيث يصبح لها أثرا مزدوج يترتب من جهة عدم مسؤولية الفاعل جنائيا، ومن جهة أخرى تقتفي مساءلته مدنيا لانتقاء الخطأ من جانبه

1 – أمر القانون والسلطة الشرعية

لا بد من الإشارة بداية إلى أن هذا السبب من أسباب التبرير إنما يطرح إشكاليات دقيقة لا بد من وضع تساؤلات أولية بشأنها: ألا يقف وراء التجريم أمر القانون والسلطة الشرعية ؟ كيف يمكن أن نقيل في دولة الحق والحريات تبرير المساس بها من طرف من هو مؤتمن على حمايتها ؟ هل يستقيم هذا التبرير بذكر أمر القانون إلى جانب أمر السلطة الشرعية، وما هي الحكمة القانونية من وراء ذلك ؟

حتى يمكن التغلب على الإشكال وحصول التهم برفع اللبس أو الإبهام، لا بد من الانطلاق من أمثلة توضيحية:

ففي دولة الحق والحريات يسمح لضابط الشرطة القضائية، عندما ترتكب جريمة، وفي ظل احترام شروط قانونية محددة، الدخول إلى المنزل من أجل جمع الأدلة ووضع المشتبه به رهن الحراسة النظرية مساس بالحرية كما يسمح لرجل القوة العمومية بتفريق تظاهر عمومی غیر قانوني. أي غير مرخص به . ؛ بل يسمح قانون المسطرة الجنائية للشخص العادي من إلقاء القبض على مرتكب الجريمة عندما يضبطه في حالة تلبس۔

مع ذلك، ونحن بصدد مقاربة أسباب التبرير، نلاحظ وعلى خلاف مبدأ الشرعية هناك نوع من المرونة فالقانون ليس دائما يأمر بل قد يجيز، والفقه قد يعتبر الإجازة في حكم الأمر كما هو الحال في منال الشخص العادي في حالة التلبس: ففي هذه الحالة التي تتطلب الاستعجال يسمح للمواطن العادي بإجراء إلقاء القبض۔ اختيارا۔ بدل ضابط الشرطة القضائية ولا يمكن متابعته بهذا الفعل الماس بالحرية، لأن القانون يجيز له ذلك.

 أيضا، اصطلاح “قانون”.ينبغي، وعلى خلق مبدأ الشرعية، أن يؤخذ بشكل موسع، بحيث وإلى جانب التشريع العادي الصادر عن البرلمان، يمكن أن يشمل القرارات الصادرة عن السلطات العمومية . فالأمر لا يتعلق بالتجريم، حيت لا يمكن مؤاخذة الشخص إلا على ما صنفه ممثلو الأمة جرائم، بل بما اقتضى نظر المشرع، ولأسباب موضوعية، التجاوز عنه. فالتبليغ عن مرض معد، إن كان بالإمكان مساءلة الطبيب عنه جنائيا باعتباره مرتكبا لجنحة المساس بالسر المهني، فهذه المساءلة تصبح بغير ذي معنى عندما توجد أمام قرار صادر عن سلطة عمومية. قرار وزاري. يلزم الطبيب، وبهدف المحافظة على الصحة العامة للمواطنين، بالتبليغ يبقى أنه، ومن أجل الاستفادة من هذا السبب لتبرير الفعل أو الامتناع ورفع الصفة الجرمية عنه، لا بد من تحقق بعض الشروط:

