أركان المسؤولية العقدية

أركان المسؤولية العقدية

أركان المسؤولية العقدية

أركان المسؤولية العقدية ثلاثة, أولها خطأ في جانب المدين يتمثل في عدم تنفيذه للالتزام الناشئ عن عقد صحيح ( المبحث الأول )، والركن الثاني ضرر لحق الدائن جراء هذا الخطأ ( المبحث الثاني ) أما الركن الثالث فيكمن في علاقة سببية بين الخطأ والضرر (المبحث الثالث)

المبحث الأول: الخطأ العقدي كركن من أركان المسؤولية العقدية

نتناول في هذا المبحث تعريف الخطأ العقدي وشروطه وكيفية تقديره

المطلب الأول: تعريف الخطأ العقدي

الخطأ العقدي كركن من أركان المسؤولية العقدية هو عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه الناشئ عن العقد، أو تأخره في الوفاء به ( الفصل 263 من ق ل ع ) أو يكون تنفيذه الالتزام معيبا وبطريقة تختلف عن الطريقة التي حددها العقد المنشئ للالتزام (242 من ق ل ع ) وسواء حصل ذلك عن عمد أو إهمال.

وهو ما نص عليه بشكل غير صريح الفصل 263 من ق ل ع والذي جاء فيه ما يلي: ” يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام، وإما بسبب التأخر في الوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين”

وعليه فالخطأ العقدي قد يكون عمديا متى تعمد المدين عدم تنفيذ التزامه وقصد بذلك الإضرار بالدائن، كما قد يكون وليد إهمال وعدم تبصر، وفي الحالتين معا تنشأ المسؤولية العقدية للمدين المخطئ أيا كانت درجة هذا الخطأ، وإن كانت أحكام المسؤولية تختلف بحسب طبيعة الخطأ. فالمدين سيء النية الذي يتعمد الإخلال بالتزامه العقدي أو يرتكب خطأ جسيما يعامل معاملة أشد مما يعامل به المتعاقد المخل بالالتزام عن حسن نية ولمجرد إهماله وعدم تبصره ( الفصل 232 من ق ل ع ) كما أن المحكمة تقدر التعويض بكيفية مختلفة حسب خطأ المدين وتدليسه (الفصل 264 من ق ل ع )

المطلب الثاني: شروط الخطأ العقدي

لكي نكون أمام خطأ عقدي يلزم توافر شرطين اثنين:

أولا: أن يتحقق عدم تنفيذ الالتزام كليا أو جزئيا أو يكون التنفيذ معيبا أو متأخرا على النحو السابق بيانه، ومثال ذلك مسؤولية المقاول عن عدم تشييده للمبنى المتفق عليه، أو تشييده بمواصفات معيبة أو ناقصة، أو عدم تسليمه للمبنى إلا بعد فوات الميعاد المحدد.

ثانيا: أن يكون الإخلال في تنفيذ الالتزام ناتجا عن خطأ المدين أو خطأ شخص من الغير يستخدمه المدين في تنفيذ التزامها حيث يسأل المدين في هذه الحالة مسؤولية عقدية عن فعل الغير الذي يكلف من جانبه في القيام بتنفيذ التزامه. فالمقاول مثلا يكون مسؤولا عن خطئه كما يسأل عن خطأ عماله، وكذا خطأ المقاول من الباطن الذي يتولى تنفيذ بعض عناصر الصفقة فارتكاب هذا الخطأ بمناسبة تنفيذ العقد من طرف من يستخدمهم المدين هو الذي يجعل مسؤوليته عقدية وليست تقصيرية.

هذا ويكون المدين مسؤولا مسؤولية عقدية عن عدم تنفيذ التزامه العقدي حتى لو كان ذلك راجع إلى فعل شيء تحت حراسته واستعمله في تنفيذ التزامه وحصل تدخل من هذا الشيء تدخلا إيجابيا في وقوع الضرر بأن كان هو أداة الضرر، كحالة انفجار قنينة غاز بسبب عيب في الصنع، وحالة الرياضي الذي يتعرض للإصابة أثناء مزاولته تمارين رياضية داخل القاعة.

