آثار الطلب

يترتب على التقدم بطلب أمام المحكمة عدة آثار، وتمتد هذه الآثار على حد سواء لأطراف النزاع وللمحكمة التي تنظر فيه، ويتمثل أول هذه الآثار في التحديد النهائي لمجال النزاع، وهو ما يترتب عنه بشكل غير مباشر تحديد السلطات التي تتوفر عليها المحكمة وحصرها في الحدود التي رسمها الأطراف.

المطلب الأولى : تحديد مجال النزاع:

165- لا يمكن للأطراف أن يناقشوا إلا النقط التي تم تحديدها في الطلبات التي تقدموا بها، فتلك الطلبات هي التي ترسم معالم النزاع بشكل نهائي لا رجعة فيه، غير أنه يمكن لطرفي النزاع تعديل ذلك المجال، بتمديده إلى نقط أخرى كلما اجتمعت الشروط التي ينص عليها القانون، ويبقی توسيع مجال النزاع في الواقع العملي أمرا إستثنائيا لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات نادرة.

أ- مبدأ ثبات النزاع:

يمكن الحق في التصرف في النزاع أساسا المدعي وإستثناء المدعى عليه، من تحديد مجاله وعناصره بكل حرية، وكنتيجة لذلك فإن كل تصرف يصدر عن الأطراف في هذا الصدد يصبح ملزما لهم بشكل نهائي ويقيد من حقهم في مراجعة أو تعدیل مجال النزاع.

 ويجد منع الأطراف من تعديل مجال النزاع المعروض على المحكمة سنده في مبدأ ثبات النزاع المستمد من القانون الروماني، ويترتب عن إعماله بشكل حتمي تحويل النزاع إلى جسم صلب، وتفاديا للإنعكاسات السلبية لهذا الطابع فقد نصت معظم التشريعات المقارنة على مجموعة من الآليات التي تسمح للأطراف بتعدیل مجال النزاع، إلا أن الإستفادة من هذه الرخصة تم تقييدها بضرورة توفر مجموعة من الشروط.

 ويرتبط مبدأ الثبات بشكل جوهري بمبدأ حق التصرف في النزاع وسرعة البت في النزاع، ويمكن اعتباره بمثابة نتيجة منطقية لإعمال الميادين السابقين، فإذا كان المبدأ الأول يمكن المدعي من رسم معالم النزاع بكل حرية، فإنه من الطبيعي أيضا أن يتحمل النتائج المترتبة عن تصرفه طوال المدة التي يستغرقها سريان النزاع وإلى غاية البت فيه، كما يضمن المبدأ الثاني للمتقاضين الحق في الحصول على حكم فاصل في الموضوع داخل آجال معقولة،

ولا يمكن الوصول إلى هذا المبتغى إذا كان بإمكان الأطراف تعدیل مجال النزاع بكل حرية في أية مرحلة من مراحل الدعوى من خلال التقدم بطلب مغاير لذلك الذي تقدموا به في البداية، وقد تستعمل هذه الوسيلة بالخصوص من طرف المدعى عليه بغية تأخير البت في النزاع والإضرار بمصالح المدعي، وهذا ما يتناقض مع مبدأ التقاضي بحسن النية المنصوص عليه في قانون المسطرة المدنية

ب- الاستثناءات الواردة على هذا المبدأ:

 يتم إستبعاد مبدأ ثبوتية النزاع وإضفاء بعض الليونة عليه من خلال السياح للأطراف بتعديله في حالتين إثنتين، الحالة الأولى هي التي يسمح فيها للأطراف بالتقدم بطلب عارض، أما الحالة الثانية فهي التي يسمح لهم فيها بالتقدم بطلب جدید أمام محكمة الدرجة الثانية، ولا يتم في هذه الحالة الأخيرة إستبعاد مبدأ الثبات لوحده بل يتم أيضا المساس بأحد المبادئ الرئيسية للمسطرة المدنية ألا وهو مبدأ التقاضي على درجتين.

المطلب الثاني: إلزامية البت في الطلب:

لا يهم هذا الأثر الأطراف بل المحكمة المرفوع أمامها النزاع، ويترتب عنه إلزامية البت في الدعوى والطلبات التي تقدم بها الأطراف في جميع الأحوال، وتعتبر كل هيئة حكم رفضت بدون سبب مشروع البت في نزاع معين، بأنها مرتكبة لجريمة إنكار العدالة، ولا يعتبر سبیا مشروعا عدم تنظيم المشرع للمسألة المطروحة في النزاع تنظيما دقيقا.

وتحدد السلطات المخولة لهيئة الحكم التي تنظر في النزاع أيضا طبقا للطلب، إذ أن كل ما يتعين عليها فعله هو البت فيه من خلال الإجابة عن المسألة القانونية المطروحة، فلا يمكنها تحوير الطلب أو تجاوزه والبت في أكثر مما طلب منها أو الإكتفاء بإعطاء إجابة جزئية عن بعض العناصر دون غيرها.

أ- إنكار العدالة:

إنكار العدالة جريمة يتمثل ركنها المادي في إحجام هيئة قضائية معينة عن البت في الدعوى التي تم رفعها أمامها بدون سبب مشروع، ويمكن اعتبار تجريم هذا الفعل بمثابة صيانة أساسية يتمتع بها المتقاضون، كما أن هذا التجريم يتماشى ومبدأ الإسراع في البت الذي ينص عليه القانون، ولا يعتبر سببا مشروعا يبرر عدم البت في النزاع جهل القاضي بالمقتضيات القانونية المنظمة للنازلة بل ولا حتى غياب النصوص القانونية القابلة للتطبيق.

 ب- إلزامية البت في حدود الطلب:

 يتعين على محكمة الموضوع المعروض أمامها النزاع أن تبت في حدود الطلب المرفوع أمامها، فلا يمكنها البت في أكثر مما طلب ولا بأقل من ذلك، وتعتبر المحكمة بأنها بتت بأكثر مما طلب إذا منحت ما لم يطلب منها أو تجاوزت ما طلب منها، وتعتبر بأنها بنت بأقل مما طلب منها إذا إكتفت بالفصل في بعض أجزاء الطلب دون غيرها. وتجدر الإشارة إلى أنه من الضروري التمييز بين البت في أقل مما طلب ومنح المدعي أقل مما طلب، إذ أن هذه الحالة الثانية تدخل ضمن السلطة التقديرية لمحاكم الموضوع، وكمثال على ذلك تحديد التعويض في مبلغ يقل عن ذلك الذي طالب به

 ويجد الإلتزام بالبت وفق الطلب أساسه في مقتضيات الفصل 3 من ق.م.م ويشكل عدم إحترام هذه القاعدة خرقا للقانون، ويشكل هذا الخرق سببا موجبا لإلغاء الحكم أو نقضه، كما يشكل أيضا سببا من الأسباب الموجبة للطعن بإعادة النظر.

المطلب الثالث: قطع أجل التقادم:

 يترتب على رفع الدعوى أمام المحكمة قطع أجل التقادم، وينتج عن القطع عدم إحتساب الأجل الذي انصرم قبل رفع الدعوى، ليبدأ إحتساب أجل جدید للتقادم إنطلاقا من تاريخ البت، وتنتج نفس الآثار حتى ولو تم رفع النزاع أمام محكمة غير مختصة.


موقع يعني بشعبة القانون, محاضرات, ندوات, كتب جامعية, مقالات و كل ما له علاقة بالقانون من منظور أكاديمي






error: Content is protected !!