إذا أمر القانون وحده القيام ليفعل مخالف للقانون الجنائي، وجب التمييز بين ما إذا كان هذا الأمر موجه إلى الرئيس وحده دون المرؤوسين، أو هو موجه فقط لهؤلاء فإذا كنا أمام الحالة الأولى، فإن أمر القانون لا يكفي بل لا بد من أمر صادر عن السلطة الشرعية ويمثل الفقه على هذه الحالة بإجراء تمديد مدة الحراسة النظرية منها الأصلية 48 ساعة في الجرائم العادية وتمدد ب 24 ساعة . فهنا لا يكفي أمر القانون الذي يسمح بالتمديد بل لا بد من الحصول على إذن النيابة العامة، والتي تنهض هنا كسلطة شرعية تملك قانونا صلاحية التمديد. أما في الحالة الثانية، حيث يوجه الأمر للمرؤوسين احترام المدة الأصلية للحراسة النظرية من طرف ضباط الشرطة القضائية، فأمر القانون كاف لوحده

بخصوص أمر السلطة الشرعية، وحول إشكالية مدى اعتباره كافيا للقول بقيام سبب التبرير، فقد اختلف الفقه بشأنه ، وللتوضيح فالمسألة تدخل في إطار توجيه الرئيس للمرؤوس تنفيذ أمر يتضمن ارتكاب فعل أو امتناع يعتبره المشرع الجنائي جريمة

– النظرية الأولى وتسمى بنظرية الطاعة العمياء، ويحسبها لا يسمح للمرؤوس مناقشة أمر رئيسه، حيث يتوجب عليه تنفيذ الأمر، من دون أن يترتب عن ذلك أية مساءلة في جانبه، بل إن الرئيس هو الذي يعتبر مرتكبا لما وقع تنفيذه

– النظرية الثانية وتسمى بنظرية الحراب الذكية، وهنا على المرؤوس، وبخلاف النظرية الأولى، أن يعمل على تقدير أمر الرئيس، بحيث يستلزم عليه أن لا ينفذ من الأوامر إلا ما رآه موافقا للقانون، بحيث إذا عمد إلى تنفيذ أمر يتضمن القيام بفعل أو امتناع يجرمه النص الجنائي يساءل عنه شخصيا

وقد حاولت نظرية ثالثة وسطى التوفيق بين النظريتين، حيث قررت إلزام المرؤوس بعدم الامتثال لأوامر الرئيس إذا كانت مخالفتها للنص الجنائي واضحة وجلية، بحيث إتيان هذه الأخيرة إنما يحمله المسؤولية الجنائية أما دون ذلك، فالمسؤولية المذكورة إنما تقع على الرئيس دون المرؤوس بالنسبة للمشرع المغربي،

2 – حالة الضرورة

حالة الضرورة هي الوضعية التي يقوم فيها الشخص بنشاط يجرمه النص الجنائي ويلحق ضررا بنفس الغير أو بماله، إلا أن هذا النشاط كان الفاعل مضطرا لإتيانه حفاظا على حياته أو ماله. ويمثل الفقه عليها بأمثلة بسيطة، كمن يشتد به الجوع ويلجأ إلى سرقة ما يسد به رمقه، أو كذلك من ينتهك حرمة منزل فرارا من حيوان خطير يطارده ومن دون التيه في بعض التفسيرات الفقهية التي لا تقنعنا بالأساس الذي تعتمده بالنسبة لاعتبار حالة الضرورة من أسباب التبرير خاصة تلك التي تبني ذلك على الإكراه المعنوي- حيث يمكن أن ينزلق بنا للخلط بين أسباب التبرير وموانع المسؤولية الجنائية نفضل التمسك بمبررات منطقية واجتماعية، بل وترتبط بأسباب موضوعية وعقلانية للسياسة الجنائية