المطلب الثالث: تقدير الخطأ العقدي

يختلف المعيار المعتمد لتقدير الخطأ العقدي حسب طبيعة الالتزام الناشئ عن العقد، وما إذا كان التزام بتحقيق نتيجة أو التزام ببذل عناية.

ففي الالتزام بتحقيق نتيجة لا تبرأ ذمة المدين إلا بتحقيق النتيجة محل الالتزام، ومثال ذلك التزام البائع بنقل المكية وتسليم الشيء المبيع، والتزام الناقل بنقل المسافر وإيصاله للمكان المتفق عليه.

ففي هذه الالتزامات وأمثالها تكون النتيجة مقصودة لذاتها، ولا يمثل النشاط الذي يبذله المدين لتحقيقها إلا وسيلة ليست هي محل الالتزام. فإذا لم تتحقق النتيجة كان المدين مسؤولا حيث يسمح ذلك بافتراض الخطأ في جانبه دون حاجة إلى قيام الدائن بإثباته، إذ يكفي هذا الأخير أن يثبت عدم تحقق النتيجة المتفق عليها، ولا يعفي المدين من المسؤولية إلا بإثباته أن هناك سبب أجنبي عنه حال دون تحقق النتيجة.

أما الالتزام ببذل عناية أو بوسيلة فمحل الالتزام فيه ليست النتيجة بل النشاط الذي يتعين على المدين بذله والذي يؤدي عادة إلى تحقيق النتيجة المرجوة؛ فالطبيب مثلا لا يلتزم بشفاء المريض (وهي النتيجة المرجوة والتي تبقي أجنبية من محل الالتزام العقدي) وإنما يلتزم فقط ببذل كل الوسائل الطبية والعلمية المتوخاة من أجل علاجه، فإذا لم يشف المريض رغم بذله كل المجهودات المتطلبة طبيا، فإن ذلك لا يعني أن الطبيب لم ينفذ التزامه إذ أنه لم يلتزم بشفائه، وما على المريض في هذه الحالة إلا أن يثبت أن الطبيب لم يبذل العناية المطلوبة في العلاج او المتفقة مع الأسس العلمية المستقرة والذي يبذلها عادة الطبيب اليقظ.

وعليه فالعناية المطلوبة في هذا الالتزام هي في الأصل عناية الشخص المعتاد المتبصر ما لم يقض الاتفاق أو نص القانون على خلاف ذلك، أي أن المعيار المعتمد لقياس مدى تنفيذ المدين لالتزامه ببذل عناية هو معيار موضوعي حسب الأصل، وليس معيارا شخصيا ينظر إلى العناية التي يبذلها المدين عادة في تدبير شؤونه الخاصة.

مما تقدم يتبين الفرق الذي يوجد على مستوى إثبات مسؤولية المدين بين الالتزام ببذل عناية والالتزام بتحقيق نتيجة. فالمسؤولية العقدية للمدين تتحقق في الالتزام بنتيجة ولو لم يثبت الدائن خطة المدين، إذ يكفيه أن يثبت أن النتيجة المتفق عليها لم تتحقق ليفترض الخطأ في جانب المدين، ولا يستطيع هذا الأخير أن يتحلل من المسؤولية إلا إذا أثبت أن الضرر راجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه، كما لو أثبت الناقل في عقد النقل أن الضرر الذي لحق المسافر راجع إلى خطأ هذا الأخير أو قوة قاهرة، مما يعني أن عبء الإثبات في هذا النوع من الالتزام يقع على عاتق المدين.

اما في الالتزام ببذل عناية فإن الدائن ( كالمريض في العقد الطبي ) لا يستطيع مساءلة المدين (كالطبيب في نفس المثال ) إلا إذا أثبت خطا في جانب هذا الأخير المتمثل في عدم بذل العناية المطلوبة مما يعني أن مسؤولية المدين العقدية في الالتزام ببذل عناية تقوم على خطا واجب الإثبات، مما يعني أن عبء الإثبات في هذا النوع من الالتزام يقع على عاتق الدائن.

المبحث الثاني: الضرر كركن من أركان المسؤولية العقدية

لكي تتحقق مسؤولية المدين العقدية يتعين أن يلحق الدائن ضرر ناشئ عن إخلال المدين بالتزامه العقدي. فالخطأ العقدي كركن من أركان المسؤولية العقدية إذا لم يترتب عنه ضرر فلا مجال لإعمال قواعد المسؤولية العقدية. وهو ما يقتضي تعريف الضرر وشروطه وكيفية إثباته.

