التراضي

أركان العقد – ركن التراضي

مفهوم التراضي :

يتعين لوجود التراضي أن يعبر كل شخص عن إرادته في إحداث الأثر القانوني المرغوب فيه من العلاقة التعاقدية التي تربطه بالشخص الأخر وأن تتطابق إرادتهما, فما معنى التعبير عن الإرادة؟ وكيف يتم هذا التعبير؟

يقصد بالتعبير عن الإرادة الإفصاح عن مكامن النفس بما يفيد انعقاد العزم على إجراء العملية القانونية محل التعاقد, وبالرجوع لقانون الالتزامات والعقود, يتضح أن المشرع المغربي لم يحدد شكلا خاصا للتعبير عن الإرادة, وبالتالي قد يتخذ التعبير عن الإرادة شكلا صريحا لا يدع مجال للشك في نية المتعاقد وقد تستخلص من ظروف وملابسات التعاقد.

التعبير الصريح عن الإرادة :

التعبير الصريح عن الإرادة هو الذي يعكس إدارة صاحبه بطريقة  مباشرة ومن غير حاجة لإعمال الفكر أو الاستنتاج, ويتم هذا التعبير باللفظ أو الكتابة أو الإشارة المتداولة عرفا, وقد يتم التعبير الصريح عن الإرادة باتخاذ موقف معين لا تدع ظروف الحال شك في دلالته على الحقيقة المقصودة, كأن يعرض التاجر مثلا سلعته ويكتب عليها ثمنها.

التعبير الضمني عن الإرادة :

التعبير الضمني هو الذي يدل على الإرادة بطريقة غير مباشرة بعد إعمال الفكر في الاستنتاج و التفسير , فالإرادة الضمنية تستنبط من ظروف وملابسات الحال, مثلا يعتبر استقرار المكتري بالعين المكتراة بعد انتهاء مدة الكراء قبولا ضمنيا لتمديد عقد الكراء ونفس الشيء للعامل الذي يستمر في العمل رغم انتهاء عقد الشغل, فهو تعبير ضمني على رغبته في تمديد عقده.

إذا كان الأصل أن تتوافق الإرادة الظاهرة مع الإرادة الباطنة للمتعاقد, فإنه في بعض الحالات تختلف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الحقيقية التي دفعت صاحبها للتعاقد بسبب سوء التعبير أو الفهم المغلوط للأشياء, كما لو عرض تاجر سلعة وكتب عليها ثمنا خاطئا, وهو يقصد بيعها بثمن أعلى منه, فما الحكم في هذه الحالة إذا صدر قبول من احد الزبناء بشرائها بالثمن المكتوب عليها.

دعما لاستقرار المعاملات فإن المشرع المغربي لا يعتد إلا بالإرادة الظاهرة لأن الإرادة الباطنية من الأمور التي يتعذر كشفها و الوصول إليها في غالب الحيان, إذ جاء في الفصل 461 من قانون الالتزامات و العقود ما يلي : إذا كانت ألفاظ العقد صريحة امتنع البحث عن قصد صاحبها.

طرق حصول التراضي :

المبحث الأول : الإيجاب :

المطلب الأول : مفهوم الإيجاب :

ينعقد العقد بصدور إيجاب من احد الأطراف يستتبعه قبول من المتعاقد الآخر واقترانهما, ويقصد بالإيجاب العرض الذي يقدمه احد الأشخاص مبديا رغبته في التعاقد, هذا العرض يجب أن يتضمن كافة العناصر الأساسية للعقد, فإذا تعلق الأمر بالرغبة في البيع مثلا يلزم تحديد المبيع و الثمن , ويتميز الإيجاب عن غيره من المؤسسات المتشابهة:

الإيجاب و المفاوضات التمهيدية : بحيث يتميز هذا الصنف الذي يسبق عملية التعاقد في أن الإيجاب يعتبر خطوة مباشرة إلى العقد وذلك بمجرد صدور القبول من طرف الآخر أما المفاوضات التمهيدية فهي خطوة نحو الإيجاب وتتمثل هذه المفاوضات في مجموع المناقشات و المحادثات التي تتعلق بموضوع العقد, دون أن يكون لها دور حاسم في إبرام العقد, وبالتالي فإنه لا يترتب على الإخلال بها أي مسؤولية عقدية.