إن السلوك الإجرامي بصفة عامة أو الماس منه بنفس الغير أو بماله إنما يعتبر كذلك لما يخلفه في الشعور العام للمجتمع من استياء تجاه من يعبث بتصرفاته الأنانية للإضرار بالآخرين، ويشذ عما ارتضوه كسلوك سوي اختاروا الانتظام وفقه، بل إن ربط الجزاء فيه بعقوبات ذات وقع أشد لتعتبر بنظرنا ردة فعل مجتمعية واضحة عن استخفاف الفاعل بمنظومة القيم التي يتدخل القانون الجنائي لحمايتها هذا الأساس الذي يبنى عليه المشرع التجريم والعقاب لا نجده في وضعية الواقع في حالة الضرورة ، حيث يرى الفقه، استحضارا لما ذكرنا، أن لا فائدة من عقاب ما ارتكبه بل يمكن، في هذه الوضعية، إعمال قاعدة دفع الضرر الأقوى بالضرر الأخف، لما لها من انسجام منطقی مع حالة الضرورة

أما عن شروط حالة الضرورة، فيمكن إجمالها في التالي :

 لا بد أن يوجد الفاعل في مواجهة خطر جسيم حال، أي قائم، يهدد النفس أو المال وقد يطرح مشكل تكييف وصف الجسامة في الخطر، بحيث پرجح الفقه أن ذلك من متعلقات السلطة التقديرية للقاضي، وان كنا هنا نسجل احتياطنا في هذا التقدير ببنائه على معايير موضوعية تكسب تقدير الخطورة المصداقية اللازمة للإقناع بتبرير الفعل . فالخطر الذي يهدد الحياة أو السلامة الجسدية بشكل بليغ لا يمكن أن ننفي عنه الجسامة واقعا أو قانونا، وقد تخرج من اعتبارنا ما دون ذلك من الأفعال التي لا ترقى لذلك، أو تدخل في زمرة ما يمكن تفاديه بطرق أخرى كما سيتضح بعده

بالإضافة إلى الجسامة، لابد للخطر أن يكون حالا، أي قائما لا محتملا بل يجيز الفقه أن يكون وشيك الوقوع حتى يقع استبعاد الحالات التي تشكك في وقوعه، بحيث إذا كان كذلك لم يعد يخشى منه، بالتالي لم يعد يصلح لاعتباره من أسباب التبرير أيضا، يحدد المشرع نطاق تطبيق حالة الضرورة فيما يهدد النفس أو المال سواء تعلق ذلك بالفاعل أم بالغير

الشرط الثاني يستلزم أن لا يكون الخطر مشروعا. ولعله شرط بديهي، فلا يمكن القبول لا منطقا ولا قانونا من رجل المطافئ التراجع عن محاولة إخماد حريق بدعوى التهامها للجزء الأكبر من المصنع، وأن شدة لهيبها قد يشكل خطرا عليه فالخطر الذي يواجهه رجل المطافئ إنما يدخل في صميم عمله والتزامه السلبية الكاملة بدعوى أن لا طائل من تدخله إنما يعرضه للمسؤوليين التأديبية والجنائية

الشرط الثالث يقضى أن لا يكون الخطر قد تسبب فيه الفاعل عمدا، أي أن يوجد فيه من دون قصد كأن تشتعل النار في المطبخ، ولتفادي مزيد من الخسائر يقع إتلاف بعض منقولات الجار لإخماد الحريق

الشرط الرابع يتطلب أن تكون الجريمة هي الوسيلة الوحيدة لتجنب الضرر المترتب عن الخطر في المثال السابق، إذا كان للفاعل ما يخمد به القار دون اللجوء المنقولات الجار، اعتبر مرتكبا لجريمة غير مبررة.

 الشرط الخامس والأخير يستدعي أن يكون ما وقع التضحية به أقل مما استهدف المحافظة عليه أو مساويا له ولعل المثال البديهي الذي يعتمده الفقه الجنائي هو أسبقية حماية الحق في الحياة عن حماية حق الملكية هذا ويمكن أن نستخلص كآثار لحالة الضرورة، وفي حالة توافر كل الشروط المذكورة أنها ترفع الصفة الجرمية عن النشاط المرتكب، بحيث لا تقوم بنظرنا لا المسؤولية الجنائية ولا المدنية لانتفاء الركن القانوني للجريمة

