القتل العمد

إن القتل العمد هو المنصوص عليه في القانون الجنائي المغربي في الفصل 392 من م.ق.ج. الذي يقضي بما يلي: “كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا”.

ويلاحظ أن هذا الفصل عرف القاتل ولم يعرف القتل ، والقتل في اصطلاح بعض الفقهاء هو: “إزهاق روح إنسان بفعل إنسان أخر بغير وجه حق”، وهو في رأي البعض الآخر: “كل فعل أو امتناع محرم صادر عن إنسان لإزالة حياة إنسان آخر خلافا للقانون” فلجريمة القتل العمد ركنين أساسيين بحيث يتضمن الفصل 392 من م. ق. ج. أركان جريمة القتل العمد التي هي: الركن المادي والقصد الجنائي أو الركن المعنوي.

الركن المادي

يتكون الفعل المادي لجريمة القتل العمد، التي هي من جرائم النتيجة، من: نشاط يقوم به الفاعل، ونتيجة إجرامية، وعلاقة سببية:

1- نشاط يقوم به الفاعل

تتحقق جريمة القتل بنشاط يقوم به الفاعل بهدف القضاء على شخص، ولا ترتكب هذه الجريمة بمجرد النية الكامنة في ذهن الشخص؛ فالفصل 392 استعمل عبارة عامة وهي “من تسبب عمدا في قتل غيره”، وذلك للتعبير على أن أي نشاط أتی به الفاعل يكون الركن المادي لجريمة القتل العمد ما دام قد نجم عنه إزهاق روح الضحية، لا فرق بين أن تكون الأداة أو الوسيلة المستعملة كافية بطبيعتها لإزهاق الروح أم لا؛ فالسلاح الناري والسلاح الأبيض والحرق والخنق كلها أفعال قاتلة بطبيعتها وقد تكون الوسيلة غير قاتلة بطبيعتها ومع ذلك نكون بصدد قتل عمد إذا ضرب شخص آخر بعصا بنية قتله فمات، أو إذا ضربه بقبضة يده على رأسه بنية إزهاق روحه فمات.

والعمل الذي يحدث الموت يكون إما ماديا أو معنويا، مثال العمل المعنوي من يخبر شخصا مريضا أو مسنا بنبأ فاجع بقصد قتله، وقد اختلف الفقه بصدد الفعل المعنوي، فهناك من رفضه بسبب صعوبة إقامة الدليل على توافر العلاقة السببية التي لابد منها بين النشاط المعنوي وبين الوفاة، وهناك من يرى بأنه لا مانع من الاعتداد بالنشاط المعنوي في الحالات التي يمكن فيها إقامة الدليل على توافر هذه الرابطة.

ويمكن تفسير الفصل 392 بأنه يساير الرأي الأخير بدليل أنه استعمل عبارة عامة تمكن من إدخال الفعل المعنوي. وتجدر الإشارة إلى أنه يتعين أن يقع الفعل على إنسان في غير ميت، ذلك أن الشخص لا يمكن مؤاخذته بقتل جثة هامدة.

2 – نتيجة إجرامية

يفهم من النتيجة الإجرامية في القتل العمد إزهاق روح إنسان، أما قتل الجنين في بطن أمه فيعتبر جريمة مستقلة وهي الإجهاض، المنصوص عليه وعلى عقوبته في الفصل 449 من م. ق. ج.، مما يستدعي تعيين الحدود الفاصلة بين الإجهاض والقتل.

فالفقه السائد يرى أن الأحكام المتعلقة بالقتل تبتدئ من المخاض أي باستعداد الجنين للخروج من الرحم، وقبل هذه المرحلة فإن النص المتعلق بالإجهاض هو الذي يطبق، والقانون المغربي تبني هذا الرأي في قتل الوليد المنصوص عليه في الفصل 397، والوليد يشمل الطفل منذ بداية ولادته، فهذا الفصل لا يشترط انفصال الطفل كليا عن جسم أمه.

3 – العلاقة السببية

أي أن ينجم عن فعل الجاني إزهاق روح الضحية مباشرة، أما إذا انعدمت هذه الرابطة فلا ينسب للشخص قتل ، فالذي يرمي غريمه نارا ويصيبه، ويتوفي أحد الأشخاص الذين شاهدوا هذه الجريمة بسبب مرض يعاني منه وهو مرض تمدد الأوعية الدموية ، لا يكون مرتكبا للقتل، لأن وفاة هذا الشخص لم تنجم مباشرة عن نشاط الفاعل”.

