أركان جريمة الإتجار بالبشر

أركان جريمة الإتجار بالبشر

أركان جريمة الإتجار بالبشر

لا بد من توفر أركان جريمة الإتجار بالبشر حتى يمكن مساءلة الفاعل عن ارتكابها، وهذه الأركان هي الركن الشرعي (القانوني)، والركن المادي، والركن المعنوي، فإن غاب أحد هذه الأركان، فلا مجال للقول بوجود جريمة أصلاً، ولا مجال للمسؤولية الجزائية، ولا تختلف جريمة الاتجار بالبشر عن غيرها من الجرائم، فهي الأخرى تستلزم وجود الركن الشرعي والمتمثل بالنصوص القانونية الواردة في الاتفاقيات الدولية والتشريعات الداخلية التي تجرم فعل الالتجار بالبشر،

 والركن المادي المتكون من الفعل أو النشاط الجرمي الذي يقوم به الفاعل أو الفاعلون لإبراز النتيجة الجرمية إلى حيز الوجود وعلاقة السببية بين الفعل والنتيجة الجرمية، والركن المعنوي المتمثِّل بالقصد العام المكوَّن من العلم والإرادة، إضافة إلى وجود قصد خاص تحتاجه هذه الجريمة وهو نية استغلال الضحية، إضافة إلى وجود ركن مفترض وهو أن يكون محل هذه الجريمة هو الإنسان الحي

وسنتناول فيما يلي أركان جريمة الاتجار بالبشر كلٌ على حدة، من خلال ما يلي:

الفرع الأول: الركن القانوني

الفرع الثاني: الركن المادي.

 الفرع الثالث: الركن المعنوي.

الفرع الأول: الركن الشرعي( القانوني)

من المبادئ الدستورية والقانونية الراسخة أنه )لا جريمة ولا عقوبة بدون نص قانوني(، وهو ما يعرف بشرعية الجرائم والعقوبات، ويقصد بالركن الشرعي  )القانوني(  للجريمة الصفة غير المشروعة التي يسبغها المشرع من خلال القانون، وخاصة قانون العقوبات والقوانين الجزائية الأخرى، على الفعل أو السلوك الذي صدر عن الفرد، فالجريمة عمل أو فعل أو سلوك غير مشروع يقرر له القانون عقوبة ما، ولذلك إذا لم يكن هناك نص من القانون يجرم هذا السلوك ويعاقب عليه فإنه يكون تصرفاً أو فعلاً مشروع ولا يجوز محاسبة مرتكبه.

ونظرا لأن جريمة الاتِّجار بالبشر قد ترتكب داخل حدود الدولة، كما أنها في الغالب تتجاوز الحدود الإقليمية للدولة مما يجعلها جريمةً )عابرة للحدود الوطنية(، لذلك فإن النصوص التي تجرِّم الاتّجار بالبشر لا تقتصر على القوانين الجنائية الداخلية، بل إنها تتجاوزها إلى النصوص الواردة في الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها الدولة والتي تجرم الاتِّجار بالبشر،

أولا : القوانين الوطنية التي تجرم الاتجار بالبشر

أصدر المشرع الأردني القانون رقم ) 9 لعام 2009 ( المتعلق بمنع الاتِّجار بالبشر وكان هذا شأن نظيره الكويتي الذي أصدر القانون رقم ) 91 لسنة 2013 ( المتعلق بمكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين حيث تشكِّل مواد القانون الأردني المشار إليه أعلاه الركن الشرعي لجريمة الاتِّجار بالبشر في الأردن، كما تشكِّل مواد القانون الكويتي المشار إليه أعلاه الركن الشرعي لجريمة الاتجار بالبشر في الكويت.

ثانيا : التفاقيات الدولية التي تجرم التجار بالبشر

حظرت اتفاقية الأمم المتحدة حول الجريمة المنظَّمة عبر الوطنية لعام 2000 أعمال الاستغلال او لاسترقاق التي تدخل في مفهوم الاتِّجار بالبشر، ويعد بروتوكول الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الاتِّجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال )باليرمو( لعام 2000 مكملاً لاتفاقية الأمم المتحدة حول الجريمة المنظَّمة عبر الوطنية، لذا يجب تفسيره مقترن بها،

وقد أشار البروتوكول المذكور في المادة الرابعة منه إلى أنه: “ينطبق هذا البروتوكول، باستثناء ما ينص عليه خلافاً لذلك، على منع الأفعال المجرمة وفقاً للمادة / 5 / من هذا البروتوكول، والتحري عنها وملاحقة مرتكبيها، حيثما تكون تلك الجرائم ذات طابع وطني وتكون ناشطة فيها جماعة إجرامية منظَّمة، وكذلك على حماية ضحايا تلك الجرائم”، كما نصت المادة الخامسة من البروتوكول المذكور على أنه: ” تعتمد كل – دولة طرف ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم السلوك المبين في المادة 3 من هذا البروتوكول، في حال ارتكابه عمدا.