مع ذلك، يبقى عبء إثبات حالة الضرورة، للاستفادة من تبرير الفعل والحصول على البراءة، على عاتق من يدعي ذلك، بحيث لا يمكن إعفاء الفاعل هنا من الإثبات بدعوى أن مشرع المسطرة الجنائية يمتعه بقرينة البراءة، لأن النيابة العامة كطرف مدع إنما ستعتمد في متابعتها على ما ضمن في المحضر من أفعال يجرمها القانون الجنائی،لیل غالبا ما تكون هذه الأفعال معترفا بها

3 – الدفاع الشرعي

يعتبر الدفاع الشرعي من أسباب التبرير والإباحة، بل من أهمها وأبرزها وضوحا، بحيث وكما مر معنا في الفصل 124 من مجموعة القانون الجنائي المغربي، لجوء الفاعل إلى ارتكاب الفعل المجرم إنما هو عبارة عن ردة فعل شرعية لحماية نفسه أو ماله أو لحماية نفس أو مال الغير ولعل خصوصية هذا السبب، مقارنة بالأسباب الأخرى التي مرت معنا، تتجلى في أنه يلتصق وبشكل طبيعي بغريزة الإنسان. ولذلك سمي بالدفاع الشرعي

كما سبق التذكير به مع حالة الضرورة، اعتبارا لما هي عليه الإرادة غير الحرة في إتيان الفعل، ولعله الصراع الفقهي الدائر بين النظرية الشخصية والنظرية الموضوعية والذي يطرح مع كل الإشكاليات التي يديرها إعمال قواعد ومؤسسات القانون الجنائي، فإننا هنا نفضل، السير وفق منطق المشرع نفسه الذي اعتبر الجريمة وكأن لم تكن، وليس فقط امتناع قيام المسؤولية الجنائية ولعل الأمر سيصبح متضحا مع تبيان الشروط التي يلزم توافرها سواء في فعل الاعتداء أو في فعل الدفاع،

الشروط المتعلقة بفعل الاعتداء

1- لا بد وأن يهدد الاعتداء النفس أو المال

 والملاحظ أن فعل الاعتداء لا يمكن أن يصل لمستوى التهديد إلا إذا طال النفس أو المال، وهي أمور بنظرنا تثير ردة الفعل بشكل طبيعي، حيت لا بد وأن يستهدف لدى المعتدى عليه ما يستشعره من ضروريات الوجود والعيش ولعله نفس منطق المشرع بالنسبة لحالة الضرورة مع بعض الاختلاف، حيت يختص الدفاع الشرعي بوجود اعتداء لذلك كان لا بد أن يقارب الفقه مفهوم النفس والمال بشكل موسع فالاعتداء الذي يهدد النفس يمكن أن يشمل الاعتداء على الحياة كما يمكن أن يقتصر على السلامة الجسدية أيضا، ليس هناك ما يمنع من أن يصبح الاعتداء المهدد للعرض مما يبرر الفعل إلى جانب المال

2- تم لابد وأن يكون خطر الاعتداء حالا

هنا، وكما هو الحال في حالة الضرورة، كان لابد من المشرع أن يسجل احتياطه ،وإن كنا هنا نقصد الفقه بالخصوص ،حتى لا يستغل أي شعور بالخطر لشرعنة كثير من التجاوزات أثبت الواقع أنها استغلت أسوء استغلال، وهو ما لا يمكن القبول به في مادة الإباحة التشريعية المكملة لمنطق التجريم التشريعي لا بأس أن نذكر بأن حلول خطر الاعتداء نفهمه بأن ليس هناك حائل يحول دون وقوعه، وإن كان في حقيقته الواقعية يعود لتقدير قاضي الموضوع، خصوصا والأمر قد يصبح ملتبسا شيئا ما مادام الحديث عن خطر الاعتداء وليس الاعتداء في حد ذاتها