المطلب الأول: في تعريف الضرر

الضرر هو “ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالتزام” (الفصل 264 من ق ع)

فالضرر إما يكون ماديا يصيب المضرور في جسمه أو ماله مما يشكل خسارة حقيقية له، كالراكب الذي يصاب بأذى في جسمه أثناء النقل، أو عند ضياع أمتعته أو التأخير في تسليمها.

وقد يكون الضرر معنويا لا يمس الدائن في ماله أو في جسمه وإنما يمسه في جانب غير مالي، كالشعور، والعاطفة، والكرامة, ومثال ذلك الطبيب الذي يفشي سرا يخص مريضه، والمسافر الذي يحصل له تشويها إثر إصابته بجروح أثناء عملية النقل، وكالمودع الذي يفقد لوحة فنية إثر امتناع المودع عنده عن ردها له وتكون بالنسبة للمودع ذات قيمة معنوية.

وقد يشكل الضرر بالنسبة للدائن فوات كسب، والمقصود به أن يفوت المدين بخطئه على الدائن كسبا محققا ومؤكدا سواء كان حالا أو مستقبلا، كأن يتسبب منظم لنشاط فني في إصابة فنان تعاقد معه وذلك أثناء عرضة لوحة فنية، مما حرمه من المشاركة في حفل فني كان مبرمجا مع منظم آخر، وهو ما فوت عليه كسبا محققا .

المطلب الثاني: شروط الضرر وإثباته

أولا : شروط الضرر

يشترط في الضرر الموجب للتعويض في المسؤولية العقدية أن يكون محققا ومباشرا ومتوقعا.

1- أن يكون الضرر محققا

يشترط في الضرر الذي يلحق الدائن المتعاقد أن يكون محققا لا محتملا. والضرر المحقق إما أن يكون حالا، أي وقع بالفعل، أو كان محقق الوقوع في المستقبل، كما لو أصيب راكب كان يمتطى حافلة للركاب إصابة سببت له عاهة مستديمة جعلته عاجزا عن العمل طوال حياته، إذ يكون له الحق في التعويض عن الضرر الذي سيصيبه حتما في المستقبل من جراء هذا العجز

أما إذا لم يكن الضرر محقق الوقوع في المستقبل وإنما محتمل فحسب، فلا يكون للدائن الحق في التعويض عنه إلا إذا تحقق. وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) ما يلي:

” إن الضرر الذي يحق للشخص أي يطالب برفعه … هو الضرر المحقق بأن يكون قد وقع فعلا أو وقعت أسبابه وترامت آثاره إلى المستقبل، ولا عبرة لدى القاضي بالضرر الاحتمالي المبني على الوقائع التي قد تقع وقد لا تقع”.

هذا ويجب التمييز بين الضرر المحتمل وبين الضرر الناتج عن تفوت فرصة على المدين، ومثال ذلك تفويت فرصة على المدعي بربح الدعوى في مرحلة الاستئناف كنتيجة مؤكدة لتقصير المحامي في الطعن بالاستئناف داخل الأجل المحدد. ففي مثل هذه الحالة يستحق المدعي التعويض عن تفويت فرصة كسب الاستئناف بالقدر الذي كان يحتمل فيه أن يكسبه.

2 – أن يكون الضرر مباشرا

الضرر المباشر هو الذي يكون نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو التأخر في الوفاء به، ومثال ذلك أن يخل المكري بالتزامه العقدي في ترميم الشقة المكتراة في الموعد المتفق عليه، فيضطر المكتري إلى إخلائها قبل انقضاء مدة الكراء ويقدم على كراء شقة جديدة مشابهة بسومة كرائية أعلى، وأثناء عملية الرحيل تصاب مفروشاته بالتلف، كما يصاب بمرض معه جراء وجود میكروب في الشقة الجديدة.

فالفرق بين السومتين الكرائيتين للشقتين هو الضرر المباشر الذي يستطيع المكتري المطالبة بالتعويض عنه باعتباره نتيجة طبيعية لعدم وفاء المكري بالتزامه، في حين أن ما لحق المكتري من أمراض يعتبر ضررا غير مباشر لا يكون المكري ملزما بالتعويض عنه لانتفاء علاقة السببية بينه و بين الخطأ الذي ارتكبه.