الإيجاب ومجرد الدعوة للتعاقد : فقد نصادف في الحياة اليومية بعض الإعلانات في الجرائد و الصحف تدعو إلى التعاقد ففي هذه الحالة لا تعد استجابة الشخص لهذه الدعوة قبولا ينعقد به العقد, وإنما تلبية الدعوة هي التي تعد إيجابا بمعناه الدقيق يتوقف على صدور قبول الطرف الداعي للتعاقد كشرط لقيام العقد.

المطلب الثاني : القوة الملزمة للإيجاب :

الأصل أنه ليس للإيجاب بحد ذاته قوة إلزامية , إذ يمكن للموجب أن يتراجع عن إيجابه طالما لم يقترن به وما دام الطرف الذي وجه إليه الإيجاب لم يشرع في تنفيذ العقد, وهذا ما يستشف من الفصل 26 من قانون العقود والالتزامات الذي ينص على انه ” يجوز الرجوع في الإيجاب ما دام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر, غير أن المشرع أورد لهذه القاعدة استثنائيين :

الفقرة الأولى : إقتران الإيجاب بأجل للقبول :

حيث يلتزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي ذلك الجل, وهذا ما ينص عليه الفصل 29 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه : “من تقدم بإيجاب مع تحديد اجل للقبول بقي ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى انصرام الأجل ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد: “

فمثلا إذا حدد الموجب أسبوع أو شهر للقبول, فإنه يلتزم بالبقاء على إيجابه طول هذه المدة, فإذا عدل على إيجابه لم يكن لهذا العدول أي أثر, بحيث لو صدر القبول من الطرف الآخر بعد هذا العدول وقبل انصرام الأجل واقترن بالإيجاب ترتب عن ذلك انعقاد العقد.

الفقرة الثانية : إذا كان الإيجاب تم بطريق المراسلة دون تحديد اجل:

فإن الموجب يلتزم بالبقاء على إيجابه طيلة المدة اللازمة لوصول العرض إلى علم من وجه إليه والرد عليه بالطرق العادية والمألوفة ما لم يكن الموجب قد ابلغ الموجب إليه الإيجاب انه لن ينتظر المدة التي تستغرقها المراسلة العادية, كأن يطلب منه أن يكون القبول بواسطة الهاتف أو الفاكس عندها يستطيع التحلل من إيجابه دون انتظار الوقت الذي يستغرقه رد من وجه إليه الإيجاب في الأحوال العادية,

 وهذا ما ينص عليه الفصل 30 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه ما يلي: “من تقدم بإيجاب عن طريق مراسلة من غير أن يحدد أجلا بقي ملتزما به إلى الوقت المناسب لوصول رد المرسل إليه داخل اجل معقول ما لم يظهر بوضوح من الإيجاب عكس ذلك, وإذا صدر التصريح بالقبول في الوقت المناسب ولكنه لم يصل إلى الموجب إلا بعد انصرام الأجل الذي يكفي عادة لوصوله إليه, فان الموجب لا يكون ملتزما مع حفظ حق الطرف الآخر في طلب التعويض من المسؤول قانونا.

المبحث الثاني : القبول :

المطلب الأول : مفهوم القبول :

القبول هو التعبير الصادر عن الشخص الموجه إليه الإيجاب “القابل” كدلالة على أنه في العرض المقترح عليه, غير أنه يثور في هذا الصدد إشكال يتعلق هل يعتبر السكوت تعبيرا عن الإرادة؟

لا مجال للحديث عن السكوت في الإيجاب , لأن الإيجاب هو العرض الذي يوجهه أحد الطرفين إلى الآخر ويشكل الشق الأول من العملية التعاقدية فلا بد من أمر إيجابي يدل عليه ولا يتصور استخلاصه من مجرد سكوت, وإنما المقصود سكوت القابل “أي من وجه إليه العرض” فهل يعتبر سكوته تعبيرا عن قبوله؟”

الأصل أن السكوت لا يتضمن أي دلالة على القبول وفي هذا المعنى قرر فقهاء الشريعة الإسلامية القاعدة التالية ” لا ينسب لساكت قول” ذلك أن استخلاص القبول من مجرد السكوت يعني فرض واجب على الشخص بأن يفصح عن رفض كل ما يحلو لغيره أن يوجه غليه من إيجاب وإلا اعتبر قابلا له ففي ذلك تكليف شديد للناس لا يرتضيه المنطق السليم.