مع ذلك نقول بأن حلول خطر الاعتداء يوازي كونه وشيك الوقوع، أي تواجد المعتدي في وضعية تؤشر وبشكل قوي على الرغبة المحسومة في الاعتداء كذلك يذهب الفقه إلى اعتبار وقوع الاعتداء فعلا مبررا للدفاع الشرعي شريطة عدم انتهائه. أما إذا بدأ فعلا وانتهى، سواء حصلت النتيجة المتوخاة أم لا، فلا يعود ما يبرر فعل الدفاع، إذ سيصبح هذا الفعل الأخير اعتداء جديدا يجرمه المشرع لكن قد تكون أمام وضعية يكون خطر الاعتداء فيها مستقبلا. هنا، احتمال وقوع الاعتداء من عدمه يعطى للمهدد كل الحظوظ لتفاديه، بحيث والحالة هذه، يسقط مفعول الأساس الذي يلقي عليه المشرع الجنائی تبرير مؤسسة الدفاع الشرعي

أما إذا كان الخطر وهميا، أي لا علاقة له بالواقع، فمن حيث المبدأ الجريمة قائمة ما لم يثبت الفاعل أن توهمه للخطر كان نتيجة غلط في حقيقة الواقعة، ويبين الأسباب الجدية التي كانت وراء ذلك ففي هذه الحال لا مناص من امتناع مساءلته لانتفاء الركن المعنوي للجريمة إذا لم يستطع أن يقدم دليل كافي، فيمكن للمحكمة أن تدينه بجريمة غير عمدية إن أمكن ذلك من حيث صور التكييف الممكنة

3- أخيرا، لا بد أن يكون الاعتداء غير مشروع

 لا تحتاج هذا العناء من أجل توضيح أهمية هذا الشرط فاستلزامه يدخل في صميم تصور شرعية فعل الدفاع لكن الواقع يجعلنا نواجه حالات قد تشكلت في إعمال هذا الشرط بشكل متيسر وهكذا عندما يكون ضابط الشرطة القضائية في مطاردة المشتبه به، خصوصا في جناية أو جنحة متلبس بها، لا يستطيع هذا الأخير أن يواجه هذه المطاردة كخطر – مشروع – يفعل الدفاع

 في نفس السياق، هناك من يطرح في هذه الحالة إشكالية تورط الضابط بالشطط في استعمال سلطته . بنظرنا المتواضع، يصعب من الناحية المنطقية والعملية كذلك أن نفتح الباب أمام مقاومة ممثلي السلطة العامة، فمهمتهم قد تستدعي في بعض الأحيان التدخل بالجدية المطلوبة لحفظ النظام العام تم هنالك آليات قانونية وقضائية تحصن المواطن ضد بعض تعسفات مؤتمنى السلطة العامة ومع ذلك، هناك من يسمح بالمقاومة في حدود ضيقة جدا، أي عندما يكون اعتداء المؤتمن ظاهر وجلي، وفي حدود الاحتماء الأتي مع مراجعة الآليات المذكورة

يبقى أنه، وحسب الفقه الجنائي، يمكن رد الاعتداء الصادر من مجنون وكذلك مواجهة من يتمتع بعذر ، كحالة رد عدوان الزوج أو الزوجة في حالة ضبطهما الخيانة بل يذهب الفقه إلى القول إلى شرعنة الدفاع ضد من يشتط في دفاع شرعی صحیح ونحن في هذه الحالات الأخيرة تفضل عمليات القضاء السلطة التقديرية بشأنها لأنها ملتبسة وحمالة لكثير من التأويل من حيث الواقع.