3- أن يكون الضرر متوقعا

يلزم في الضرر المباشر أن يكون متوقعا، وهو الضرر الذي يمكن توقعه عادة عند إبرام العقد، أما الضرر غير المتوقع فلم تنصرف إليه ارادة المتعاقدين، وبالتالي لا تعويض عنه على خلاف المسؤولية التقصيرية التي يعرض فيها عن الضرر المباشر حتى لو كان غير متوقع

وهذا ويجب لاعتبار الضرر متوقعا أن يتوقعه الشخص العادي في مثل الظروف الخارجية التي وجد فيها المدين وقت التعاقد، أي أن المعيار المعتمد لتقدير الضرر المتوقع هو معيار موضوعي لا ينظر إلى الضرر الذي يتوقعه المدين بالذات. فلو أن شركة نقل البضائع لم يتم إخطارها بالمحتويات الثمينة لطرد معين، وتعرض هذا الأخير للضياع فإن الشركة لا تكون مسؤولة سوى عن القيمة المعتادة و المألوفة للطرود، لا القيمة الحقيقية طالما أن الشركة لم يكن بمقدورها أن تتوقع وجود هذه الأشياء الثمينة في الطرد، وهو نفس الموقف والسلوك الذي سيتخذه شخص عادي متوسط الفطنة والتبصر في مثل هذه الحالة

ثانيا: إثبات الضرر

القاعدة أن إثبات الضرر يقع على عاتق الدائن لأنه هو الذي يدعيه، ولا يفترض وجود الضرر لمجرد كون المدين أخل بتنفيذ التزامه العقدي حتى لو كان التزاما بتحقيق نتيجة، إذ قد لا ينفد المدين التزامه ومع ذلك لا يصيب الدائن أي ضرر جراء ذلك

المبحث الثالث: علاقة السبيية كركن من أركان المسؤولية العقدية

لا يكفي لقيام مسؤولية المدين العقدية حصول الضرر للدائن بل لابد من وجود علاقة سبية بين خطأ المدين والضرر بأن يكون هذا الأخير ناشئا مباشرة عن الخطأ.

وعلاقة السببية هي الركن الثالث من أركان المسؤولية، وهو ركن مستقل عن الخطأ، إذ قد يكون هناك خطأ من المدين، كما قد يكون هناك ضرر أصاب الدائن دون أن يكون ذلك الخطأ هو سبب الضرر. ومثال ذلك أن يتعهد تاجر بتوريد سلعة من الخارج ثم يصدر قرارا حكوميا بمنع استيراد هذه السلعة، فبالرغم من أن خطأ المدين التاجر ثابت بمجرد عدم قيامه بتحقيق النتيجة (توريد السلعة) وعلى الرغم من أن الدائن لحقه ضرر جراء عدم توريد التاجر المتعهد للسلعة المتفق عليها، فإن مسؤولية التاجر لا تتحقق لانتفاء علاقة السببية بين خطئه والضرر وذلك لحدوث سبب أجنبي يتمثل في القرار الحكومي المانع لاستيراد السلعة مثل التزامه العقدي والذي يشكل قوة قاهرة طبقا للفصل 269 من ق ل ع.

والأصل أن عبء إثبات علاقة السببية يقع على عاتق الدائن المطالب بالتعويض، ومتى أثبت أن الضرر الذي لحقه ناشئ (أو ينشأ عادة) عن عدم تنفيذ المدين لالتزامه العقدي، فإن على المدين نفي علاقة السببية بإثباته أن الضرر راجع إلى سبب أجنبي لايد له فيه، كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو خطأ الدائن أو خطأ الغير ممن لم يحل محله في تنفيذ العقد.

وهذا و يختلف تقدير العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر من حالة الأخرى أخذا بعين الاعتبار حسن نية المدين أو سوء نيته وهو ما يسهل أيضا تحديد التعويض المستحق للدائن.

تذكر أنك حملت هذا المقال من موقع Universitylifestyle.net

لمناقشة المقال فى صفحة الفايسبوك اضغط هنا


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!