بيد أن فقهاء الشريعة الإسلامية اعتبروا السكوت تعبيرا عن القبول على سبيل الاستثناء عندما تحفه ظروف تجعل فيه هذه الدلالة فقالوا :” السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان” وهذا هو الموقف هو الذي سلكه المشرع المغربي في قانون الالتزامات و العقود , كما أن المشرع في تنفيذ العقد من طرف الموجه إليه الإيجاب يقوم مقام القبول على أساس التنفيذ الاختياري يعتبر قبولا ضمنيا للإيجاب وينص على ذلك الفصل 25 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه :” عندما يكون الرد بالقبول غير مطلوب من الموجب أو عندما لا يقتضيه العرف التجاري فإن العقد يتم بمجرد شروع الطرف الآخر في تنفيذه.”

المطلب الثاني : شروط القبول :

الشرط الأول يجب أن يصدر القبول و الإيجاب قائما لم يسقط, فإذا كان الإيجاب مقرونا بأجل صريح أو بأجل ضمني كما لو تعلق الأمر بالتعاقد بطريق المراسلة, فإن القبول ينبغي أن يتم داخل الأجل الصريح و الضمني, وإذا كان الشخص الذي وجه إليه الإيجاب حاضر ولم تحدد مدة لسريان الإيجاب وجب أن يصدر القبول فورا أي قبل انفضاض مجلس العقد,

ونفس الحكم يسري على التعاقد بين غائبين بواسطة الهاتف, إذ جاء في الفصل 23 من قانون الالتزامات و العقود ما يلي:” الإيجاب الموجه لشخص حاضر, من غير تحديد الميعاد يعتبر كأن لم يكن إذا لم يقبل على الفور من الطرف الآخر. ويسري هذا الحكم على الإيجاب المقدم من شخص إلى أخر بطريقة التليفون.”

الشرط الثاني يتمثل في مطابقة القبول للإيجاب, فإذا كان لمن وجه إليه الإيجاب حرية القبول أو رفضه, فإنه إذا اختار أن يقبل بتعين أن يكون قبولا مطابقا للإيجاب مطابقة تامة, وإلا فلن ينعقد العقد, فالقبول الذي يتضمن زيادة أو نقصان أو تعديل للإيجاب أو الذي يكون معلقا على شروط أضافها من وجه إليه الإيجاب يعد رفضا يتضمن إيجابا جديدا لا ينعقد به العقد إلا بقبول من وجه الإيجاب الأول,

وهذا ما ينص عليه الفصل 27 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه :” الرد المعلق على شرط أو المتضمن قيدا يعتبر بمثابة رفض للإيجاب متضمنا إيجابا جديدا, ويكفي اعتبار الرد مطابقا للإيجاب أن يصرح الموجب له بقوله : قبلت أو ينفذ العقد بدون تحفظ ” الفصل 28 من قانون الالتزامات و العقود”

المبحث الثالث : إقتران الإيجاب و القبول :

لا يكفي لقيام العقد أن يصدر إيجاب وقبول متطابقان, بل يجب أن يقترن القبول بالإيجاب , وتختلف صور اقتران القبول بالإيجاب باختلاف طرق التعاقد, وكل طريقة من هذه الطرق لها أحكامها الخاصة غير أنها جميعا تخضع لبعض القواعد العامة.

أولا : التعاقد بين الحاضرين :

إذا اتحد مجلس العقد ولم يحدد الموجب ميعادا للقبول, فيجب أن يصدر القبول فور الإيجاب, وإلا تحلل الموجب من إيجابه, وهذا ما ينص عليه الفصل 23 من قانون الالتزامات و العقود الذي جاء فيه ما يلي : “الإيجاب الموجه لشخص حاضر من غير تحديد ميعاد يعتبر كأن لم يكن إذا لم يقبل على الفور من الطرف الآخر.”