الشروط المتعلقة بفعل الدفاع

كان لا بد من مقاربة هذه الشروط بصفة مختلفة، قد نقول عنها متقابلة مع الشروط السالف ذكرها مع فعل الاعتداء وعليه فإن فعل الدفاع، كردة فعل، لا يمكن أن يكتسب الشرعية المطلوبة لإباحته، سوى من منطلق يحفظ للمنطق التشريعي نفس المقومات التي وقفنا عليها في باب التجريم، وإن كان موقفه هنا من أجل رفع الصفة الجرمية عن الفعل ليسترجع صفته الأصلية – أي الإباحة.. فعلة التجريم إنما تدور حول مقومين أساسيين:

الفعل في حد ذاته، أي ما يشكله من مساس بمصلحة اجتماعية تستوجب تدخل القانون الجنائي، وما يحدثه من اضطراب اجتماعی فعلی أو مفترض. لذلك كان من اللازم،ولإعمال هذا السبب من أسباب التبرير، وفي باب شروط فعل الدفاع، أن يكون فعل الدفاع لازما وضروريا لرد الاعتداء الشرط الأول-وكأننا أمام أحقية المهدد بالاعتداء بحماية نفسه، وأن يكون متناسيا مع خطورة الاعتداء الشرط الثاني، أي بدون تجاوز يسقط مفعول شرعية فعل الدفاع

– بخصوص الشرط الأول، لا بد للقاضي الجنائي ولكي يقف على ما يجسد اللزوم والضرورة لرد الاعتداء من عدم توافر إمكانية مراجعة المهدد بالاعتداء للسلطة العامة فالدفاع الشرعي، وكما يسميه بعض الفقه المقارن بالوجبة التي تؤكل ساخنة، لا يمكن أن يقوم منطقا أو قانونا من أجل تكريس فكرة الانتقام في المجتمع فطالما أمكن مراجعة الشرطة القضائية أو النيابة العامة من أجل تقديم شكاية للحيلولة دون وقوع الأعداء، لم يعد لفعل الدفاع ما يبرره، بحيث لا مناص من إرجاع حق التدخل للجهة الرسمية المكلفة به قانونا

يبقى الإشكال مطروحا بمدى إمكانية تحقق هذا الشرط في حالة ما إذا كان بإمكان المهدد بالاعتداء أن يلوذ بالفرار. هنا, لا بأس من التأكيد، ولعلها أطروحة ندافع عنها بكل موضوعية، على أن لكل بلد خصوصياته التي يستمدها من تاريخه وثقافته، بل ومن عراقة نظامه السياسي وحضارته فنخوة المغربي وكل المغاربة تجعلنا وبكل منطق نقول بقيام الدفاع الشرعي صحيحا ولو توافر المهدد بالاعتداء إمكانية الهرب. .

 أما فيما يرجع للشرط الثاني المتعلق بالتناسب، وفي إطار البحت عن تكريس القيم المجتمعية، لا يمكن ممارسة حق الدفاع الشرعي على فرض اعتباره كذلك بالإفراط والتجاوز ، بحيث لا بد للقضاء، وفي إطار السلطة التقديرية التي يتمتعون بها في هذا الباب، من إقصاء أي تعسف يمكن استغلال مؤسسة الدفاع الشرعي لتمريره. لكن تخوفنا من إضفاء الشرعية على التعسف في استعمال حق الدفاع الشرعي، لا يعني تقييد القضاء بتحقق التناسب الفعلي بين فعل الدفاع والاعتداء، بل يكفي أن يتحقق التناسب التقديري الذي يساءل كل قضية على حده

في الأخير لابد وأن نذكر بمقتضيات الفصل 125 من مجموعة القانون الجنائي المغربي حيث يعتبر المشرع الجريمة نتيجة الضرورة الحالة للدفاع الشرعي، وذلك في حالتين:

القتل أو الجرح أو الضرب الذي يرتكب ليلا لدفع تسلق أو كسر حاجز أو حائط أو مدخل دار أو منزل مسكون أو ملحقاتهما.

الجريمة التي ترتكب دفاعا عن نفس الفاعل أو نفس غیره ضد مرتكب السرقة أو النهب بالقوة


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!