تعتمد أيضا كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال التالية: –

أ- الشروع في ارتكاب أحد الأفعال المجرمة وفقاً للفقرة 1 من هذه المادة، وذلك رهن بالمفاهيم الأساسية لنظامها القانوني

ب-  المساهمة كشريك في أحد الأفعال المجرمة وفقاً للفقرة 1 من هذه المادة،

ج – تنظيم أو توجيه أشخاص آخرين لارتكاب أحد الأفعال المجرمة وفقاً للفقرة  1  من هذه المادة

وتشكِّل النصوص الواردة في هذا البروتوكول، وفي اتفاقية الأمم المتحدة حول الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 ، التي تجرِّم الأفعال التي تعد اتجارا بالبشر الركن الشرعي في جريمة الاتجار بالبشر العابرة للحدود الوطنية، إضافة إلى عدد من الاتفاقيات، نذكر منها اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة لعام 1979 ، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 ، وكان قد سبقهما الاتفاقية الدولية بحظر الاتجار بالأشخاص واستغلال دعارة الغير لعام1949

 ونذكر أخيراً البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بخصوص بيع الأطفال ودعارتهم والصور الخليعة لعام 2000 ، وقد صادقت كل من الكويت والأردن على هذه المواثيق الدولية.

الفرع الثاني: الركن المادي من أركان جريمة الإتجار بالبشر

يتجلى الركن المادي للجريمة في المظهر الذي تخرج فيه الجريمة إلى حيز الوجود وهو السلوك غير المشروع الذي يترتب عليه ضرر، فلا جريمة بدون سلوك مادي محسوس، لأنه بغير ذلك لا يحدث إخلال بنظام المجتمع، ولا تمس المصالح الجديرة بالحماية، ويقدم الركن المادي الدليل على وقوع الجريمة والتعرف على مرتكبيها، ويتكون الركن المادي من النشاط الإجرامي أو الفعل )العمل أو الامتناع(، والنتيجة الجرمية، وعلاقة السببية بينهما

أولا : النشاط الإجرامي

عدد المشرع الأردني في قانون منع الاتِّجار بالبشر الأفعال التي يتمثَّل بها النشاط الإجرامي المكوِّن للفعل المادي لجريمة الاتِّجار بالبشر، وهي استقطاب أشخاص، أو نقلهم، أو إيواؤهم، أو استقبالهم، أما المشرع الكويتي فقد أضاف تجنيد الأشخاص إلى استخدامهم أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بالإكراه

ثانيا: الوسيلة المستخدمة

عدد المشرعان الأردني والكويتي الوسائل التي يستخدمها الجناة لتنفيذ جريمة الاتِّجار بالبشر وهي:

التهديد بالقوة أو استعمالها، أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف، أو الاحتيال، أو الخداع، أو استغلال السلطة، أو استغلال حالة ضعف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية،

وأضاف المشرع الأردني أن لا يشترط أن يقترن الاستغلال بالقوة أو بالتهديد باستعمالها ما دامت الضحية دون الثامنة عشرة من العمر، وكما هو واضح فإن الوسائل المذكورة تعدم رضى الضحية أو تؤثر على الرضا حتى يكاد يبدو معدوماً، وذلك عن طريق صور شتى من الإكراه المادي والمعنوي أو التضليل والخداع،

ورغم ذلك فإن المشرعان الكويتي والأردني لم يعتدا برضى الضحية في جرائم الاتِّجار بالبشر لأن ” موافقة ضحية الاتِّجار بالبشر لا تكون محل اعتبار … ذلك أن دور الإرادة لا يقف عند تحريك السلوك الإجرامي، بل يتجه نحو تحقيق النتيجة كونها نتيجة ضغط من قبل الجاني يباشره على إرادة الضحية، لجعله يرتكب جريمة معينة تحت تأثير الخوف مستغلاً ظروفه الاجتماعية والاقتصادية وغيرها

ثالثا: الربح المادي أو المنفعة

إن موضوع النشاط الإجرامي في جريمة الاتِّجار بالبشر، هو تحقيق المنفعة المادية أو الربح المادي، على نحو ما عبر عنه المشرع الأردني في المادة الثانية من قانون منع الاتِّجار بالبشر الأردني لسنة 2009 ، عندما عرَّف الجماعة الإجرامية بأنها: ” جماعة مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف ارتكاب فعل أو أكثر من الأفعال المجرَّمة وفق أحكام هذا القانون من أجل الحصول بشكل مباشر أو غير مباشر على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى

وهو ذات التعريف الوارد في قانون مكافحة الاتِّجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين الكويتي رقم 91 لسنة 2013 ، ولا يشترط لتحقيق النشاط الجرمي أن يكون الحصول على المنفعة حالَّاً، بل يجوز أن يكون مستقبلاً، ويكفي مجرد الوعد بالمنفعة المادية، ”

وبالرجوع إلى نص المادة  3من البروتوكول أي بروتوكول الأمم المتحدة الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الاتِّجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال لعام 2000 نجد أن النص قد بدا خالياً من تحديد مقابل القيام بالفعل الجرمي المك وِّن للركن المادي لجرائم الاتجار بالبشر، وفي رأينا نجد أن هذا يعزى إلى أن اصطلاح )الاتجار( مشتق من المتاجرة وهذه الأخيرة معناها القيام بعمل تجاري، والعمل التجاري هو العمل أو النشاط الذي يهدف من وراؤه الشخص تحقيق الربح والكسب

وما دمنا نتحدث عن الركن المادي في جريمة الاتِّجار بالبشر، فينبغي أن نذكر أن بروتوكول الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الاتِّ جار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال )باليرمو( لعام 2000، قد ألزم في المادة الخامسة منه الدول الأطراف باعتماد ما يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم الأفعال الآتية:

– الشروع في ارتكاب الأفعال المجرمة ….. – المساهمة كشريك في أحد الأفعال المجرمة  … – تنظيم أو توجيه أشخاص آخرين لارتكاب أحد الأفعال المجرمة

إلا أن المشرعان الكويتي والأردني لم يوردا في القوانين الخاصة بمكافحة الاتّجار بالبشر، أحكاماً خاصة تتعلق بعقاب الشروع في جريمة الاتِّ جار بالبشر، ولذلك فيرجع إلى القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات لكل من الكويت والأردن، عندما يتعلق الأمر بالشروع بهذه الجريمة.

الفرع الثالث: الركن المعنوي من أركان جريمة الإتجار بالبشر

تعد جريمة الاتِّجار بالبشر في القانون الكويتي، والقانون الأردني من الجرائم المقصودة، ويتمثَّل الركن المعنوي فيها في توافر القصد الجنائي العام، وعناصره العلم والإرادة، فالعلم هو الحالة الذهنية التي يكون عليها الجاني وقت ارتكاب الجريمة، فيجب أن يكون الجاني عالماً بطبيعة الفعل وبطبيعة النتيجة وبالظروف التي تدخل في تكوين الجريمة، وأن تتجه إرادته نحو تحقيق عناصر الجريمة

فالجاني يجب أن يعلم بطبيعة فعله والذي هو استقطاب الأشخاص، أو نقلهم، أو إيواؤهم، أو استقبالهم، أو تجنيدهم أو استخدامهم، وبمحل الفعل وهو الإنسان الحي )ضحية جريمة الاتِّجار بالبشر(، وبطبيعة الوسيلة التي يستخدمها والتي قد تكون قسرية كاستعمال القوة أو التهديد باستعمالها أو استخدام العنف، أو تكون وسيلة غير قسرية كاستغلال الجهل أو الضعف أو الخداع،

 كما يجب أن يعلم الجاني بوجود مقابل للفعل الذي يقوم به، والمتمثل بالمنفعة المادية أو المالية، وأن تتجه  إرادة الجاني لتحقيق ذلك

إن ما يميز جريمة الاتِّجار بالبشر أنه لا يكفي فيها القصد الجنائي العام المتكِّون من العلم والإرادة فقط، بل لا بد إضافة إلى ذلك من توافر قصد جرمي خاص، وهو ما عبَّر عنه المشرعان الكويتي والأردني بغرض استغلال الضحايا، الذي يشمل استغلال الأشخاص في العمل في الدعارة أو أي شكل من أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراً أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو نزع أعضاء من الجسد

 كذلك فإن بروتوكول الأمم المتحدة المتعلق بمنع وقمع ومعاقبة الاتِّجار بالأشخاص وبخاصة الأطفال لعام 2000 ، نص على القصد الخاص في الجريمة الاتِّجار بالبشر وهو غرض أو غاية الاستغلال وأورد البروتوكول المذكور ذات الأمثلة المذكورة في القانونين الأردني والكويتي عن استغلال الأشخاص، ويعد ذلك أمرا طبيعياً لأن القانونين المذكورين قد اخدا نصوصهما من البروتوكول المذكور.

 تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا

 


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!