أركان العقد_السبب

أركان العقد: السبب – التعريف و الشروط

تعتبر نظرية السبب من المواضيع القانونية التي أثارة نقاشا فقهيا واسعا خاصة مع بداية القرن العشرين فقد توصل أنصار النظرية التقليدية في السبب إلى وضع بناء لهذه النظرية سرعان ما تهدم نتيجة الانتقادات التي وجهت إليه من طرف أنصار النظرية الحديثة في السبب.

تعريف السبب وفق النظرية التقليدية:

يقصد بالسبب وفق أنصار هذه النظرية الغرض القريب المباشر دون النظر إلى غيره من السباب البعيدة, اي السبب القصدي ويكون واحد في كل الالتزامات من النوع الواحد، أي أنه لا يختلف من متعاقد الآخر في العقد الواحد:

1- ففي العقود الملازمة للجانبين فإن سبب التزام كل متعاقد هو التزام المتعاقد الآخر، ففي عقد البيع التزام البائع بتسليم المبيع هو التزام المشتري بدفع الثمن، وفي عقد الكراء سبب أداء المكتري هو التزام المكري بتمكين المكتري من الاستفادة من العين المكتراة.

2- أما بالنسبة للعقود العينية فإن سبب الالتزام هو التسليم، ففي عقد الرهن الحيازي، فإن سبب التزام الدائن المرتهن برد الشيء المرهون لصاحبه يتمثل في واقعة التسليم التي وقعت أثناء إبرام عقد الرهن

3- أما بالنسبة للتصرفات التي تفيد التبرع فإن سبب الالتزام فيها تكمن في نية التبرع ذاتها

من خلال ما تقدم يتضح أن مفهوم السبب لدى أنصار النظرية التقليدية في السبب يتميز بأنه ذو طابع موضوعي لا يتغير في النوع الواحد من العقود، لا علاقة له بالنوايا والرغبات الشخصية للمتعاقدين.

تعريف السبب وفق النظرية الحديثة:

النظرية الحديثة في السبب لئن كانت النظرية التقليدية في السبب تقف عند الغرض المباشر الأول الذي دفع المتعاقد إلى التعاقد والالتزام، فإن النظرية الحديثة للسبب تتجاوز معنی الغرض المباشر إلى الباعث الدافع إلى التعاقد وهو عامل نفسي يختلف من متعاقد لآخر، أي أن السبب وفق أنصار هذه النظرية هو الباعث الشخصي البعيد الدافع إلى التعاقد،

 فمثلا إذا اشترى شخص منزلا من أجل إعداده للقمار، والتزم بدفع ثمنه إلى البائع فإذا تم الاكتفاء بالغرض الذي من أجله قبل المشتري بالالتزام أي الحصول على ملكية المبيع كفرض مباشر فهو غرض مشروع، لكن النظرية الحديثة لا تقف عند هذا الغرض كما هو الشأن بالنسبة للنظرية التقليدية، بل تتعداه إلى الغرض البعيد أي الدافع الشخصي الذي كان سببا ودافعا للتعاقد، وهو في المثال المذكور استعمال العقار كمكان للقمار، وهو غرض غير مشروع لمخالفته للنظام والآداب العامة، وبالتالي فالعقد باطل وفق أنصار النظرية الأخيرة لعدم مشروعية سببه.

ويرجع الفضل في بروز هذه النظرية إلى القضاء الفرنسي الذي تبين له أن الحلول التي اقترحتها النظرية التقليدية قاصرة عن الاستجابة لجميع المشاكل التي يطرحها السبب أمام المحاكم، فقضى ببطلان تصرفات تأسيسا على أن الباعث على إبرامها كان غير مشروع، فقد أبطل تبرعا من شخص لخليلته لأن الباعث عليه إنشاء أو استمرار علاقات جنسية غير شرعية، كما أبطل عقود إيجار لأن الباعث عليها إعداد أمكنة للبغاء والمقامرة.

السبب في القانون المغربي :

تناول المشرع المغربي ركن السبب في الفصول من 62 إلى 65 حيث تعرض على التوالي إلى ضرورة وجود السبب في الالتزامات وأن يكون مشروعا غير مخالف للنظام العام أو الآداب ثم افترض أن لكل التزام سيبا حقيقيا ومشروعا إلى أن يثبت العكس، ثم تطرق لمسألة إثبات السبب.

أمام غموض مقتضيات هذه الفصول، انقسم الفقه المغربي بخصوص تفسيره للسبب المقصود في القانون المغربي إلى اتجاهين أولهما ذهب إلى أن المشرع تبني النظرية التقليدية في السبب. وثانهما – والذي نؤيده – يرى أن المشرع المغربي اعتمد موقفا وسطا بين النظريتين التقليدية والحديثة ، فهو عندما يشترط أن يكون السبب موجود وحقيقي إنما يقصد الغرض المباشر للتعاقد، وعندما يشترط أن يكون السبب مشروع بقوله بأن الالتزام المبني على سبب غير مشروع بعد كان لم يكن ، فهذه إشارة واضحة إلى السبب العقدي الباعث على إنشاء التصرف لأن السبب سواء كان مشروعا أو غير مشروع فهو موجود دائما.

وبالصرف النظر عن السبب المقصود في القانون المدني المغربي، فإن المشرع المغربي اشترط في السبب الشروط التالية:

الفقرة الأولى : أن يكون السبب موجودا:

 لقد اشترط المشرع المغربي لصحة الالتزامات أن تكون مبنية على سبب، فالالتزام الذي لا سبب له بعد باطلا بقوة القانون، وهذا ما تؤكده الفقرة الأولى من الفصل 62 من قانون الالتزامات والعقود ، حيث تنص على أن : ” الالتزام الذي لا سبب له أو .. بعد كأن لم يكن”. كما لو قام الورثة بدفع مبلغ من النقود لشخص معين بناءا على وصية من مورثهم، ثم تبين أن هذا الأخير قد تراجع عن وصيته قبل وفاته، وبذلك يصبح التزام الورثة مجردا من السبب الذي يبرر تنفيذ الوصية لصالح المستفيد منها.

الفقرة الثانية : أن يكون السبب مشروعا:

حيث ربط المشرع المغربي ركن السبب بعنصر المشروعية، وبين المقصود من هذا الشرط، وذلك في الفصل 62 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه: “الالتزام…أو المبني على سبب غير مشروع بعد كأن لم یکن.

يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو النظام العام أو القانون” مثاله : أن يلتزم شخص تجاه شخص بارتكاب جريمة مقابل مبلغ من النقود، فالالتزام بدفع المبلغ التزام محله مشروع، لكن سببه – وهو ارتكاب الجريمة في هذه الحالة – غير مشروع، فيصبح بذلك الالتزام باطلا لانتفاء شرط مشروعية السبب.

الفقرة الثالثة : أن يكون السبب حقيقيا:

 يشترط في السبب أن يكون حقيقيا لا وهميا أو كاذبا، وهذا ما يتضح من الفصول 63 و64 و 65 من قانون الالتزامات والعقود. ويكون السبب كاذبا إذا كان صوريا أي ظاهريا يخفي سببا آخر، غير أن الالتزام الذي يقوم على سبب صوري لا يكون باطلا لصورية السبب، وإنما لكون السبب في الغالب غير مشروع، ومن ثم فإن الالتزام يكون باطلا لعدم مشروعية السبب . ومثاله الشخص الذي يتظاهر بدفع مبلغ معين من النقود لامرأة على أساس أنه قرض، بينما هو يهدف إلى مكافأتها على العلاقة غير المشروعة التي تربطهما سريا.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!