والعلاقة السببية قد تكون واضحة عندما يستعمل الفاعل وسائل قاتلة تسبب فورا في قتل الضحية، كحالة طعن الضحية بخنجر في قلبه وموته، إلا أن هذه الحالة قد تكون غامضة عندما تشترك أسباب أجنبية مع نشاط الفاعل في إزهاق روح الضحية، كأن يكون الضحية مريضا أو أن الأداة المستعملة كانت مسمومة، أو أن الضحية أهمل علاج نفسه، فما الحل هنا؟

لقد اختلف الفقهاء إلى مذاهب منهم من أخذ بنظرية تكافؤ الأسباب ، ومنهم من أخذ بنظرية الهيمنة ، ومنهم من تبنى نظرية السبب الملائم.

نظرية تكافؤ الأسباب

ترى هذه النظرية أن جميع الأسباب التي تدخلت بين الفعل والنتيجة، فأحدثت هذه الأخيرة تعتبر متكافئة ومتعادلة في قيمتها.

نظرية الهيمنة

يقول أصحاب هذه النظرية أن الأسباب غير متكافئة، لذا يتعين في نظرهم، أخذ السبب الذي يفوق الأسباب الأخرى، ويلقون على صاحبه المسؤولية.

نظرية السبب الملائم

 يرى أتباع هذه النظرية أن الفعل يعتبر سببا قانونيا الإحداث النتيجة الإجرامية إذا كان الناس قد ألفوا أن يروا عادة أن هذا الفعل يحدث هذه النتيجة

و يتعين في ظل القانون المغربي عدم التقيد بأية نظرية من هذه النظريات، وإنما ينبغي ترك أمر استنباط العلاقة السببية لقاضي الموضوع يبحث عنها في كل قضية حسب وقائعها وملابساتها معتمدا على كافة الوسائل المفيدة من خبرة طبية مع وجوب ذكر ما ثبت لديه من وقائع في الحكم لأن ذلك يدخل في التعليل الواجب في الأحكام.

القصد الجنائي أو الركن المعنوي

إن القصد الجنائي هنا هو توافر النية الإجرامية لدى الفاعل في الوقت الذي يزهق فيه روح غيره، أي لابد من تحقق القصد العام، الذي هو توجيه الفاعل إرادته إلى القيام باعتداء ضد غيره مع العلم بحقيقة ما يقدم عليه، والقصد الخاص الذي يعني أن الفاعل أراد من ذلك الاعتداء إزهاق روح ضحيته.

وعليه فإننا لا نكون بصدد القتل العمد في إحدى الحالات التالية:

– عندما يقوم الفاعل بالاعتداء على شخص إنسان دون أن تتوفر لديه نية قتله.

– عندما يقوم بالفعل دون توجيه إرادته إليه، كأن يمس عرضا زناد بندقيته وتنطلق الرصاصة فتصيب أحد الأشخاص وتزهق روحه.

– إذا ارتكب الفاعل القتل عن قصد مع جهل بالواقعة التي وجه إليها نشاطه كالصياد الذي يطلق النار على شبح ظانا أنه حيوان، فإذا به إنسان.

أما عندما توجد نية القتل لدى الفاعل، ولكن دون تحديد لشخص معين، كأن يلقي النار على مجموعة من خصومه بنية قتل من تصيبه الرصاصة منهم، فلا شك هنا أن الركن المعنوي قائم.

كما يتوافر الركن المعنوي عندما يريد الفاعل قتل شخص معين ويخطئ فيقتل غيره، كما إذا أطلق الرصاص على خصمه ولكن أخطأته الرصاصة وأصابت غيره، وأزهقت روحه، ذلك أن الفصل 392 يسع لهذه الحالة

هذا، ويعتبر توافر النية الإجرامية مسألة دقيقة يرجع أمر البت فيها إلى قاضي أو القرائن والظروف والملابسات المحيطة الموضوع معتمدا في ذلك على الاعتراف بالقضية، وهو يقوم بذلك بكل حرية من دون رقابة عليه من قبل محكمة النقض إلا ما تعلق بالتعليل.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!