ثانيا : مظاهر التعاقد بين الغائبين :

التعاقد بين غائبين هو الذي يتم بين متعاقدين لا يجمعهما مجلس واحد, وتتميز هذه الحالة بوجود مدة من الزمن بين صدور القبول عن من وجه إليه الإيجاب وعلم الموجب بهذا القبول, إلا في حالات إستتنائية كالتعاقد بين غائبين بواسطة الهاتف إذ رغم اختلاف المكان بين الموجب و القابل فلا يفصل بين صدور القبول و العلم به أي الزمن, مما يثير التساؤل متى يتم العقد؟ هل وقت صدور القبول أم وقت العلم به؟

فإذا تعين الوقت الذي يتم فيه العقد نحدد أيضا المكان الذي أبرم فيه, فإذا قلنا أن العقد يتوقف على علم موجب بالقبول كان مكان العقد هو الذي يوجد به الموجب وفي المقابل يتم العقد في المكان الذي وجه فيه القابل إذا قلنا بأن العقد يتم بمجرد صدور القبول.

أ – التعاقد بين الغئبين عن طريق المراسلة :

يعد التعاقد بالمراسلة أبرز صور التعاقد بين غائبين, ويجري بتبادل رسائل الموجب والقابل, كأن يرسل تاجر من مدينة الدار البيضاء غلى تاجر بمدينة أكادير رسالة يعرض عليه فيها بيع بضاعة بشروط معينة ويجيب التاجر في اكادير رسالة يضمنها قبوله الشراء بالشروط المعروضة عليه, فكيف يتم تحديد زمن انعقاد العقد ومكانة في هذا النوع من التعاقد؟

النظريات الفقهية التي تجيب عن مسالة تحديد الزمان و المكان الذي يتم فيه العقد وهي أربع نظريات , نظرية إعلان القبول و نظرية إرسال القبول ونظرية تسلم القبول ونظرية العلم بالقبول.

نظرية إعلان القبول : يرى أنصارها أن العقد الحاصل بالمراسلة ينعقد بمجرد صدور القبول عن الشخص الذي وجه غليه الإيجاب على اعتبار أن تقابل الإرادات يحصل في هذا الوقت.

نظرية إرسال القبول : يرى أنصار هذه النظرية بأن العقد لا ينعقد في الواقع إلا إذا قام القابل بإرسال الخطاب الذي يتضمن قبوله للعرض الموجه إليه, نظرا لاحتمال تراجع القابل عن القبول الذي صدر عنه ويحصل ذلك عادة بوضع الرسالة في صندوق البريد.

نظرية تسلم القبول : يلح أنصار هذه النظرية على ضرورة تسلم الموجب لخطاب القابل معتبرين واقعة التسلم زمانا لانعقاد العقد,حتى ولو لم يطلع على مضمون الرسالة.

نظرية العلم بالقبول : يرى أنصار هذه النظرية أن العقد لا يتم غلا في الزمان و المكان اللذين يصل فيهما القبول إلى علم الموجب, وذلك كدليل على توافق الإرادتين بصورة فعلية.

وبالرجوع غلى مقتضيات الفصل 24 من قانون الالتزامات و العقود الذي ينص :”يكون العقد الحاصل بالمراسلة تاما في الوقت و المكان الذي يرد فيهما من تلقى الإيجاب بقبوله ” الأمر الذي يمكن القول معه ان المشرع المغربي اعتد بنظرية إعلان القبول.

ب – التعاقد بين الغئبين بواسطة وسيط أو رسول :

يتم التعاقد بهذه الطريقة حينما يقوم هذا الوسيط او الرسول بنقل إرادة الموجب إلى الطرف الآخر, في هذا الإطار تنص الفقرة الثانية من الفصل 24 من قانون الالتزامات و العقود على أنه : ” العقد الحاصل بواسطة رسول أو وسيط يتم في الوقت و المكان اللذين يقع فيهما رد من تلقى الإيجاب للوسيط بأنه يقبله.”

ج : التعاقد بين غائبين عن طريق الهاتف :

بخصوص هذه الطريقة يتم التعاقد بين متعاقدين لا يجمعهما مجلس واحد, ولكن ينطبق عليهما حكم التعاقد بين الحاضرين من حيث الزمان حسب الفقرة 2 من الفصل 23 من قانون الالتزامات و العقود, أما بالنسبة لمكان انعقاد العقد بواسطة الهاتف, فإن الفقه يذهب بأن العقد بالهاتف يعتبر منعقدا في مكان القابل تأسيسا على كون المشرع المغربي يأخذ بنظرية إعلان القبول.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!